معركة تشافي وكلوب.. مواجهة تاريخية ترسم ملامح عصر جديد للكرة

آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 11:47 ص بتوقيت القاهرة

محمد جلال

كانت مواجهة هولندا وألمانيا في افتتاح مشوار الفريقين بدوري الأمم الأوروبية أكثر من مجرد مباراة بين غريمين تاريخيين، بعدما شهدت الظهور الأول لمدربين من أبرز الأسماء في عالم كرة القدم، الإسباني تشافي هيرنانديز مع منتخب هولندا، والألماني يورجن كلوب مع منتخب ألمانيا.

وقبل انطلاق المباراة، التي أقيمت على ملعب يوهان كرويف أرينا، رفعت الجماهير الهولندية لافتة ترحب بالمدرب الجديد، حملت عبارة «مرحبًا تشافي»، فيما ظهرت الرسالة نفسها على اللوحات الإعلانية داخل الملعب، في مشهد عكس حجم الترقب لبداية حقبة جديدة مع المدرب الإسباني.

ولم يكن تشافي وحده محط الأنظار، حيث حظي يورجن كلوب باستقبال كبير من الجماهير الألمانية خلال الإعلان عن تشكيل منتخب الماكينات، في واحدة من المرات النادرة التي يشهد فيها لقاء دولي ظهور مدربين بهذا الحجم للمرة الأولى مع منتخباتهما في مباراة واحدة.

وتأتي هذه المواجهة ضمن موجة جديدة من تعيين المدربين أصحاب الأسماء الكبيرة على مستوى المنتخبات، إذ تشهد الفترة الحالية أيضًا بدايات لزين الدين زيدان مع فرنسا، وباتريك فييرا مع السنغال، وجورجي هاجي مع رومانيا، في مشهد يعكس اتجاهًا متزايدًا للاستعانة بمدربين حققوا نجاحات كبيرة على مستوى الأندية.

لكن مواجهة تشافي وكلوب كانت العنوان الأبرز، خاصة أن هولندا وألمانيا تجمعهما واحدة من أعرق المنافسات في كرة القدم الأوروبية، وهو ما جعل المباراة تشهد قدرًا كبيرًا من الندية والاحتكاكات منذ الدقائق الأولى.

كلوب يتمسك بهوية ألمانيا

تمثل عودة يورجن كلوب إلى الإدارة الفنية من بوابة المنتخب الألماني تأكيدًا على هوية كروية ارتبط بها المدرب طوال مسيرته، خاصة أسلوب الضغط العالي واستعادة الكرة بسرعة، وهو ما ظهر مبكرًا في المباراة بعدما نجحت ألمانيا في استعادة الكرة بالقرب من مرمى هولندا خلال الدقائق الأولى وخلق فرصة خطيرة.

وكان كلوب قد أكد قبل المباراة رغبته في بداية قوية وحماسية، مشيرًا إلى أن اللقاء قد يشهد بعض الفوضى، لكنه يريد أن يكون الإيقاع سريعًا وحيويًا.

وبالفعل، بدأت ألمانيا المباراة بشكل قوي، وكانت الطرف الأفضل خلال جزء كبير من الشوط الأول، قبل أن يتحول اندفاعها تدريجيًا إلى بعض الاندفاع الزائد.

تشافي.. برشلونة في قلب هولندا

ورغم أن تشافي لا يمتلك ارتباطًا سابقًا بالكرة الهولندية، فإن هويته الكروية المرتبطة ببرشلونة جعلته قريبًا بشكل غير مباشر من المدرسة الهولندية، خاصة أن المباراة أقيمت على ملعب يوهان كرويف، أحد أبرز رموز كرة القدم الهولندية.

ويأتي ذلك في ظل العلاقة التاريخية بين برشلونة والمدرسة الهولندية، بعدما تولى تدريب النادي الكتالوني عدد من المدربين الهولنديين، أبرزهم رينوس ميشيلز ولويس فان جال وفرانك ريكارد، كما لعب تشافي تحت قيادة فان جال وريكارد.

وكان لافتًا أن تشافي شدد منذ البداية على أهمية تحقيق الانتصارات، في ظل تعاقد الاتحاد الهولندي معه باعتباره أول مدرب أجنبي للمنتخب منذ المدرب النمساوي إرنست هابل، الذي قاد هولندا إلى نهائي كأس العالم 1978.

وجاء اختيار تشافي في الأساس لرغبة الاتحاد الهولندي في استعادة هوية هجومية أكثر وضوحًا، بعدما تعرض الأسلوب الدفاعي الذي اتبعه رونالد كومان لانتقادات عقب خروج المنتخب من كأس العالم أمام المغرب.

بروبي يفرض نفسه على بداية المباراة

لكن مهمة تشافي لم تكن سهلة، خاصة أن قائمة هولندا الحالية لا تضم عددًا كبيرًا من اللاعبين الذين يتناسبون بشكل مثالي مع أسلوب الاستحواذ والتمرير القصير المعروف باسم «تيكي تاكا».

وكان بريان بروبي أبرز مثال على ذلك، إذ يتمتع المهاجم الهولندي بالقوة البدنية الكبيرة ويميل إلى الاحتفاظ بالكرة والاحتكاك المباشر مع المدافعين.

وبعد تسجيله ثلاثة أهداف في الدوري الإنجليزي الممتاز أمام مانشستر سيتي في الجولة السابقة، بدأ بروبي أساسيًا أمام ألمانيا، وكان أحد أبرز عناصر المباراة خلال الشوط الأول.

ورغم استحواذ ألمانيا على الكرة في الدقائق الخمس الأولى، فإن أول هجمة خطيرة لهولندا جاءت من هجمة مرتدة، بعدما لعب المنتخب الهولندي الكرة مباشرة إلى بروبي، الذي نجح في الاحتفاظ بها وربط الخطوط وفتح الطريق أمام زملائه.

وسجل فيرجيل فان دايك هدفًا من ضربة رأسية بعد ركلة ركنية، لكن الحكم ألغاه بداعي ارتكاب بروبي مخالفة ضد الحارس مارك أندريه تير شتيجن، في لقطة أثارت جدلًا، خاصة أن تدخل المهاجم الهولندي لم يكن واضحًا بشكل كبير.

هدف ألمانيا يثير الجدل

وفي الجانب الآخر، نجحت ألمانيا في افتتاح التسجيل عن طريق فيليكس نميشا، الذي تابع كرة مرتدة وأسكنها الشباك.

وجاء الهدف في توقيت مثير للجدل، بعدما سقط بروبي مصابًا، وبدا أن لاعبي ألمانيا سيتوقفون لإخراج الكرة، قبل أن يواصلوا اللعب، مستغلين انشغال المنتخب الهولندي.

واحتفل نميشا أمام الجماهير الألمانية، بينما ألقت بعض الجماهير الهولندية أكواب المشروبات باتجاهه، في الوقت الذي اضطر فيه بروبي إلى مغادرة الملعب متأثرًا بالإصابة.

كلوب يحصل على إشارات إيجابية

واصل المنتخب الألماني أفضليته خلال الساعة الأولى من المباراة، وقدم القائد جوشوا كيميتش أداءً جيدًا في مركز لاعب الارتكاز الوحيد ضمن طريقة لعب 4-3-3.

ونجح كيميتش في قراءة المباراة بشكل جيد من الناحية الدفاعية، إلى جانب تقديمه تمريرات متقدمة ساعدت المنتخب الألماني على الخروج بالكرة.

كما ظهر الثنائي الجديد في مركز الظهير بشكل جيد، وهي نقطة مهمة بالنسبة لكلوب الذي اعتمد طوال مسيرته مع بوروسيا دورتموند وليفربول على أظهرة تتمتع بالنشاط والقدرة على التقدم هجوميًا.

وقدم فيليب تروي، لاعب فرايبورج، مباراة قوية في ظهوره الدولي الأول على الجبهة اليمنى، بينما واصل ناثانيال براون تحركاته الهجومية من الجبهة اليسرى، وصنع فرصة خطيرة أمام كريم أديمي، الذي أهدر فرصة سهلة أمام المرمى.

في المقابل، قد يشعر كلوب ببعض القلق بشأن أداء تير شتيجن، حارس برشلونة المعار إلى أياكس، رغم تصديه لعدد من الكرات الخطيرة، بعدما فقد الكرة بشكل كوميدي مرتين أثناء محاولة بناء اللعب من الخلف، وهي النقطة التي كانت من أبرز مميزاته في السنوات الماضية.

هولندا تخطف التعادل في النهاية

لكن المنتخب الهولندي كان يستحق التعادل مع نهاية المباراة، ونجح في الوصول إلى مرمى ألمانيا أكثر من مرة خلال الدقائق الأخيرة.

وسجل البديل ماكس ميردينك هدفًا، لكن الحكم كان قد أطلق صافرته لاحتساب مخالفة قبل تسجيل الكرة، كما أهدر فرصة أخرى خطيرة من عرضية أرضية متقنة أرسلها دينزل دومفريس.

وفي الوقت بدل الضائع، ظهر روبن فان بومل، أحد لاعبي هولندا الذين خاضوا مباراتهم الدولية الأولى، وقدم تمريرة عرضية رائعة بطريقة «تريفيلا» إلى كودي جاكبو، الذي قابلها بتسديدة مباشرة داخل الشباك، ليمنح منتخب بلاده هدف التعادل.

واحتفل تشافي بالهدف بشكل واضح على خط الملعب، قبل أن يؤكد عقب اللقاء سعادته بالمردود الذي قدمه اللاعبون البدلاء، خاصة الذين لم يسبق لهم المشاركة مع المنتخب.

وقال تشافي إن ما قدمه ماكس وروبن يعكس الشخصية والرغبة التي يريدها من لاعبيه، مشددًا على أن أداء هولندا في الشوط الثاني هو المستوى الذي يجب أن يستمر عليه المنتخب.

كلوب: شعرنا أننا فقدنا نقطتين

من جانبه، أكد كلوب رضاه عن العديد من الجوانب التي ظهرت في أداء ألمانيا، لكنه أبدى عدم رضاه عن النتيجة.

وقال المدرب الألماني إن فريقه قدم العديد من الإشارات الإيجابية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن كرة القدم في النهاية لعبة نتائج.

وأوضح أنه لو عُرض عليه قبل المباراة التعادل في هولندا لكان سيقبله، لكنه بعد انتهاء اللقاء شعر بأن ألمانيا أهدرت نقطتين بالنظر إلى توقيت هدف التعادل.

مباراة أكبر من دوري الأمم

ورغم أن المباراة كانت مجرد الجولة الافتتاحية لدوري الأمم الأوروبية، فإن أهميتها تجاوزت حدود البطولة، خاصة أن المسابقة لا تزال تبحث عن مكانتها الحقيقية في أجندة كرة القدم الأوروبية.

المواجهة كانت بمثابة بداية لمشروع جديد لكل من هولندا وألمانيا، وهما منتخبان يحاولان استعادة مكانتهما بعد خروج مؤلم من كأس العالم، بعدما ودعا البطولة بركلات الترجيح أمام باراجواي والمغرب في اليوم نفسه، بينما يستعدان الآن لبطولة أمم أوروبا 2028.

ومع وجود أسماء مثل تشافي، وكلوب، وزين الدين زيدان، وتوماس توخيل، وروبرتو مانشيني، وجورجي جيسوس على رأس عدد من المنتخبات الأوروبية الكبرى، تبدو الساحة الدولية مقبلة على مرحلة تضم عددًا استثنائيًا من المدربين الذين حققوا نجاحات كبيرة على مستوى الأندية.

لكن المفارقة أن المدرب الذي قاد إسبانيا للتتويج ببطولة يورو 2024 وكأس العالم 2026، لويس دي لا فوينتي، كان اسمًا غير معروف تقريبًا على المستوى العالمي قبل توليه المهمة.

ومع ذلك، فإن تجربة دي لا فوينتي قامت على التأكيد على هوية كروية واضحة للمنتخب الإسباني، وهو الأمر الذي يسعى تشافي وكلوب إلى تحقيقه مع هولندا وألمانيا، كلٌ بطريقته الخاصة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved