من أم كلثوم إلى هدهد سليمان.. كيف أصبحت عروسة المولد جزءا من الذاكرة الشعبية عند المصريين؟
آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 11:21 ص بتوقيت القاهرة
محمد حسين
يحتفل المسلمون اليوم في مختلف دول العالم الإسلامي بالمولد النبوي الشريف، وتمثل المناسبة مكانة خاصة لدى المصريين، بما تحمله من موروث قديم يعود إلى العهد الفاطمي، الذي شهد أول مظاهر حقيقية لإحياء ذكرى ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بطقوس احتفالية.
وعن مظاهر تلك الاحتفالات، قال المقريزي إنها تبدأ مع جلوس الخليفة بالمنظرة التي تعلو باب الذهب بالقصر الشرقي الكبير بالقاهرة، ويكون جلوس الخليفة في تلك القاعة بمستهل شهر ربيع الأول، ما يعني استمرار الاحتفالات لـ13 يوما.
ومما يختص به المصريون دون غيرهم من مظاهر الاحتفاء الشعبي بالمولد النبوي الشريف صناعة عرائس المولد؛ إذ لم يُعثر على مرجع أو نص يشير بوضوح إلى ظهور هذا الشكل الفني ضمن مراسم واحتفالات المولد النبوي الشريف في أي بقعة من بقاع العالم الإسلامي، في المشرق أو المغرب، وفقا لما جاء في كتاب "عروسة المولد" لعبدالغني الشال، الصادر عن دار الكتاب العربي.
وتنوعت أسماؤها قديما حتى بلغ بعضها 24 اسما، من بينها: العروسة البلدي البسيطة، وعروسة فريال التي تشير إلى مستوى ملكي، وعروسة الكوشة الخاصة بالزفاف، والوردة البيضاء المستوحاة من فيلم لمحمد عبدالوهاب، وعروسة الهيلاهوب المزينة بالطوق، وعروسة وداد المرتبطة بأم كلثوم في فيلمها الشهير.
ورغم هذا التنوع، لم يبقى من تلك الأشكال سوى "العروسة البلدي" المصنوعة من الحلوى والمزينة بالورق اللامع والشرائط الملونة، وفقا لكتاب "عروسة المولد في قويسنا: دراسة في الثقافة المادية" لأسامة الفرماوي.
ملابس عروسة المولد.. تراث فاطمي وروح الريف
ويقول عبدالغني الشال في كتابه: "كما أبدع الفنان الشعبي في تصميمه لقوالب عروسة المولد، وفي صبره لمشاق العمل داخل مصنع الحلوى أمام النار، أبدع أيضا في تصميمه للأزياء التي يتم تزيين عرائس المولد بها مستخدما في ذلك الإمكانيات المتاحة، وما زال زي عروسة المولد يشبه الذي في العصر الفاطمي، ويظهر ذلك بوضوح من خلال زيها الذي يحجب الساقين لاتساعه من أسفل، والأكمام الضخمة المتسعة عند الرسغين، ومن خلال المروحة خلف رأسها، والتي تشير إلى مروحة الخليفة التي كانت تلازمه في الحفلات، وبذلك نرى أن الرجل الشعبي قد استمر يمارس عاداته وطقوسه على مر الزمن؛ فالسفرة على صدر العروسة تتصل بالزي الريفي الشعبي، والكردان المتمثل في ورق أحمر براق مُدلٍ من رقبة العروسة يشير إلى الكردان الذي تشتريه المرأة عند الزواج. ووجود الكحل في حواجب العروسة عادة مصرية قديمة، وقد تغنى العرب كثيرا بالعيون الواسعة".
الحصان وهدهد سليمان
ويضيف: "ولا شك أن وجود الحصان كأحد القطع التشكيلية التي ابتكرها الفنان الشعبي بجانب العروسة فيه إشارة واضحة إلى حفل جلوس الخليفة، باعتباره فارسا، أو بطلا شعبيا".
وواصل: "وهكذا اتخذت حلوى الاحتفاء بالمولد النبوي أشكالا متعددة مستمدة من العقيدة الدينية-الشعبية، ومن البيئة الريفية؛ فترى الهدهد الذي يبشر بجلاء لقصة سيدنا سليمان في القرآن الكريم، والحمام كرمز للسلام، والديك الذي ارتبط في ذهن الجماعة الشعبية بالأذان للصلاة؛ فهو المؤذن، والمنادي لصلاة الفجر".