السبعينية ليلى.. قصدت بحر غزة فقطعت إسرائيل يدها وشوهت وجهها
آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 2:51 م بتوقيت القاهرة
غزة/ الأناضول
لم تكن الفلسطينية ليلى مرتجي (70 عاما) تبحث عن أكثر من سويعات قليلة من الراحة، حين خرجت مع ابنتها وأفراد آخرين من عائلتها إلى شاطئ البحر المتوسط غرب مدينة غزة، هربا من حر خيمة النزوح وضغوط حرب الإبادة الإسرائيلية التي أثقلت كاهل أسرتها.
لكن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت، في 18 أغسطس الجاري، مقهى داخل ميناء مدينة غزة، حولت نزهتها القصيرة إلى مأساة ستلازمها بقية حياتها، بعدما فقدت يدها اليمنى وتشوه وجهها بفعل شظايا القصف.
وفي الهجوم، الذي أسفر وفق وزارة الصحة عن استشهاد 8 فلسطينيين وإصابة 14 آخرين، كان مصطافون يجلسون على شاطئ البحر في محاولة لالتقاط أنفاسهم بعيدا عن واقع النزوح ولهيب الخيام.
وبدعم أمريكي، بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية في غزة، ما خلّف أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90% من البنى التحتية.
ومساحة قطاع غزة ضيقة أساسا، إذ لا تتجاوز نحو 360 كيلومترا مربعا، وتسيطر إسرائيل على قرابة 70% منها.
وفي هذه المساحة الضيقة، يجد النازحون أنفسهم أمام ظروف معيشية شديدة القسوة، فيما تتقلص المساحات التي يمكنهم اللجوء إليها بحثا عن الأمان أو حتى لحظات من الراحة.
ومع اشتداد حرارة الصيف، بقي شاطئ البحر متنفسا وحيدا يقصده النازحون للجلوس قرب المياه وتخفيف وطأة الحر والحرب، هربا من جحيم الخيام وافتقارها إلى أدنى مقومات العيش الكريم.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 أكتوبر 2025، تواصل إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في غزة عبر قصف يومي قتل 1288 فلسطينيا وأصاب 4290، معظمهم أطفال ونساء.
كما تمنع إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل الجاهزة إلى غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 2.15 مليون نازح، في أوضاع كارثية.
نزهة تتحول لجحيم
على سرير في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ترقد ليلى ممددة على ظهرها، يلف الضماد رأسها ووجهها، فيما غابت يدها اليمنى بعد بترها إثر إصابتها البالغة.
وتبدو السيدة، التي كانت تحاول قبل أيام فقط التخفيف من وطأة حياتها القاسية، غارقة في الألم، بينما لا تزال آثار الصدمة بادية على ملامحها المشوهة.
وقالت ابنتها ابتسام لمراسل الأناضول إن منزل الأسرة دُمر خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، كما فقدت أحد أبنائها، ما دفعها إلى الانتقال للعيش في خيمة غرب مدينة غزة.
وأضافت أن شقيقها كان يحرص على زيارتها يوميا، في محاولة لإخراجها من أجواء الخيمة الخانقة والتخفيف من الضغوط النفسية جراء ذلك.
وتابعت: "في ذلك اليوم (18 أغسطس)، جاء أخي وزوجته وأمي وقالوا: هيا بنا إلى البحر (..)، تناولنا الطعام على الشاطئ".
ولم يكن ذهاب ليلى وعائلتها إلى البحر بحثا عن رفاهية، بقدر ما كان محاولة عابرة للابتعاد عن واقع النزوح وحرارة الخيام.
لكن بينما كان شقيق ابتسام يؤدي الصلاة، انقلب المشهد خلال لحظات إلى جحيم.
وبنبرة حزن قالت: "بدأ أخي بالصلاة. قبل أن أعجز عن استيعاب ما يحدث، في الركعة الثانية، شعرت وكأن كرة من نار تلتهم وجوهنا، فأغمي عليّ على الفور".
وأردفت بصوت متثاقل بفعل الألم: "استيقظت وفتحت عيني، حاولت الوقوف، لكنني سقطت مرة أخرى".
وجه غارق بالدماء
حين استعادت ابتسام وعيها، كان أول ما بحثت عنه والدتها، وفق قولها.
وأكملت السيدة الأربعينية: "كانت عينا أمي مفتوحتين، لكن وجهها كان مشوها تماما بسبب تدفق الدم. لم يكن من الممكن التعرف عليها.. وجهها أصبح كأنه خريطة ملطخة بالدماء".
أما يد ليلى اليمنى، فكانت قد أصيبت إصابة بالغة أدت في نهاية المطاف إلى بترها.
وقالت ابنتها: "كان جلد يدها منفصلا عن العظم. حاولت تهدئتها بقولي: ستكونين بخير".
واستطردت: "لففت يدها بقطعة قماش لوقف النزيف، وانتظرنا أكثر من 15 دقيقة حتى تلقينا الإسعافات الأولية، ثم وصل 3 أشخاص إلى المكان ونقلوا أمي في سيارة مدنية إلى مستشفى الشفاء".
وآنذاك أصيبت ابتسام نفسها بجروح طفيفة جراء الشظايا، لكن إصابة والدتها كانت أكثر قسوة.
وزادت أن الأطباء أبلغوهم في البداية بأن والدتها بحاجة إلى عملية جراحية، وبأن اليد قد تكون قابلة للإنقاذ، إلا أن تطور الإصابة اضطرهم في النهاية إلى بترها.
وجه تغير إلى الأبد
لم تكن يد ليلى اليمنى هي الطرف الوحيد الذي خسرته جراء الغارة الإسرائيلية، فوجهها الذي تصفه ابنتها بأنه كان "كوجه ملاك" غطته الجروح والندوب، وأصبح التعرف إلى ملامحه السابقة صعبا.
وقالت ابتسام: "كان وجه والدتي كوجه ملاك، لكنه الآن لا يُعرف".
وأضافت أن والدتها كانت تعاني أصلا من عجز في يدها اليسرى، إذ تعرضت لحادث قبل نحو 6 سنوات وأصيبت بمرض هشاشة العظام، ما أفقدها القدرة على تحريكها بشكل طبيعي.
وبعد بتر يدها اليمنى، أصبحت ليلى أمام واقع مأساوي، إذ باتت تملك يدا يسرى محدودة الحركة، بينما فقدت اليمنى بالكامل.
وتناشد ابنتها الجهات القادرة على مساعدتها ونقلها للعلاج خارج قطاع غزة، وتأمين طرف صناعي لها.
وبصوت يختلط فيه الرجاء بالألم قالت: "أناشد كل من يسمع صوتي.. ساعدوا والدتي؛ حتى تتمكن من استخدام يديها مجددا".
ويطارد جحيم الغارة الإسرائيلية ابتسام، إذ قالت: "حتى الآن، عندما أغمض عيني، أعيش تلك اللحظة من جديد. ما زلت لا أستطيع استيعاب ما مررنا به".
وفي عام 1948 أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات أممية.