الذكاء الاصطناعي هو المستقبل.. كتاب جديد يرسم خريطة التعليم والوظائف في عصر التحول التكنولوجي
آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 4:56 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
- أستاذ في الاقتصاد يدعو إلى تعليم الأطفال والكبار آليات التكيف مع الذكاء الاصطناعي بدلا من التخوف منه أو محاربته
- مؤلف الكتاب: الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تغييرات جذرية في مسارات مهنية بأكملها.. ولا بد للسياسيين والآباء والمعلمين البدء من الآن في الاستعداد لهذا التحول
في عام 1979، كلفت الحكومة البريطانية المحاضر في الرياضيات بجامعة هال، ويلفريد كوككروفت، بإعداد تقرير حول أزمة تدريس الرياضيات للأطفال، ورغم أن اسم "كوككروفت" بات اليوم غير معروف على نطاق واسع، إلا أن التقرير الذي أعده جاء شاملا ودقيقا، وتناول في أحد فصوله ابتكارا تكنولوجيا بدأ في ذلك الوقت يصل إلى المستهلك العادي، وهو الآلة الحاسبة.
وأثار ظهور الآلة الحاسبة مخاوف لدى كثير من الآباء والمعلمين، الذين خشوا أن يؤدي الاعتماد عليها إلى إضعاف إحدى المهارات الأساسية وركيزة من ركائز التعليم، باعتبارها واحدة من القواعد الثلاث الأساسية التي يقوم عليها التعليم، وأن ينشأ جيل من الطلاب ضعيفي المهارات، يلجأون إلى أجهزتهم المحمولة بدلا من بذل الجهد اللازم لإجراء العمليات الحسابية.
لكن كوككروفت لم يشاركهم هذه المخاوف، بل دعا إلى التعامل مع الآلة الحاسبة باعتبارها أداة تعليمية ينبغي الاستفادة منها، لا مصدرا للخوف، واقترح أن يتعلم الطلاب إجراء العمليات الحسابية باستخدامها ومن دونها، وأن تتضمن الاختبارات كلا النوعين من المهارات.
ومن هذا المنطلق، ناقش أستاذ الاقتصاد في كلية كينجز كوليدج بلندن، دانيال سوسكيند، في كتابه الجديد المعنون "ماذا ينبغي أن يفعل أبنائي؟.. كيف يزدهرون في عصر الذكاء الاصطناعي"، أن كوككروفت في حقيقة الأمر كان صريحا، ولم يكن مستعدا للتظاهر بإمكانية تجنب موجة التقدم التكنولوجي القادمة.
واستعاد سوسكيند، الذي سبق أن عمل مستشارا للسياسات في مكتب رئيس الوزراء البريطاني، ويعمل حاليا باحثا في معهد الأخلاقيات في الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد، دور كوككروفت ولكن في سياق مختلف، إذ حاول تقديم رؤيته للتعامل مع الذكاء الاصطناعي في عشرينيات القرن الحادي والعشرين.
وفي ظل حالة من الارتباك والقلق، تصل أحيانا إلى حد الهلع، بشأن تأثيرات الذكاء الاصطناعي، دعا سوسكيند عبر صفحات الكتاب - الصادر عن دار نشر بنجوين برس - إلى التعامل مع هذه التكنولوجيا بقدر أكبر من الانفتاح، وفهم إمكاناتها، والاستعداد للاستفادة من الفرص التي تتيحها، نقلا عن صحيفة "الجارديان".
وحذر الكاتب من الانشغال بمحاولة تحصين المستقبل في وقت تبدو فيه ملامحه شديدة الغموض؛ حيث رأى أن المقارنة بين الذكاء الاصطناعي والآلة الحاسبة تظل محدودة بطبيعة الحال، فالإنجازات التي حققتها صناعة الذكاء الاصطناعي أحدثت بالفعل تغييرات واسعة تجعل الآلة الحاسبة تبدو، بالمقارنة، اختراعا محدود التأثير، ومع ذلك، أشار إلى أن حجم التحول الذي أحدثته التكنولوجيا الحالية قد يكون غير مسبوق، لكن السوابق التاريخية توفر قدرا من الطمأنينة.
وعكس عنوان الكتاب حالة القلق التي يشعر بها الآباء في العصر الحديث تجاه مستقبل شديد الغموض تحوطه آليات الذكاء الاصطناعي من كل جانب، فبحسب المؤلف، اعتادت الأجيال السابقة نقل خبراتها ونصائحها إلى الأبناء مع قدر معقول من الثقة في إمكانية تطبيقها مستقبلا، أما اليوم فقد تراجع هذا الشعور بالاستمرارية، إذ لا يمكننا أن نكون متأكدين من أن النصيحة التي قدمناها لأطفالنا العام الماضي ستظل صالحة للعام المقبل.
الذكاء الاصطناعي العام
وحاول المؤلف، وهو أب لأطفال صغار بدوره، استشراف مرحلة قد يصل فيها العالم إلى الذكاء الاصطناعي العام، أو "إيه جي آي"، حيث تتفوق أنظمة الذكاء الاصطناعي على البشر في جميع المهام ذات القيمة الاقتصادية.
وأشار إلى أن التكنولوجيا المتاحة حاليا عبر أدوات مثل "شات جي بي تي" و"كلود" تندرج تحت ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الضيق، أي الأنظمة المتخصصة في أداء مهام محددة.
ورأى الكاتب أن الوصول إلى عالم الذكاء الاصطناعي العام سيؤدي إلى تغييرات جذرية في مسارات مهنية بأكملها، بل سيمتد تأثيره إلى مفهوم العمل نفسه؛ ولذلك حث السياسيين والآباء والمعلمين على البدء من الآن في الاستعداد لهذا التحول.
وفي هذا السياق، حذر سوسكيند من جدوى محاولة إعداد الأطفال لوظائف المستقبل بصورة دقيقة، في ظل صعوبة التنبؤ بما ستكون عليه سوق العمل، واستشهد بقرار حكومة ديفيد كاميرون التركيز على تعليم الأطفال البرمجة، قبل سنوات قليلة من اتضاح أن البرمجة نفسها من المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أداء كثير من مهامها بكفاءة عالية.
وبدلا من ذلك، دعا الكاتب المدارس إلى تعليم الأطفال كيفية التعلم بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي ومن دونه، إلى جانب تعزيز المهارات الأساسية التي يجب الحفاظ عليها مهما تغيرت التكنولوجيا.
كما تصور سوسكيند مستقبلا يعتمد على التعليم الشخصي، بحيث يستعين المعلمون المدربون على استخدام الذكاء الاصطناعي بهذه التكنولوجيا بوصفها مساعدا في عملية التدريس، بدلا من محاولة تقديم المنهج نفسه لمجموعة كبيرة من الطلاب بالطريقة ذاتها.
أما الخريجون الذين يلتحقون بالقطاعات المكتبية الأكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، فرأى الكاتب أنه ينبغي لهم الاستفادة من التكنولوجيا للتخلص من الأعمال الروتينية، مثل مراجعة الوثائق القانونية في المكاتب، والتركيز في وقت مبكر من مسيرتهم المهنية على تطوير مهاراتهم من خلال تجارب تحاكي بيئة العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة إلى العاملين في منتصف مسيرتهم المهنية، حذر المؤلف من الاحتماء بالممارسات التقليدية أو افتراض أن بعض المهن ستظل بمنأى عن تأثير التكنولوجيا، وبدلا من ذلك، دعا إلى التركيز على المشكلات الأساسية التي تسعى كل مهنة إلى حلها، وإعادة التفكير في طرق التعامل معها في عصر يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.
وجمع سوسكيند في كتابه بين الطرح النظري والتطبيقات العملية، مقدما رؤية تدعو إلى التعامل مع التحول التكنولوجي باعتباره واقعا لا يمكن تجاهله.
ورغم أن الكتاب لم يتسع، على ما يبدو، لمناقشة بعض التداعيات الأخلاقية الأكثر إلحاحا للذكاء الاصطناعي، ومنها اعتماد بعض أنظمته على أعمال إبداعية مستخدمة من دون إذن، وتأثير التكنولوجيا على البيئة، فضلا عن الانتقادات المرتبطة ببعض القائمين على شركات الذكاء الاصطناعي، إلا أن الكتاب قدم، في النهاية، دعوة واضحة إلى التحرك في مواجهة موجة تكنولوجية يصعب وقفها، جامعا بين الطرح النقدي والنبرة المقنعة والتفاؤل اللافت.