هيثم الحاج علي: «أجمل من نجلاء» رواية تختار لحظتها وتجمع بين خطين وزمنين وحكايتين متوازيتين

آخر تحديث: الخميس 24 سبتمبر 2026 - 5:46 ص بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

 قال الدكتور هيثم الحاج علي أن قصر حجم رواية «أجمل من نجلاء» للكاتب شريف سعيد، والصادرة عن دار الشروق، وسرعة إيقاعها يجعلان قراءتها تجربة شديدة السلاسة، مشيرًا إلى أنه أنهاها في جلسة واحدة، إذ يصعب على القارئ، بعد أن ينخرط في التوليفة التي صنعها شريف سعيد، أن يتوقف عن القراءة قبل معرفة ما ستؤول إليه الأحداث.

وقال الحاج علي إن جزءًا أساسيًا من قراءة أي عمل أدبي يقوم على طرح سؤالين: «كيف؟ ولماذا؟»، أي كيف يتعامل الأدب مع مادته، ولماذا اختار الكاتب هذه الطريقة تحديدًا في بناء عمله.

وأشار إلى أن أكثر ما يميز رواية «أجمل من نجلاء» هو اعتمادها على خطين سرديين وزمنين مختلفين، يتحركان بالتوازي وكأن القارئ أمام حكايتين متداخلتين؛ تبدأ الحكاية الأولى من الحاضر، مع نجلاء، الإعلامية المقيمة في باريس، التي تعيد اكتشاف جانب من حياتها بعدما تشاهد مصادفة صورة لها على شاشة، فتثبتها على حاسوبها لتتأملها وتستعيد تفاصيلها، ثم تبدأ في الكتابة.

وأضاف أن ما تكتبه نجلاء يتحول بدوره إلى الخط الثاني في الرواية، لتصبح أمام القارئ حكايتان تتحركان جنبًا إلى جنب؛ الأولى تبدأ من الحاضر، وتعود إلى الماضي، ليبدأ من زواج الأب والأم، بل من لحظة التكوين الأولى لنجلاء.

وتابع خلال مناقشة الرواية في مكتبة ديوان مصر الجديدة، مساء أمس الأربعاء، بحضور شريف سعيد، والكاتب الصحفي سيد محمود، وإدار اللقاء الإعلامي الدكتور محمد عبده بدوي، أن هذا الخط يبدأ في يناير 1977، بالتزامن مع أحداث انتفاضة يناير، حين كان الأب يستعد للزواج، قبل أن يُقبض عليه.

وتوقف الحاج علي عند دلالة أسماء أفراد العائلة في «أجمل من نجلاء»، مشيرًا إلى أن الأسماء تحمل امتدادًا سياسيًا وتاريخيًا يعود إلى ثورة 1919، بداية من الجد الذي حمل اسم «سندان»، وصولًا إلى «بهاء الوطن» الذي أطلق عليه اسمه تزامنًا مع ميلاده في فترة الثورة.

وأضاف: «أفراد هذه العائلةما بتتولدش غير في الأحداث الفارقة، في المفاصل»، معتبرًا أن ارتباط ميلاد أفرادها بهذه اللحظات يجعلها، داخل الرواية، شاهدة على التحولات التي مر بها الوطن، بحيث تعبر حكاية الأسرة عن تطورات أوسع شهدها المجتمع المصري عبر مراحل مختلفة من تاريخه.

وتابع أن الخطين لا يختلفان فقط في الزمن، وإنما في طريقة السرد أيضًا؛ فالحاضر يُروى عبر الراوي العليم الذي يعرف تفاصيل الشخصيات وماضيها ومشاعرها، بينما يُروى الخط القديم بضمير «الأنا» من خلال الراوي البطل. واعتبر أن هذا الاختلاف في زوايا السرد يمثل جزءًا من «الخبث الروائي» الذي يمنع اختلاط الخطين، ويمنح كل مسار صوته الخاص.

وتوقف الحاج علي عند سؤال الرواية التاريخية الذي تطرحه «أجمل من نجلاء»، موضحًا أن هناك فارقًا بين «حكي التاريخ» الذي يقدمه المؤرخون، و«الحكي عن التاريخ» الذي تقدمه الأعمال الإبداعية من خلال وجهة نظر محددة. ومن هنا، بحسب قراءته، تأتي أهمية أن يكون الخط التاريخي في الرواية محكومًا بوجهة نظر محدودة، لا بادعاء الإحاطة بكل تفاصيل المرحلة.

ولفت إلى أن الرواية تبني رؤيتها التاريخية من خلال تفاصيل صغيرة جدًا في حياة الشخصيات، تبدأ من الطعام والعادات اليومية، وصولًا إلى تغير شكل الحياة الاجتماعية وانتشار الحجاب في الثمانينيات، وتفاصيل تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها تتراكم لتشكّل وجهة نظر كاملة في الزمن الذي تتناوله الرواية.

وأشار إلى أن هذه التفاصيل تظهر كذلك في أسئلة الطفلة نجلاء عن العالم المحيط بها، مثل حديثها مع والدها، مؤكدًا أن مثل هذه التفاصيل الصغيرة تتيح للقارئ رؤية التاريخ من زاوية شخصية وفردية.

وأوضح الحاج علي أن نقطة الالتقاء الأساسية بين الخطين تأتي عندما يكتشف القارئ أن الطفلة التي تظهر في الصورة القديمة هي نفسها المرأة التي تحكي في الحاضر، مشيرًا إلى أن الصورة ترتبط بواقعة تعرض والد نجلاء للعقاب بسبب شرب البيرة في سياق اجتماعي كانت فيه البيرة، وفق تصور الشخصية وبيئتها السابقة، مشروبًا عاديًا على موائد الطبقة الوسطى المصرية.

وتوقف عند حرب عاصفة الصحراء عام 1991، معتبرًا أنها شكلت لحظة فارقة لجيله، لأنها كانت من أوائل اللحظات التي شاهد فيها الناس الحرب مباشرة عبر شاشات التلفزيون، وهم يرون القصف والضحايا في الوقت نفسه الذي تقع فيه الأحداث، وليس بوصفها واقعة تاريخية تُروى بعد انتهائها.

وقال إن أهمية هذه الحرب داخل الرواية تأتي أيضًا من زاوية الطفلة نجلاء، التي لا ترى التحولات الكبرى التي كان جيلها يشهدها، وإنما تختبر الحرب عبر تفاصيلها الصغيرة والمباشرة: أصوات الطائرات، والخوف من الغاز، والانتظار لمعرفة ما إذا كانت الحرب ستصل إليهم.

ورأى أن الخطين لا يتحركان وفق علاقة سببية فقط، وإنما يبحث كل منهما عن صدى للآخر، بحيث تتكرر بعض التفاصيل وتتجاور التواريخ والمواقف، وصولًا إلى لحظة الذروة التي يتقاطع فيها الماضي بالحاضر، وتكتشف نجلاء علاقتها بالصورة التي بدأت منها الحكاية.

كما توقف الحاج علي عند بعض التفاصيل التي تمنح الشخصية أبعادًا متناقضة ظاهريًا، مثل اهتمام نجلاء بشكل جسدها، وفي الوقت نفسه محافظتها على طقوس دينية يومية، معتبرًا أن هذه التناقضات الظاهرية تعكس تركيبًا طبيعيًا لشخصية نشأت في بيئة اجتماعية تشكلت تحت تأثير تحولات متباينة.

وأشار إلى أن الرواية تتجاوز كذلك حدود الواقعي الخالص إلى مناطق تقترب من الفانتازيا والميتافيزيقا، مستشهدًا بظهور العذراء في أحد مشاهد الرواية، ثم اكتشاف نجلاء لاحقًا تفاصيل مرتبطة بأيقونة اختفت من كنيسة في العراق، إلى جانب تحول شخصية «كابتن ماجد» إلى شخصية كرتونية داخل النص، بما ينقل البطلة من عالم واقعي إلى عالم أكثر سحرًا واتساعًا.

ولفت إلى أهمية شخصية «هنري»، العازف الإنجليزي العجوز الذي يعيش في باريس، في بناء هذه المساحات المختلفة داخل الرواية، مشيرًا إلى أن العمل يعتمد كذلك على حضور الموسيقى باعتبارها عنصرًا سرديًا لا مجرد إضافة جمالية.

وأوضح أن الرواية تضم ست مقطوعات موسيقية موزعة على امتدادها، ويأتي شرح كل مقطوعة متوازيًا مع المرحلة التي تعيشها نجلاء، بحيث تصنع المقطوعات تدريجًا تصاعديًا يقود نحو ذروة الأحداث. واعتبر أن الموسيقى تعمل أحيانًا كإشارة تربط بين الخطين السرديين وتكشف أوجه التشابه بينهما.

وأضاف أن إحدى المقطوعات ترتبط بأغنية «السلام عليك يا مريم»، التي تعزفها شخصية هنري، لتأتي في لحظة مرتبطة بظهور العذراء وإنقاذ نجلاء، بما يعزز تداخل الواقعي بالمتخيل.

واختتم الحاج علي قراءته بالتأكيد على أن «أجمل من نجلاء» اختارت لحظتها التاريخية بعناية، ثم بنت حولها مجموعة من التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحكاية تبدو واقعية، من دون أن تتحول إلى سرد مباشر للتاريخ، موضحًا أن الرواية، في تقديره، «تحكي عن التاريخ ولا تحكيه»، إذ تبحث في أسباب اللحظة التاريخية ونتائجها من خلال تجربة فردية وشخصية، وهو ما يلتقي مع فكرة البحث في «الباحة الخلفية للتاريخ» التي طرحها شريف سعيد في حديثه عن الرواية.

وشارك في الحضور عدد من الكتاب والنقاد والإعلاميين، وصناع السينما، من بينهم ماجد منير، رئيس تحرير الأهرام، الناقد الفني عصام زكريا، والإعلامي محمد سعيد محفوظ، الإذاعي حازم طه، المحلل الرياضي تامر بجاتو، والكاتب حسن عبد الموجود، ونانسي حبيب مسؤولة النشر في دار الشروق، الكاتبة الصحفية شيماء سليم، والمخرجة الوثائقية أسماء إبراهيم، والمنتج السينمائي معتز عبد الوهاب، والمخرجة يسر فلوكس، والدكتورة شيماء العزب، مدرس الإعلام بجامعة حلوان.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved