في ذكرى ميلاده.. لماذا لا يزال بورخيس حاضرا في الأدب؟
آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 7:11 م بتوقيت القاهرة
محمود عماد
تحل هذه الأيام ذكرى ميلاد الكاتب والشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، الذي ولد في 24 أغسطس عام 1899، ورحل عن عالمنا في 14 يونيو عام 1986.
رحل بورخيس منذ ما يقارب الأربعين عامًا، مخلفًا وراءه عددًا من القصص والقصائد والمقالات والحوارات والمحاضرات والأفكار، وغيرها الكثير. ويمكننا القول إنه خلف إرثًا ثقافيًا مكتمل الأركان؛ أضحى معها أشبه بمؤسسة ثقافية تمشي على قدمين.
هذا لأن الثقافة الموسوعية التي حملها بورخيس جعلته عالمًا بالكثير من الآداب حول العالم، جاعلًا من الكاتب ما يشبه المثقف العالمي المهتم بالآداب واللغات المختلفة، وهو ما يمكننا وصفه بالكوزموبوليتانية.
كما يمكننا القول أيضًا إن بورخيس كان من أوائل الكتاب اللاتينيين الذين أسهموا في وضع أدب أمريكا اللاتينية في صدارة المشهد الأدبي العالمي، فبورخيس لم يكن مجرد كاتب أرجنتيني، وإنما أصبح نجمًا عالميًا.
هذا الفضل والإعجاب يمكننا لمسهما في رأي الكاتب والروائي البيروفي ماريو بارجاس يوسا، الذي كتب عن بورخيس في كتابه «نصف قرن مع بورخيس»، وقال فيه إنه لو طُلب إليه أن يختار كاتبًا معاصرًا باللغة الإسبانية ستترك أعماله أثرًا عميقًا في الأدب العالمي، وتبقى خالدة عبر الأجيال، لما تردد لحظة في اختيار الشاعر الروائي الباحث الأرجنتيني.
كما عبّر أيضًا الكاتب والروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز عن إعجابه الكبير ببورخيس ولغته، قائلًا إنه يقرأه كل ليلة، وإنه من أكثر الكتاب الذين يقرأ لهم، لأن بورخيس يعلمك كيف تكتب، ولأن لديه مهارة لغوية فائقة.
وذلك رغم قوله إن بورخيس ليس من كتابه المفضلين، عازيًا ذلك إلى أسلوبه الذي اعتبره جامدًا بعض الشيء، وأيضًا لأنه رآه ليس كاتبًا من أمريكا اللاتينية بالمعنى الذي يعرفه ماركيز. لكن هذا لم يمنعه من القول: «إن جائزة نوبل حرمت نفسها من الكاتب الذي كان يستحقها أكثر من أي أديب آخر».
قصص بورخيس هي أعمال شديدة الثورية على مستوى التجريب، والخيال الذي يغلب طابعه على جميع أعماله، كما أن المعمار في كتاباته لا يهتم بأي شيء، إلا بما يريد قوله بورخيس؛ فيمكنه دمج المقال مع القصة، والاقتباس من التاريخ والواقع، والإسهاب أو الاختزال مثلما يريد.
أيضًا، من الممكن أن يقوم بالتناص مع أعمال أخرى موجودة بالفعل، مثلما فعل مع «ألف ليلة وليلة»، العمل التراثي الذي شغف به حبًا، كما يمكنه جعل الفكرة شديدة التجريد والرمزية، فقط لقول ما يحلو له، حتى لو جاء ذلك على حساب الشخصيات أو الحكاية ذاتها.
اللغة هي إحدى أبطال مشروع بورخيس الكتابي؛ فهي ليست مجرد وعاء لإيصال أفكاره، وإنما هي كائن حي في النص، له وظيفة مثل أي شخصية داخل العمل.
لا يجعل بورخيس اللغة مجرد مفردات، بل يخلقها في إطار شعري، حتى في الكتابات السردية؛ لتضحي هذه الأعمال وكأنها قصيدة مطولة.
المتاهة والأحلام والمكتبات كانت هي الأخرى جزءًا أصيلًا من عالم بورخيس الكتابي، وربما أسهم ضعف البصر الذي عانى منه، وعمله أمينًا لمكتبة، في تشكيل بعض ملامح هذا العالم، الذي تحرك فيه بأريحية؛ فهذا العالم يبدو وكأنه فانتازي، لكن بورخيس يتحدث عنه بمنتهى الواقعية؛ ليقنعك بأنه بالفعل موجود.
لم تعد قصص وأشعار بورخيس هي الإرث الذي يبقى اسمه فقط؛ وإنما آراءه في الأدب والكتابة، وحول اللغة والشعر، وكيفية بناء المعمار لعالمك الكتابي، والجملة الشعرية للقصائد عبر الاستعارات التي يطغى عليها التجريب، والتجديد في الاستعارة نفسها. وقد تجلى ذلك في المحاضرات المختلفة التي ألقاها، والتي جمع ستًا منها في كتاب «صنعة الشعر».
ما لم يكتبه بورخيس هو الرواية، حيث كان له موقف راديكالي يمكننا وصفه بشيء من التحفظ تجاه هذا الفن، وذلك لأنه لم يحب الحشو أو الإسهاب، وكان يرى أنه يمكن اختزال تلك الصفحات الطوال في صفحات أقل.
ورغم ذلك، وللمفارقة، كان لبورخيس تأثير شديد في الرواية وكتابها، خاصة كتاب ما بعد الحداثة الذين تأثروا بعوالمه العجائبية، وألعابه الميتافيزيقية، ولغته الشعرية.
إن تناول أدوات بورخيس الكتابية التي تركها خلفه، ليس فقط ليستمتع بها القراء، بل لكي يتعلم منها الكتاب حول العالم، يجعلنا نقترب أكثر من أسباب خلوده بعد رحيله.
بورخيس ليس مجرد كاتب شهير، لكنه منظّر كبير للأدب، وربما ما جعل آراءه صالحة حتى يومنا هذا، ويمكننا القول إنها ستظل، على الأقل في المستقبل القريب، هو كونها شديدة الثورية.
بعد كل هذه السنوات، يبقى بورخيس باسمه وأدبه ملء السمع والبصر في دنيا الأدب، وهو خلود يبدو أنه سيستمر، سواء لاسم بورخيس ذاته أو لأعماله وأفكاره حول الكتابة والأدب.