حاجة نفسية تتجاوز السخرية.. لماذا وجد آلاف المصريين متعتهم في قاع الهامور؟
آخر تحديث: الإثنين 24 أغسطس 2026 - 12:37 م بتوقيت القاهرة
سلمي محمد مراد
أصبحت الحياة اليومية مليئة بالضغوطات والأعباء، وحتى العالم الرقمي الذي كان يلجأ إليه الناس للترفيه أحيانا والهروب من ضغوطات الواقع أصبح هو الآخر يفرض سباقا من نوع آخر، وفي ظل هذا السباق ظهر ترند ساخر جديد، عبارة عن جروب باسم "مشاكل أهالي قاع الهامور"، كمجتمع خيالي جذب تفاعل عدد كبير من مستخدمي وسائل التواصل وتخطى المليون ونصف في بضعة أيام.
ويعتبر ذلك مثالا على الطريقة التي يمكن أن تستخدم بها المجتمعات الرقمية الخيال والفكاهة لصناعة مساحة مؤقتة للراحة والتواصل، ولتفسير أسباب الإقبال الكبير على هذا العالم الخيالي، تواصلت "الشروق" مع الدكتورة رحاب العوضي، أستاذة علم النفس السلوكي.
- حتى الكبار يحتاجون إلى اللعب
تقول الدكتورة رحاب في تصريحات خاصة لـ"الشروق" إن الإنسان قد يلجأ إلى الخيال باعتباره وسيلة لتخفيف التوتر والضغوط والانفعالات السلبية التي يواجهها في حياته اليومية، منوهة بأنه يمكن لشخص بالغ أن يتعامل مع مدينة غير موجودة باعتبارها مكانا حقيقيا ويصنع لها شخصيات وحكايات وتفاصيل يومية، وهذا لا يعني أنه يتخلى عن إدراكه للواقع، لكنه يمنح نفسه مساحة مؤقتة للابتعاد عنه، حيث يستطيع الشخص في العالم الخيالي أن يتخيل نفسه في موقع مختلف عن واقعه، سواء بطلا أو سعيدا أو ملهما أو منقذا، بشكل يمنحه شعورا مؤقتا بالراحة والانفصال عن الضغوط المحيطة به.
وتشير إلى أن الفارق الأساسي هو أن الشخص في الغالب يكون مدركا أن هذا العالم غير حقيقي، ولذلك يصبح الخيال بالنسبة إليه مساحة للتسلية والترفيه وليس بديلا فعليا عن الواقع ومسئولياته.
كما ترى أن المجتمع أحيانا يضع قيودا صارمة على الطريقة التي يتم السماح فيها للبالغ بالتعبير عن نفسه، حيث ينظر الناس أحيانا إلى البكاء أو الشكوى أو اللعب أو الرغبة في الترفيه باعتبارها سلوكيات لا تليق بالشخص البالغ، خصوصا إذا كان مسئولا عن أسرة أو عمل أو التزامات أخرى، مؤكدة أن الشخص البالغ يظل في حاجة إلى مساحة للراحة واللعب والترفيه بالرغم من مسئولياته، ويمكن أن تكون المشاركة في الترند الساخر أو الانخراط في عالم خيالي على الإنترنت هي الوسيلة للحصول على هذه المساحة.
- من ترند فردي إلى عالم يصنعه الآلاف
تشير الدكتورة رحاب العوضي إلى أن المشاركة في ترند معين لا تعني بالضرورة أن جميع مستخدمي المنصة أصبحوا جزءا من هذه الحالة الجماعية، حيث يجب التمييز بين حجم الجمهور المتاح وحجم الأشخاص الذين شاركوا بالفعل في الظاهرة، لأن العدد ونسبة المشاركة هما ما يساعدان على تقدير مدى انتشار السلوك وسيطرته على النقاش العام.
كما توضح أنه مع ذلك فإن المشاركة في عالم خيالي مع آخرين تضيف بعدا اجتماعيا إلى التجربة، فقد يدخل المستخدم إلى هذا العالم بحثا عن الدعابة والتواصل وتبادل الأفكار، أو حتى يدخل لمجرد الشعور بأنه يتشارك لحظة خفيفة مع أشخاص آخرين يواجهون مثلهم ضغوط الحياة اليومية، بحيث يستطيع ببساطة أن يشارك في المزاح ويضيف تعليقا أو قصة أو شخصية ويغادر، ويصبح العالم الخيالي أشبه بمساحة مؤقتة لا يحتاج الشخص فيها إلى تقديم نفسه بصورة رسمية أو شرح مشكلاته للآخرين.
- متى يكون الهروب إلى الخيال صحيا؟
تؤكد أستاذة علم النفس السلوكي أن الهروب إلى الخيال بشكل مؤقت قد يكون وسيلة طبيعية للترفيه وتخفيف الضغط، ولا يعتبر مشكلة نفسية ما دام الشخص قادرا على العودة إلى حياته الواقعية وممارسة مسئولياته بصورة طبيعية، بينما إذا تحول الأمر من مساحة للترفيه إلى عالم بديل يعيق الشخص عن حياته اليومية، أو عندما يبدأ الشخص في الخلط بين الخيال والواقع، أو تصبح أحلام اليقظة والانغماس في العالم المتخيل مستحوذة على وقته وقدرته على أداء مهامه، وهنا يكمن القلق.
- هل الضحك الجماعي تفريغ نفسي؟
وترى الدكتورة رحاب أن الإنسان يحتاج إلى مساحات للمرح والضحك في مواجهة أعباء الحياة، كما تعتبر بعض الظواهر الساخرة على مواقع التواصل مساحة للتنفيس الجماعي يلتقي فيها آلاف المستخدمين حول نكتة أو قصة أو عالم متخيل، ويتشاركون في صناعة لحظة من المرح حتى لو كانت قصيرة، وذلك نظرا لأن الإنسان المعاصر يعيش في حالة من السباق المستمر مع نفسه ومع الآخرين وكذلك مع الوقت، حيث جعلته وسائل التواصل الاجتماعي أكثر اطلاعا على أماكن ومستويات وتجارب مختلفة بشكل أدى إلى زيادة المقارنة والضغط والطموح، لذلك يحتاج الإنسان أحيانا في وسط هذا التدفق المستمر إلى أن يفصل ذهنه عن الواقع لبعض الوقت، سواء من خلال الضحك أو الخيال أو الحديث العابر مع أشخاص لا يعرفهم.