من قاع الهامور إلى بيكيني.. الوجه الآخر لعالم سبونج بوب: جزيرة تحولت إلى مسرح للتجارب النووية
آخر تحديث: الإثنين 24 أغسطس 2026 - 12:18 ص بتوقيت القاهرة
سيمون موريس
منذ أيام تصدّر «قاع الهامور» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بعدما تحوّل عالم «سبونج بوب» الخيالي إلى مدينة افتراضية يتعامل معها المستخدمون وكأنها مجتمع حقيقي، فـ«قاع الهامور» هو الاسم العربي لـ«Bikini Bottom»، ولكن الاسم نفسه يرتبط بمكان حقيقي في المحيط الهادئ هو بيكيني أتول في جزر مارشال.
ارتبطت جزيرة بيكيني بواحدة من أكثر الفترات أهمية في تاريخ العالم، بعدما أصبحت ساحة للتجارب النووية الأمريكية خلال الحرب الباردة، فكيف تحولت هذه الجزيرة الهادئة إلى أحد أبرز المواقع المرتبطة بتاريخ التجارب النووية؟
الموقع الجغرافي
وفقا لكتاب "من أجل خير البشرية"، للكاتب والمؤرخ "جاك نيدينثال"، تُعد بيكيني أتول واحدة من 29 جزيرة مرجانية حلقية، وخمس جزر تُشكّل جزر مارشال، وتنتشر هذه الجزر المرجانية على مساحة 357,000 ميل مربع في منطقة نائية من العالم تقع شمال خط الاستواء في المحيط الهادئ بين هاواي والفلبين.
وبحسب "نيدينثال"، تم اكتشاف جزر مارشال في القرن السابع عشر، وكانت جزيرة بيكيني تُستخدم كمصدر أساسي لإنتاج زيت جوز الهند (الكوبرا). كما كانت الجزر المرجانية في جنوب مارشال جذابة للتجار لقدرتها على إنتاج كميات أكبر من الكوبرا، فضلا عن كونها موطنًا لأنواع متنوعة من الحيوانات والنباتات، وقد سكنها البشر لآلاف السنين.

اختيارها ساحة للتجارب النووية
لم تقتصر أهمية بكيني على موقعها الجغرافي، فمع تصاعد التوترات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، أصدر رئيس الولايات المتحدة آنذاك، هاري إس. ترومان، في ديسمبر من عام 1945، توجيهًا لمسؤولي الجيش والبحرية يقضي بضرورة إجراء تجارب مشتركة للأسلحة النووية "لتحديد تأثير القنابل الذرية على السفن الحربية الأمريكية"، ونظرًا لموقع بكيني البعيد عن الطرق الجوية والبحرية المعتادة، تم اختيارها لتكون ساحة التجارب النووية الجديدة لحكومة الولايات المتحدة.
وفي مارس 1946، بدأ تنفيذ خطة إجلاء سكان بكيني، الذين بلغ عددهم 167 شخصا بمسافة تبعد 125 ميلا شرقا عبر المحيط الهادي، تمهيدًا لانطلاق «عملية كروسرودز» الأمريكية، التي استعدت لها الولايات المتحدة بتجهيز موقع التجارب على نطاق واسع، حيث وصلت نحو 242 سفينة حربية و156 طائرة و25 ألف جهاز لرصد الإشعاع، إلى جانب آلاف الحيوانات المستخدمة في التجارب، وبمشاركة أكثر من 42 ألف عسكري ومدني أمريكي.

أُجريت «عملية كروسرودز» وسط اهتمام إعلامي واسع، وبمشاركة وحضور مسؤولين وصحفيين وعلماء وعسكريين ومراقبين أجانب، وشملت اختبارين رئيسيين؛ الأول «أبل» في 30 يونيو، حين أُسقطت قنبلة نووية بقوة 21 كيلوطنًا من طائرة B-29 وانفجرت على ارتفاع نحو 161 مترًا فوق أسطول يضم أكثر من 70 سفينة حربية، لكنها أخطأت هدفها بأكثر من 450 مترًا.
أما الاختبار الثاني «بيكر»، فأُجري في 24 يوليو باستخدام قنبلة نووية تحت الماء على عمق نحو 28 مترًا، وأدى الانفجار إلى رفع عمود هائل من المياه وتلويث السفن بالإشعاع، كما تسبب في تدمير وغرق وانقلاب عدد من السفن، وفقا للكاتب جاك نيدينثال.

(برافو) أقوى انفجار نووي أمريكي
وفي خضم التجارب النووية التي أجرتها الولايات المتحدة في جزر مارشال، جاء اختبار «برافو» في 1 مارس 1954، ليصبح أقوى انفجار نووي أمريكي في الغلاف الجوي حتى ذلك الوقت، وبلغت قوة القنبلة الهيدروجينية نحو 15 ميجا طن، أي أقوى بألف مرة من قنبلتي "فات مان" و"ليتل بوي"، الذريتين اللتين ألقيتا في نهاية الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى انتشار سحابة هائلة من المواد المشعة وتلوث واسع النطاق، أجبر سكان رونجيلاب وأوتريك أتول "الجزيرتين المجاورتين" على الإخلاء، كما امتدت تداعيات الانفجار إلى طاقم سفينة الصيد اليابانية «لاكي دراجون»، الذين تعرضوا للتساقط الإشعاعي وتوفي أحد أفراده لاحقًا.

ولم تتوقف آثار تلك التجارب على الأضرار المباشرة للانفجارات، فبحسب منظمة اليونسكو، أُجُريت 23 تجربة نووية في بيكيني، بين عامي 1946 و1958، فيما بلغت القوة التراكمية للتجارب النووية في جزر مارشال ما يعادل نحو 7000 ضعف قوة القنبلة التي أُلقيت على هيروشيما، لتصبح المنطقة واحدة من أبرز المواقع المرتبطة بتاريخ التجارب النووية في العالم.
عودة محفوفة بمخاطر الإشعاع
وبعد انتهاء سلسلة التجارب النووية، بدأت الولايات المتحدة في أواخر الستينيات الاستعداد لإعادة سكان بيكيني إلى جزيرتهم، بعدما أشارت دراسات رسمية إلى أن مستويات الإشعاع أصبحت آمنة للعودة. وفي عام 1968، بدأت أعمال التنظيف وإعادة تأهيل الجزيرة، قبل أن تعود ثلاث عائلات إلى بيكيني عام 1972.

وبحلول عام 1977، أكدت دراسة لوزارة الطاقة الأمريكية أن مستويات التعرض للإشعاع المرتبطة بالحياة في بيكيني تجاوزت الإرشادات الفيدرالية المسموح بها، كما رصد علماء أمريكيون ارتفاعًا بنحو 11 ضعفًا في مستويات السيزيوم-137 لدى أكثر من 100 شخص كانوا يقيمون في الجزيرة. وأثارت هذه النتائج مخاوف جديدة بشأن سلامة عودة السكان، خاصة مع استمرار وجود مواد مشعة في البيئة ومصادر الغذاء، حيث تبين أن سرطانات جوز الهند تحتوي على مستويات مرتفعة من الإشعاع نتيجة تغذيتها على أجزاء ملوثة من الأشجار، وأثارت هذه النتائج شكوكًا حول سلامة الحياة في الجزيرة وإقامة السكان فيها بشكل دائم.
شاهد على العصر النووي
ونظرا لأهمية موقع جزيرة بكيني أتول التاريخي، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، موقع بيكيني على قائمة التراث العالمي عام 2010، خلال الدورة الرابعة والثلاثين للجنة التراث العالمي في برازيليا، ليصبح أول موقع في جزر مارشال يحظى بهذا التصنيف الدولي، حيث يضم العديد من البقايا العسكرية، إلى جانب عناصر مميزة من المناظر الطبيعية البرية والمائية والسفن الغارقة، ما يجعله شاهدًا ملموسًا على نشأة الحرب الباردة وسباق تطوير أسلحة نووية أكثر قوة.
