هل ينجح سلاح العقوبات القديم فيما فشلت في تحقيقه القوة العسكرية الأمريكية؟

آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 9:52 ص بتوقيت القاهرة

القاهرة-د ب أ

مقارنا إياها بعمليات الإنزال في نورماندي عام 1944، والتي شكلت نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية، كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الإثنين عن تفاصيل عملية شاملة سماها "النبذ الاقتصادي"، والتي وصفها بأنها حملة غير مسبوقة تستهدف تقطيع أوصال إيران المالية حول العالم، من أجل عزلها اقتصاديا لإرغامها على تنفيذ المطالب الأمريكية، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز.

ولم تقف تهديدات الوزير الأمريكي عند حد إيران، بل تحدث عن تسريع آلية رصد وتتبع الجهات التي تتعامل ماليا مع طهران، محذرا أي جهة تواصل التعاون معها بأنها ستكون عرضة للعقوبات والعزلة الاقتصادية والخروج من منظومة الدولار.

تطور يأتي بعد ما يقرب من ستة أشهر من شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران، راهن الأمريكيون في بدايتها على تحقيق الهدف منها وإنهائها خلال أسابيع قليلة، إلا أن التوقعات الأولية بانهيار النظام الحاكم في إيران أو رضوخه لمطالب واشنطن بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وعناصر رئيسية أخرى في برنامجه النووي، تبددت مع الوقت.

ومر الصراع على مدار الأشهر الماضية بمراحل عدة شهدت ارتفاعا في نبرة التهديد الأمريكي في أكثر من مناسبة بالحسم عبر تصعيد العمليات العسكرية. ولم يكن النهج الأمريكي خلال هذه الأشهر عسكريا فحسب، بل اقترن بفرض حزم من العقوبات الاقتصادية التي استهدفت أفرادا وكيانات إيرانية مع فرض حصار بحري لمنع إيران من تصدير نفطها.

لكن مع فشل سياسة الضغوط القصوى عسكريا، ها هي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعود لسلاح العقوبات الاقتصادية لكن مع التلويح بتغليظه وتوسيع نطاقه بهدف خنق النظام الإيراني وإرغامه على الاستجابة للمطالب الأمريكية، وسط شكوك وتساؤلات في قدرة هذه الورقة على تحقيق ما فشل فيه أقوى جيوش العالم.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة الجارديان البريطانية عن سينا توسي، وهو زميل بارز غير مقيم في مركز السياسة الدولية، أنه "بعد ما يقرب من ستة أشهر دون تحقيق أي انتصار عسكري أو دبلوماسي، يبدو أن واشنطن تحاول أن تحقق، من خلال تشديد الخنق الاقتصادي، ما فشلت في تحقيقه القوة العسكرية حتى الآن، لكن طهران ترد على هذا النهج القائم على مبدأ /المكسب الخالص/ بنهج مماثل".

ووسط تصاعد الجدل بين قادة طهران حول ما إذا كان ينبغي قبول التنازلات المطلوبة من جانب الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، في ظل استياء شعبي متزايد بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، تزداد احتمالية تنفيذ المتشددين في الحرس الثوري تهديداتهم بالتصعيد العسكري ضد دول الخليج وحلفاء آخرين للولايات المتحدة، وفقا لمركز صوفان للحوار الاستراتيجي.

وفي ظل الآثار المتراكمة للعقوبات الأمريكية، ومع العقوبات الحالية التي أغلقت بالفعل الباب أمام البنوك الإيرانية للدخول إلى النظام المالي العالمي، وقلصت عدد العملاء الذين يشترون النفط الإيراني والمنتجات الإيرانية الأخرى، "ليس من الواضح إلى أي مدى ستشكل الإجراءات الأمريكية الجديدة ضغطا ملموسا على النظام"، وفقا للمركز الذي يتخذ من نيويورك مقرا له، الذي استشهد بتشكيك العديد من الخبراء في أن النظام الإيراني، "الذي صمد أمام عقدين من سياسات الضغط الأقصى القائمة على العقوبات سينهار تحت وطأة الإجراءات الاقتصادية الجديدة".

وبصرف النظر عن الإجراءات الأمريكية الجديدة، يقر خبراء في قطاع الطاقة وبعض المسؤولين الإيرانيين، بحسب مركز صوفان، بأن البحرية الأمريكية تحقق نجاحا متزايدا في مرافقة الناقلات التجارية عبر مضيق هرمز، ما يؤدي إلى إضعاف نفوذ طهران على هذا الممر المائي، لكن صادرات الطاقة عبر المضيق لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وتظل عرضة لأي تصعيد إيراني.

وتعد الصين شريان الحياة المالي الأهم لإيران، حيث تستورد 90% من نفطها، على الرغم من أن الحصار البحري قد أدى إلى توقف تلك الصادرات تماما. ويتفق محللون على أن فريق ترامب من المرجح أن يضبط استخدامه للإجراءات الجديدة ضد الصين، لا سيما قبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى واشنطن أواخر الشهر المقبل.

وحتى الآن، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على مصافي التكرير الصينية المستقلة، لكنها تجنبت اتخاذ الخطوات التي من شأنها إثارة غضب بكين إلى أقصى حد، ولا سيما فرض عقوبات على البنوك الصينية الكبرى التي تمول تلك التجارة.

وتعارض بكين سياسة العقوبات والضغوط، وترى أنها لن تساعد في حل المشكلة، وحثت جميع الأطراف على اتخاذ "تدابير مسؤولة"، إلا أن واشنطن هددت بفرض عقوبات شديدة على أي دولة أو كيان يحافظ على علاقات اقتصادية مع إيران. ومع ذلك، فمن غير الواضح إلى أي مدى تتوفر لدى إدارة الرئيس ترامب الرغبة في المضي قدما في مواجهة الصين، بحسب صحيفة الجارديان.

ومع دخول الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، تراهن الأولى على نجاعتها واحتفلت بمجرد تدشينها، مطلقة عليها "يوم النصر الاقتصادي"، تتوعد طهران بالانتقام من أي دولة تشارك في مساعي عزلها، منددة بما وصفته "الإرهاب الاقتصادي" الذي تقوده الولايات المتحدة، ويظل التطبيق ومجريات الأحداث على الأرض هي الفيصل بين الجانبين، وسط تأكيد أمريكي بأن التصعيد العسكري ما زال مطروحا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved