استمرارا لحضور القضية الفلسطينية.. فيلم عن المستوطنات ينافس على جوائز الإيمي الدولية

آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 5:27 م بتوقيت القاهرة

الشيماء أحمد فاروق

عاد الفيلم الوثائقي البريطاني «Louis Theroux: The Settlers» إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد ترشحه لجائزة الإيمي الدولية 2026 في فئة أفضل فيلم وثائقي، ضمن قائمة تضم 64 عملًا من 22 دولة، على أن يعلن الفائزون خلال حفل يقام في نيويورك يوم 23 نوفمبر من العام الجاري.

والفيلم من إنتاج «Mind House Productions» لصالح هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وصُوّر عام 2024 في الأراضي المحتلة والضفة الغربية. ويعود خلاله الصحفي والمخرج البريطاني لويس ثيروكس إلى موضوع سبق أن تناوله في فيلمه «The Ultra Zionists» عام 2011، لكن بعد 14 عامًا، وفي ظل تصاعد الاستيطان والعنف في الضفة الغربية والحرب على غزة.

ويتنقل ثيروكس بين مستوطنين إسرائيليين متطرفين ونشطاء إسرائيليين مناهضين للاستيطان، محاولًا الاقتراب من الحركة الاستيطانية من داخل المجتمع الإسرائيلي.

- دانييلا فايس في واجهة الفيلم

تتصدر الفيلم دانييلا فايس، إحدى أبرز الشخصيات في الحركة الاستيطانية الإسرائيلية، التي تتحدث أمام ثيروكس عن رغبتها في إقامة مستوطنات إسرائيلية في غزة.

وفي الوقت نفسه، يتابع الفيلم محاولات مستوطنين إقامة بؤر جديدة في الضفة الغربية، وكيف يمكن لهذه البؤر أن تتحول لاحقًا إلى تجمعات تحصل على اعتراف رسمي من سلطات الاحتلال.

- إشادة بالفيلم في مراجعات مختلفة

اعتمد ثيروكس في فيلمه على أسلوبه المعروف في إجراء المقابلات، إذ يمنح الشخصيات مساحة واسعة لشرح أفكارها.

ورأت صحيفة «الجارديان»، في مراجعتها للفيلم، أن هذه الطريقة جعلت العمل أكثر قوة، خاصة في مشاهد لقاء ثيروكس مع مستوطنين يتبنون مواقف شديدة التطرف تجاه الفلسطينيين. واعتبرت الصحيفة أن الفيلم يمثل تحولًا في أسلوب المخرج، الذي اضطر إلى التخلي جزئيًا عن هدوئه المعتاد في مواجهة بعض الشخصيات.

كما أشادت صحيفة «ذا ناشيونال» بالفيلم ومنحته خمس نجوم، ووصفت أسلوب ثيروكس بأنه صحافة جريئة، معتبرة أن ترك المستوطنين يشرحون مواقفهم بأنفسهم يجعل تصريحاتهم أكثر تأثيرًا من تدخل المخرج في تفسيرها.

أما «فاينانشيال تايمز»، فرأت أن الفيلم يقدم صورة قوية ومقلقة عن الحركة الاستيطانية، لكنها أبدت تحفظًا على تركيزه الكبير على الشخصيات الأكثر تطرفًا.

وأشادت صحيفة «الإندبندنت» أيضًا بالفيلم في مراجعتها، معتبرة أنه يرسم صورة قاتمة للحياة في الضفة الغربية، بالتوازي مع التوتر بين المستوطنين والفلسطينيين، والقيود المفروضة على الفلسطينيين في مدينة الخليل وغيرها من المناطق.

- اعتراض فلسطيني: أين التاريخ؟

رغم الإشادات النقدية، واجه الفيلم اعتراضات من أصوات فلسطينية شاركت في العمل، أبرزها الناشط الفلسطيني محمد حريني، الذي ظهر أمام ثيروكس خلال زيارته لمنطقة مسافر يطا، الواقعة جنوب شرق محافظة الخليل في الضفة الغربية.

وفي مقال نشره موقع «موندويسس» بعد عرض الفيلم، قال حريني إن الفيلم نجح إلى حد ما في كشف أفكار المستوطنين ومنحهم مساحة للحديث عن رؤيتهم للفلسطينيين والأرض، لكنه لم يمنح التجربة الفلسطينية المساحة نفسها.

وكتب حريني: «في حين أن الفيلم الوثائقي كان على استعداد لمنح المستوطنين فرصة لعرض رؤاهم الخطيرة للمستقبل، إلا أنه فشل فشلًا ذريعًا في إعطاء وزن متساوٍ للواقع المعيش لأولئك الذين تتحطم حياتهم بسبب تلك الأيديولوجيات بالذات».

وأوضح حريني أنه تحدث خلال التصوير عن تاريخ عائلته التي تنحدر من لاجئين فلسطينيين، وعن التهجير الذي تعرض له أجداده خلال النكبة، وعن استمرار خطر التهجير الذي تواجهه عائلته في مسافر يطا، إلا أن هذا الجزء من قصته لم يظهر في النسخة النهائية للفيلم.

ويرى حريني أن حذف هذا السياق يجعل قضية الاستيطان تبدو وكأنها صراع سياسي معاصر حول الأرض، بدل تقديمها، من وجهة نظره، باعتبارها امتدادًا لتاريخ أطول من التهجير والاقتلاع الفلسطيني.

وتتفق هذه الملاحظة مع انتقاد أكثر اتساعًا قدمه الباحث الفلسطيني فتحي نمر على المنصة نفسها، إذ رأى أن الفيلم ينجح في إظهار خطاب المستوطنين المتطرفين، لكنه يعاني مما وصفه بالتركيز على مرحلة ما بعد حرب 1967، مع غياب النكبة عن سياقه التاريخي.

وبحسب نمر، فإن عدم الربط بين الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967 والتاريخ الأوسع للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يجعل صورة القضية ناقصة بالنسبة للمشاهد الذي يتعرف إليها للمرة الأولى من خلال الفيلم.

- الخليل في الفيلم.. وواقع يراه الفلسطينيون يوميًا

ويظهر الناشط الفلسطيني عيسى عمرو في الفيلم، مصطحبًا ثيروكس في جولة بمدينة الخليل، حيث يرصد القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في بعض المناطق.

وبعد عرض الفيلم، كتب عمرو أن العمل ساعد في إظهار واقع الحياة في الضفة الغربية، لكنه شدد على أن ما تعرض له ثيروكس أثناء التصوير من مضايقات وترهيب ليس تجربة استثنائية بالنسبة للفلسطينيين، وإنما جزء من حياتهم اليومية.

كما انتقد عمرو عدم منح الفلسطينيين مساحة أكبر للتعبير عن تجربتهم بأنفسهم.

وتصاعد الجدل بعد عرض الفيلم، بعدما قال عمرو إن منزله تعرض لمداهمة ومضايقات عقب مشاركته في العمل.

- ثيروكس يدافع عن اختيارات الفيلم

وفي المقابل، دافع ثيروكس عن فيلمه في مقال نشره بصحيفة «الجارديان»، أشار فيه إلى الانتقادات التي وُجهت للعمل بسبب تركيزه على شخصيات متطرفة، مؤكدًا أن هذه الشخصيات ليست بلا تأثير سياسي، وأن بعض الأفكار التي تبدو هامشية أصبحت حاضرة في المجال السياسي الإسرائيلي.

كما أشار إلى أن تصوير الفيلم وضع فريق العمل نفسه في مواقف خطرة، وأن ما شاهده خلال الرحلة لم يكن مجرد نقاش نظري حول الاستيطان، وإنما واقعًا يعيشه الفلسطينيون على الأرض.

ويأتي ترشح الفيلم للمنافسة على جوائز الإيمي الدولية في سياق الاهتمام العالمي المتزايد بالأعمال التي تتناول القضية الفلسطينية من زوايا مختلفة، وسط جدل واسع حول الطريقة التي تقدم بها هذه الأفلام الصراع والاستيطان وتجارب الفلسطينيين والإسرائيليين.

كما تشهد الساحة العالمية حضورًا متزايدًا للأفلام الفلسطينية والأعمال التي تتناول القضية الفلسطينية، والتي تطرح جوانب مختلفة من الصراع وما يرتبط به من احتلال واستيطان وتهجير.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved