اكتشف بالصدفة.. المسرح الروماني بكوم الدكة حكاية أثر يكشف أسرار الإسكندرية القديمة
آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 9:47 ص بتوقيت القاهرة
محمد صابر
في قلب منطقة كوم الدكة بوسط الإسكندرية، يقف أحد أبرز الشواهد الأثرية التي تحمل بين تفاصيلها حكايات متعاقبة من تاريخ المدينة، حيث يروي المسرح الروماني قصة مبنى تغيرت وظيفته عبر العصور، من صالة للاستماع والاجتماعات إلى مكان ارتبط بالتعليم والأنشطة العامة، ليظل شاهدا على ما شهدته الإسكندرية من تحولات حضارية منذ العصر الروماني وحتى العصر الإسلامي ولم يكن اكتشاف هذا الأثر وليد عملية تنقيب مخططة للبحث عنه، إذ ظهر بالصدفة عام 1960 أثناء أعمال بعثة أثرية بولندية كانت تبحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر.
ويقول الدكتور إبراهيم رجب، أستاذ مساعد التاريخ المنتدب بكلية التربية جامعة مطروح، لـ"الشروق"، إن المبنى يقع في منطقة كوم الدكة وسط محافظة الإسكندرية، ويرجع بناؤه إلى أوائل القرن الرابع الميلادي، والمبنى صمم على هيئة حدوة حصان أو حرف U، واستخدم في العصر الروماني كصالة للاستماع، وكان يتكون في بدايته من 16 صفا من المدرجات، إلى جانب مدخلين من الناحيتين الشمالية والجنوبية، قبل أن تخفض صفوف المدرجات إلى 13 صفا خلال العصر البيزنطي.
وأضاف رجب، أن العصر البيزنطي شهد إدخال عدد من التعديلات على المبنى، من بينها إضافة حنايا للجلوس أو مقاصير مخصصة لعلية القوم، فضلا عن مجموعة من الأعمدة المصنوعة من الرخام والجرانيت متعدد الألوان، مشيرا إلى أن المبنى استخدم في تلك الفترة كمجلس للمدينة «بلوتيريون» أو صالة للاجتماعات السياسية.
وأشار رجب، إلى أن الجدار الداخلي للمبنى شيد من الحجر الجيري، بينما صمم الجدار الخارجي من الحجر الجيري، مع استخدام الطوب الأحمر في بعض المداميك، كما كانت أرضية المكان مغطاة بالرخام، وعلى طرفيها دعامتان من الرخام تحمل كل منهما نقشا «جرافيتي».
وقال أستاذ مساعد التاريخ، أن المدرجات كانت تستوعب نحو 600 شخص، وكانت الصفوف مرقمة بالحروف والأرقام اليونانية لتنظيم أماكن الجلوس، كما توجد أعلى المدرجات خمس مقصورات لم يتبق منها سوى مقصورتين، وكانت أسقفها مقامة على مجموعة من الأعمدة وتعلوها قباب ويتابع أن المدرجات كانت تستند إلى جدار سميك من الحجر الجيري يحيط به جدار آخر، وتم الربط بين الجدارين بواسطة مجموعة من الأقواس والأقبية، وهو ما جعل الجدار الخارجي بمثابة دعامة قوية للجدار الداخلي، كما يضم المدخل الغربي صالتين من الموزاييك ذات الزخارف الهندسية.
وأكد ابراهيم، أن تسمية المبنى بالمسرح الروماني ارتبطت باكتشاف الدرجات الرخامية عند التنقيب، إلا أن وظيفته ظلت محل جدل بين الأثريين، خاصة بعد اكتشاف قاعات للدراسة بجوار المدرج، ما دفع إلى طرح رؤية أخرى تشير إلى إمكانية استخدامه كقاعة محاضرات كبرى للطلاب، بينما كان يمكن استخدامه كمسرح خلال الاحتفالات والمناسبات.
وقال إبراهيم، لا يقف المسرح الروماني بكوم الدكة باعتباره مجرد مدرج أثري، وإنما يمثل صفحة حية من تاريخ الإسكندرية، تكشف تفاصيلها عن تنوع وظائف المكان وتغيرها مع تغير العصور، لتبقى جدرانه ومدرجاته شاهدة على مدينة عرفت منذ نشأتها تداخل الحضارات والثقافات وتعدد أشكال الحياة العامة والتعليمية فيها.