«الشروق» تناقش قضية الانتحار.. خبراء ومتخصصون يقدمون حلولا للأزمة

آخر تحديث: الجمعة 24 سبتمبر 2021 - 10:03 م بتوقيت القاهرة

كيف يمكن أن تتكاتف المؤسسات الدينية والإعلامية والنفسية والسينمائية لحل أزمة الانتحار؟

ما زال المجتمع المصري يواجه أزمة حالات الانتحار المتسارعة، رغم محاولات الدولة ومؤسساتها في الحد من انتشارها كـ "ظاهرة" داخل البلاد، وتأكيد مركز الأزهر للفتوى العالمية على أن "الإسلام أمر بالحفاظ على النفس البشرية".

ففي دراسة بعنوان «مشكلة الانتحار في المجتمع المصري»، نشر المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية رسوم بيانية أوضح من خلالها زيادة أعداد المنتحرين لتصل لأعلى معدلاتها في عام 2018، بواقع 1,31 شخص لكل 100 ألف من السكان.

في إطار ذلك، قامت «الشروق» بمناقشة ملف الانتحار مع عدد من الخبراء والمتخصصين للإجابة على أهم الأسئلة المطروحة حول القضية في مصر، وكيف يتعامل المجتمع المصري مع أزمة الانتحار؟، وهل أصبحت مصر مضطرة لوضع استراتيجية فعّالة لمحاربته؟ وما الذي علينا فعله كأفراد للقضاء عليه؟.

وتقدم «الشروق» في التقرير التالي ملخص لمناقشاتها مع الخبراء والمتخصصين، والتي تنشرها في عدة تقارير متعاقبة، للإجابة عن الأسئلة المطروحة حول أزمة الانتحار في مصر، والوقوف على دور المجتمع والمؤسسات الدينية والإعلامية والنفسية والسينمائية في مواجهة حالات الانتحار والحد من انتشارها.

المنتحر في الجنة أم في النار؟

عادة ما يكون هذا هو السؤال الأول الذي يتصدر محركات البحث بعد نشر أي خبر لواقعة انتحار، وعنه تؤكد الدكتورة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر أن النفس البشرية عزيزة على صاحبها، مشيرة إلى أن الله سبحانه وتعالى هو أولى بأرواحنا، ولا يليق أن يتعدى الانسان على أمر ليس ملكه.

وتابعت نصير لـ"الشروق": "ومع ذلك أقول للمواطنين لا يجب أن نحكم على المنتحر، ولكن نكل أمره إلى خالقه الذي هو أعلم به، ولا يجب أن نعط لأنفسنا حق الحكم عليه، فنحن لا نعرف ما الذي دفعه إلى الانتحار".

وأكدت أن كل من يعلق عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الأشخاص المنتحرة بالسوء والتشهير بهم فهو آثم، مستنكرة استسهال ارتكاب الناس لفعل النميمة، خاصة وأن هذه السلوكيات لم تكن من طبيعة الشعب المصري.

ودعت الأستاذة الأزهرية، أي شخص يشعر بالضيق والاكتئاب، إلى الاتصال بالأرقام التي خصصها الأزهر الشريف، 19906، خاصة بعد إطلاقه لمبادرة "لا تيأس"، التي يقدم من خلالها الدعم النفسي والمعنوي للمواطنين سواء من خلال الهاتف، أو المقابلات الشخصية.

لماذا يلجأ الأشخاص إلى الانتحار؟

وقال الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن "الأسباب النفسية التي تدفع الانسان إلى الانتحار يمكن أن تتلخص في مرض الاكتئاب العقلي، والذي يصيب 25 شخصا من كل ألف، وأيضا الاكتئاب المتوسط أو المزمن الذي يصيب الشخص نتيجة الضغوط المستمرة، فعندما لا يجد الإنسان حلا ولا نتيجة، يصيبه اليأس، ويحاول الانتحار، بالإضافة لحالات التهويش التي قد تنقلب إلى حقيقة".

ونفى بحري، أن يكون الانتحار في مصر قد وصل إلى مرحلة الظاهرة، مشيرا إلى أن إحصائيات مركز البحوث الجنائية والاجتماعية تظهر أن نسب الانتحار ليس لها قيمة كبيرة وسط التعداد السكاني الكبير للمصريين، مؤكدا أن تأثر المواطنين بالانتحار وتسليط الضوء عليه حاليا، ليس لكونه ظاهرة، ولكن بسبب كثرة توثيقه بالفيديوهات ونشرها.

بحسب مركز البحوث الجنائية والاجتماعية، فإن أعداد الرجال المنتحرة في مصر يفوق أعداد السيدات بنسبة قد تصل إلى الضعف، وعن هذا قال هاشم، "الست على عكس الرجل، متمرسة في التعامل مع الأزمات، لأنها تواجهها طوال الوقت، وهذا أكسبها نوعا من المرونة، أما الرجل فليس لديه نفس القدرة على التحمل، إذ تتمحور مشكلاته حول عمله فقط، والعبء المادي الذي يقع على كاهله، لذلك يشعر بالفشل الذريع ويلجأ للانتحار، إذا واجه فشل في تحقيق الأمان المادي لأسرته".

هل تساهم الأسرة في زيادة حالات الانتحار؟

أشارت سامية خضر صالح، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إلى غياب الترابط الأسري، الذي يشعر الأبناء بالرعب من آبائهم، ما أدى لظهور حالات انتحار كثيرة حتى بين الشباب الصغار في مرحلة الثانوية العامة، خوفا من الفشل الدراسي الذي لن تتقبله أسرهم.

وتابعت خضر صالح: "على الدولة إصلاح الأسرة المصرية التي تحولت إلى مجموعة أغراب يعيشون مع بعضهم البعض تحت سقف واحد، بتوفير سبل الوعي لترسيخ الفهم والمودة بين أفرادها"، موضحة أن الإعلام لديه أيضا قصورا في توعية الأسرة المصرية بأسس التربية السليمة، من خلال البرامج المفيدة والهادفة.

وأوصت الدكتورة سامية بعدة طرق للحد من الانتحار كقيام المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بمراقبة ما يُعرض للمواطنين في شاشات التليفزيون، وما يقرأونه، وأيضا الحرص على تثقيف الشعب المصري، والاهتمام بالشباب، ونشر الوعي الديني والنفسي، بالإضافة إلى تقديم معلومات مفيدة حول التنشئة الإيجابية للأبناء.

كيف ناقشت الدراما المرض النفسي والانتحار؟

أما الناقد رامي المتولي فقد أوضح في تصريحات خاصة للـ "الشروق"، فقد انتقد جهل البعض، الذي وَلّد صورة تنميطية للقضايا المجتمعية الكبرى في مصر، والتي لا تقتصر فقط على الانتحار، بل أيضا الإدمان والاكتئاب والجنون، بالإضافة إلى ميل السينما للمبالغة، هربا من الرتابة عند عرض واقع الأزمات".

وانتقد المتولي تقديم شخصية المكتئب والمنتحر، على مدار تاريخ السينما الطويل، بنظرة دينية متشددة، لا تجعل المشاهد يتعاطف معهم، مشيرا إلى أن الأولى هو التعاطف والتعامل معهم كضحية للضغوط النفسية والعصبية الكبيرة، التي دفعتهم للتفكير في الانتحار، أو الانتحار بالفعل.

وضرب المتولي مثالا جيدا بمسلسل "خلي بالك من زيزي"، الذي عُرض خلال شهر رمضان الماضي، كمثال لعمل درامي رصد كيفية التعامل مع المرض النفسي، عندما عانت بطلته من مرض فرط الحركة وتشتت الانتباه، شارحا طبيعة المرض وتأثيره على الحياة، وكيفية التعامل معه بشكل بسيط وسلس.

ومع ذلك، نفى المتولي أن تكون الدراما الحالية سببا من أسباب إحباط المجتمع المصري لما تتناوله من مشاهد للعنف والجريمة، مؤكدا أن الدراما انعكاس للمجتمع وليس العكس، نافيا أنها تساهم في تشويه صورة الطبيب النفسي، فهي تعرض الجيد والسيء.

كيف يعالج الإعلام قضايا الانتحار؟

يسير الإعلام جنبا إلى جنب مع الدراما، فهما سويا يساهمان في تشكيل وعي المجتمع المصري، ولذلك دعا الكاتب كرم جبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام، الإثنين الماضي، إلى ضرورة تكاتف المجتمع من أجل حماية النفس البشرية من الانتحار وبث الأمل بين المواطنين، وبناءا عليه، فقد قرر المجلس مناقشة بنود تغطية حوادث الانتحار ومحاولاته، على أن تصدر خلال أسبوعين بعد استطلاع الآراء.

وقد كشفت دراسة القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية أن التناول الإعلامي الحالي لقضايا الانتحار يمكن أن يكون مصدرا محتملا للتشجيع على عدوى الانتحار، وعن هذا قال الدكتور سامي عبد العزيز، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن "التسابق الإعلامي تجاوز حدود المهنة، خاصة في طريقة تناول الأحداث الفردية، وتحويلها إلى ظاهرة، في حين أن الأرقام والإحصائيات تؤكد أنها ليست كذلك".

ووجه الدكتور سامي بضرورة تأني الإعلام لمعرفة ما وراء قضية الانتحار، وأسبابها، دون التسرع في إصدار الأحكام، مشيرا إلى خطر الأخبار التي نتشر المزاج السوداوي بين المواطنين، وموضحا أنه يجب توخى الحذر من الإفراط في نشر مثل هذه الحوادث، التي تحبط المواطنين، وتؤثر على مزاجهم بالسلب.

وعن دور الإعلام في مواجهة الانتحار قال الأستاذ الجامعي للـ "الشروق": "يحب عدم الاهتمام بالتغطية الإخبارية فقط، فالإعلام واجبه مناقشة قضايا المجتمع وتحليلها بعمق بعيدا عن مظاهرات العزاء الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي".

هل معاقبة مَن يؤذي المنتحر يعالج الأزمة؟

وفقا للمركز القومي للبحوث، فهناك فراغ تشريعي بشأن الانتحار بصفة عامة، فلا يوجد تجريم للتحريض على الانتحار أو المساعدة على تنفيذه، أو الترويج للأفكار الانتحارية، أو الإلزام بالعلاج والتأهيل لمن يشرع في الانتحار على غرار العديد من التشريعات العربية والأجنبية.

وردا على ذلك، قال الدكتور عماد الفقي، أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة السادات، أن أسباب الانتحار ليس لها أي علاقة بالتشريع من قريب أو من بعيد، وأن عقاب المشرع للمحرّض على الانتحار لن يؤثر على من ينوي التخلص من حياته.

وتابع الفقي، لـ"الشروق": "الشريك في عملية القتل وفقا للقانون، يستمد إجرامه من الفاعل الأصلي، فإذا كان الفاعل الأصلي هو المنتحر الذي أنهى حياته بيده، والانتحار ليس جريمة، فبالتالي الاشتراك بها سواء عن طريق التحريض على الانتحار، أو إلحاق الأذى النفسي بالمنتحر، سيعتبر قانونيا ليس جريمة أيضا".

ولحل هذه الأزمة، طالب الفقي، الدولة والجهات المعنية بدراسة الأسباب النفسية التي تجعل الناس يقبلون على الانتحار، لأن مواجهة الجرائم بصفة عامة يكون بمعزل عن المشرّع أو العقوبة، مشيرا إلى أن أزمة الانتحار هي مشكلة نفسية واجتماعية بحتة، وإذا أردنا التخلص منها، فيجب أن نصل إلى جذورها ومعالجتها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved