أبرز المشاكل التي قد تواجهها عندما تؤسس شركة مع صديقك

آخر تحديث: الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 - 6:52 ص بتوقيت القاهرة

لم يكن بيتر راينهاردت، الرئيس التنفيذي لشركة "سيغمنت" للتكنولوجيا، يتوقع أنه سيشارك في يوم ما صديق تعرف عليه في المدرسة الإعدادية في تأسيس عمل تجاري.
لكن ذلك حدث عندما تضافرت جهود الزميلين مع طالبيْن جامعييْن آخريْن في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، من أجل إنجاز حلمهم جميعا في مجال ريادة الأعمال.
وهكذا انتقل الجميع في عام 2011 إلى منزل في منطقة "وادي السيليكون" بولاية كاليفورنيا، وحصلوا آنذاك على تمويل لا يُستهان به من برنامج لاحتضان المشاريع الجديدة لإنشاء شركتهم.
لكن الـ 18 شهرا الأولى من المشروع، الذي يتخذ من مدينة سان فرانسيسكو مقرا له، كانت "حالكة"، حسبما يقول راينهاردت، الذي يوضح أنه وشركاءه أنفقوا خلال تلك الفترة "نصف مليون دولار" بلا أي عائد تقريبا. فأول فكرتيْ مشروعيْن عَمِلَت عليهما الشركة باءتا بالفشل. وقتذاك، حاول راينهاردت جاهدا أن يُبقي على جذوة الحماسة متقدة في قلوب جميع الشركاء الأصدقاء، من خلال تجنب قول أو فعل أي شيء يمكن أن يعتبرونه سلبيا. لكن ذلك أدى في الوقت نفسه، إلى نشوب بعض الخلافات.

غير أن حظ الفكرة الثالثة التي عَمِلَ عليها هؤلاء الشركاء كان مختلفا؛ إذ أظهرت مؤشرات على إمكانية تحقيق النجاح، وتمثلت في إطلاق منصة إلكترونية لبيانات العملاء والمستهلكين؛ تستخدمها حاليا شركات مثل "ديليفرو" لخدمات التوصيل و"ليفايس" لسراويل الجينز. ومع بوادر نجاح هذه المنصة، شعر راينهاردت - كما يتذكر الآن - بالبهجة والإنهاك أيضا. ويقول في هذا الصدد: "أدركت آنذاك أنني كنت غير أمين (مع شركائي). لكنني كنت أريد إبقاء الفريق متحمسا حيال ما كنا نعكف على عمله. لم أُرِد قط أن أبلغهم بأي أنباء سيئة".

وتعكس تجربة هذا الرجل إيجابيات تأسيس المرء شركة مع أصدقائه، وسلبيات ذلك أيضا. بالمناسبة، من بين الأمثلة البارزة والناجحة في هذا الصدد أيضا، علاقات الصداقة التي ربطت بين مؤسسي شركات مثل "ميكروسوفت" و"هوليت-باكارد" و"آير بي إن بي"، وكذلك بين رجليْ الأعمال جيري رينفيلد وبِن كوهين، اللذين كانا زميليْ دراسة، قبل أن يؤسسا شركة للمثلجات (الآيس كريم) تحمل اسميهما. لكن النجاح الذي حققته شركات مثل هذه يحجب حقيقة لا يعلمها الكثيرون، تتمثل في أن الكثير من الشركات التي يؤسسها الأصدقاء لا تستطيع البقاء أو الاستمرار للأسف الشديد.
ويمكننا هنا الاستعانة بنتائج جهود بحثية تناولت هذا النوع من الشركات، مثل دراسة نُشِرَت عام 2012، وأعدها الباحث ناوم واسرمان، عندما كان أستاذا في كلية هارفارد لإدارة الأعمال. وحملت الدراسة عنوان "المعضلات التي تواجه مؤسسي الشركات"، وتناولت تجارب 10 آلاف شركة ناشئة، تأسس 40 في المئة منها على يد أصدقاء. وكشفت الدراسة عن أن احتمالات نجاح المشاريع التي أطلقها أصدقاء كانت أقل من الفرص المماثلة التي حظيت بها شركات، أُسِسَت على يد أشخاص لم تربط بينهم علاقات مثل هذه. وأشارت الدراسة كذلك إلى أن وجود صلات اجتماعية بين فريق المؤسسين زاد من إمكانية ترك أحدهم للمشروع، بنسبة وصلت إلى 30 في المئة.
وتفيد بيانات رسمية في الولايات المتحدة، بأن الأمريكيين يعكفون في الوقت الحالي، وبالتزامن مع أسوأ موجة ركود يشهدها العالم منذ سنوات، على تأسيس شركات جديدة، بمعدل هو الأسرع خلال عقد من الزمان. ويُلاحظ وجود هذا التوجه في بريطانيا كذلك. وقد تأسست الكثير من هذه الشركات على يد أشخاص تربط بينهم علاقات من الأصل. وفي ضوء الإحصاءات التي تشير إلى أن 20 في المئة من هذه الشركات الناشئة تفشل في غضون عام واحد، وأن نصفها فقط يستطيع البقاء لخمس سنوات على الأكثر؛ كيف يمكن لمؤسسي مثل هذه المشروعات ضمان أن تشكل الصداقات القائمة بينهم أداة إيجابية لإنجاح شركاتهم، لا عنصرا يقود لانهيارها؟

لا تتردد في طرح أسئلة شائكة
يقول واسرمان، الذي أصبح الآن عميدا لكلية "سي سيمز" لإدارة الأعمال في جامعة يشيفا، إنه بالرغم من أن وجود وجه مألوف ضمن أعضاء فريق تأسيس شركة ما ربما يكون مريحا للغاية بالنسبة للمؤسسين أنفسهم، فإن الشراكة بين أصدقاء في عمل تجاري من هذا النوع يمكن أن يكون أشبه بـ "اللعب بالنار". فـ "إما أن يقود ذلك إلى تشكيل فريق عمل أكثر قوة ويعزز أيضا علاقات الصداقة بين أفراده، وإما أن يفضي لتفكك الفريق من الداخل وانهيار علاقاتهم الشخصية كذلك".

وقد أظهرت الدراسة التي أجراها هذا الرجل أن الهيكل الأكثر استقرارا لفريق تأسيس أي شركة يتألف من أشخاص غرباء عن بعضهم بعضا. ويعود ذلك إلى أن الغرباء لا يعلقون توقعات كبيرة على بعضهم البعض، ولا توجد لديهم أي مخاوف من إمكانية أن تتعرض علاقاتهم الشخصية للخطر، بفعل مناقشتهم لمشكلات أو أخطاء أو قضايا تتعلق بتفاصيل عمل الشركة.
في المقابل، يشير واسرمان إلى أن تزايد احتمالات فشل الشركات التي يؤسسها أصدقاء يعود إلى عوامل متشابكة ومترابطة، تتعلق بأن المؤسسين في هذه الحالة يكونون واثقين بقدر أكبر من اللازم في النجاح، وأقل استعدادا في الوقت ذاته للتعامل مع أي مشكلات محتملة.
ويقول: "عندما نؤسس شركة مع أصدقائنا، نشعر بالثقة في أن فريقنا يتمتع بتنوع يُكسبه قوة".
ورغم ذلك، غالبا لا يكون لدى الأصدقاء أي خبرة حيال مستوى الأداء المهني لبعضهم بعضا، كما أنهم لا يحاولون أن يستبقوا إقامة الشراكة بينهم بإجراء تقييم مسبق لإمكانية نجاحها.
ويقول واسرمان: "نفترض عادة أننا نعرف بعضنا بعضا، لكن هل سبق لك أنت مثلا أن رأيت أفضل أصدقائك في مكان عمله أو عَلِمت كيف يتصرف هناك؟"
ولذا، يُنصح الأصدقاء الذين يعتزمون تأسيس شركة معا، أن يحرصوا على الالتقاء أولا لمناقشة تفاصيل المشروع المزمع بشكل مستفيض. ويمثل ذلك إجراءً احترازيا، يستهدف تبديد أي شوائب، ومعالجة أي مكامن للخلل، والتيقن من صحة أي قرارات، قبل المجازفة بتأسيس الشركة.
ومن بين من خاضوا غمار تجربة تأسيس مشروع مشترك مع أصدقاء، ويدركون كذلك الآليات الفريدة التي تحكم هذا الأمر؛ كاري كوبر، خبير علم النفس التنظيمي في جامعة مانشستر.
ففي عام 1998، أسس كوبر مع أستاذ جامعي زميل له شركة باسم "روبرتسون كوبر" تعمل في مجال علم النفس المهني. وكان الاثنان يعرفان بعضهما بعضا على المستوييْن الشخصي والمهني، لذا كانا يعرفان الكثير عن قدراتهما وأساليبهما في العمل. وبرأي كوبر، يتمثل مفتاح إقامة شراكة ناجحة في "الإنصات والحديث ومناقشة الأخطاء".
ومع ذلك، فعندما تسوء الأمور، يمكن أن يصبح من الصعب للغاية فتح نقاش حول القضايا الشائكة.
ويشير واسرمان إلى مشكلة تترتب على وجود صداقات بين مؤسسي شركة ما، وهي نزوعهم عادة إلى الابتعاد عن النقاشات المفعمة بالتوتر التي يكون الانخراط فيها ضروريا، وذلك خشية أن تفضي إلى أن تتوتر علاقاتهم. وقد تكون لهذه النزعة عواقب وخيمة على صعيد مستقبل المشروع المشترك الذي يؤسسه هؤلاء الأشخاص.
ويُعقّب واسرمان على ذلك بالقول: "لأننا نتحاشى نقاش مثل هذا السيناريو السيء بل ونتجنب حتى الحديث عن كيفية تلافيه، فإننا نزيد احتمالات حدوثه".
ويتفق هيميش غريرسون، الرئيس التنفيذي لشركة "ثرايفا" للتقنيات الطبية التي تتخذ من لندن مقرا لها، مع ضرورة أن تُجرى مثل هذه النقاشات المحرجة بين المسؤولين عن إطلاق أي مشروع. فقد فشلت تجربته في إنشاء شركة مع أحد أصدقائه، وكانت صداقتهما من بين الأسباب التي أدت إلى هذا الفشل. فلم يُقدِم أي منهما في ذلك الوقت على محاسبة الآخر على قراراته المتعلقة بإدارة المشروع.
ويقول غريرسون: "ركزنا لوقت أطول من اللازم على كيفية تحسين المنتج الذي سندشن من خلاله ما ستقدمه شركتنا، وقد فاق ذلك ما خصصناه من وقت للتعرف على من قد يهتم بما سنقدمه".

ويرى واسرمان أن تفادي ارتكاب أخطاء من هذا القبيل يتطلب إقامة ما يمكن تسميته "جدران حماية"، لمنع علاقات الصداقة القائمة بين فريق تأسيس شركة ما من أن تؤثر سلبا على صلاتهم في العمل.
وقد تتمثل هذه الجدران الافتراضية في وضع إجراءات تنظيمية تمنع الصديق من أن يراجع ويُقيّم أداء أصدقائه على الصعيد المهني، أو تقود لاختيار شخص محايد يتولى تسهيل إجراء نقاشات بين المؤسسين، أو تحديد طبيعة المحادثات التي يتحاشون الانخراط فيها عمدا بسبب صداقتهم.
الأولويات والروابط المشتركة
ورغم التحديات التي تكتنف انخراط مجموعة من الأصدقاء في إطلاق مشروع مشترك؛ ترى غابرييل آدامز، الباحثة في علم النفس الاجتماعي بجامعة فيرجينيا، أن ثمة مزايا تكمن في إطلاقك مشروعا مع أُناس تعرفهم بالفعل.
فبحسب قولها، يعلم "الأصدقاء الحميمون، كيف يمكنهم تسوية خلافاتهم". كما أن الألفة بينهم قد تعني أنهم "لن يستغرقوا وقتا طويلا لإدراك كيفية التواصل في ما بينهم، أو معرفة ما الذي قد تشير إليه ردود فعل بعينها".
وتقول آدامز، الخبيرة في الآليات التي تحكم العلاقات الشخصية بين البشر، إن "المؤسسين الناجحين لشركة ما، ممن هم أصدقاء في الأصل، يشتركون في أمرين أساسيين: أولهما أن لديهم قناة اتصال مفتوحة وراسخة. أما الثاني فيتمثل في أنهم يشتركون في أولويات معينة".
وتنطبق هذه القاعدة على هانا سيلفاني وروزي سكوت، اللتين أسستا شركة "نيو كرافت هاوس" للمنسوجات المستمدة من مصادر صديقة للبيئة. فقد التقتا في ألمانيا قبل نحو 20 عاما، وهما في مرحلة المراهقة.
وتقول هانا: "غالبية الناس يتحدثون عن شؤون العمل ويحاولون التخفيف من ضغوطه، بعيدا عن مديريهم، وهذا أمر غير ممكن في إطار علاقات الصداقة القائمة بيننا، والتي لا تقل في قوتها عن روابط الشراكة التي تجمعنا. وقد وجدنا أن السبيل الأمثل للتعامل مع هذا الأمر هو تقييم كل الجوانب الخاصة بشركتنا على نحو منتظم، وذلك للتيقن من أنها تمضي في الطريق الصحيح، وهي عملية تشمل تقييمنا نحن أنفسنا أيضا".
وتضيف هانا بالقول إنها لا تتخيل أن تدير مشروعا مع شخص آخر لا تربطها به صداقة قوية، مشيرة إلى أنه "من الممتع بشكل أكبر أن ترى مشروعك ينمو ويتطور مع شخص تحبه كثيرا".
وفي واقع الأمر، ربما يشكل هذا الشعور دافعا للتمسك بمشروعك أو شركتك، التي تقيمها مع أصدقائك، مهما كانت الظروف معقدة والأوقات عصيبة.
وقد أجرى باحثون من كلية إدارة الأعمال بلندن (التي كانت معروفة باسم "كاس" سابقا) ونظراء لهم من كلية وارتون لإدارة الأعمال في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، دراسة تناولت التأثير الذي تُخلّفه علاقات الصداقة بين فريق مؤسسي شركة ما على سلوكهم عندما يواجه مشروعهم مشكلات مالية.
وقد وجد الباحثون أن الشركات الناشئة التي تأسست على يد أشخاص تجمع بينهم صداقة قوية كانت فرصها في البقاء والاستمرار أكبر إذا ما واجهت مشكلات جعلتها تبدو على شفا الانهيار. ففي هذه الحالة، تبين أن مؤسسيها زادوا التزاماتهم وإسهاماتهم المالية، بدلا من الانسحاب من المشروع برمته.
وأظهرت الدراسة التي أجراها هؤلاء الباحثون أن وجود علاقات صداقة عزز آمال أصحاب الأعمال في النجاح، حينما سادت الشكوك ومشاعر عدم اليقين الأجواء من حولهم. لكن الباحثين لم يصلوا في دراستهم إلى حد بحث ما إذا كانت مشاعر الأمل هذه قد قادت إلى نجاح تلك المشاريع في نهاية المطاف أم لا.
في النهاية، ربما يجدر بنا التعرف على خلاصة تأملات بيتر راينهاردت، في تجربته الخاصة بإنشاء شركة "سيغمنت" مع أصدقائه، وهو المشروع الذي استحوذت عليه مؤخرا شركة "تويليو" للتقنية، في إطار صفقة بلغت قيمتها 3.2 مليار دولار. ويتذكر راينهاردت أنه وأصدقاءه كانوا خلال الفترة الأولى لتأسيس الشركة "فريسة في أغلب الأحيان لتأثير تصوراتهم الخاصة للعالم. لكننا تعلمنا بعد ذلك أن العالم لا يعبأ بتصوراتنا، فلديه مشكلاته التي يحتاج إلى حلها. وهكذا فبمجرد أن شعرنا بالارتياح لفكرة أننا أصبحنا صادقين تماما مع بعضنا بعضا ومع أنفسنا، بدأت الشركة في التحرك للأمام".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved