ماذا فعلت لأفقد ساقي؟.. قصة صمود الطفل الفلسطيني مؤمن بعد 6 ساعات تحت ركام منازل غزة
آخر تحديث: الأحد 25 أكتوبر 2026 - 12:47 م بتوقيت القاهرة
أنقرة - الأناضول
- قصف إسرائيلي أفقد مؤمن ساقيه في غزة وبقي 6 ساعات تحت الأنقاض قبل إنقاذه
- القصف قتل عميه وأصاب والده وجدته وتسبب له بصدمة أفقدته ذاكرته
على كرسيه المتحرك في العاصمة التركية أنقرة، يبدأ الطفل الفلسطيني مؤمن سامح الهمص يومه متوجهًا إلى مدرسته، حاملًا حقيبته وأحلام طفل في الخامسة من عمره، لكن من دون ساقين فقدهما جراء قصف إسرائيلي استهدف منزل أسرته في قطاع غزة.
قبل 3 سنوات، كان المشهد مختلفًا تمامًا، حيث كان مؤمن في الثانية من عمره وسقط صاروخ إسرائيلي على منزل أسرته، وحوّل المكان الذي يفترض أن يمنحه الأمان إلى ركام، ظل الطفل عالقًا تحته نحو 6 ساعات قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشاله.
نجا مؤمن من تحت الأنقاض، لكنه خرج إلى حياة تغيرت إلى الأبد.
فقد الطفل ساقيه، واستشهد عماه في الهجوم، فيما فقد والده إحدى ساقيه، وفقدت جدته لأبيه إحدى يديها، لتترك الضربة الإسرائيلية جراحًا عميقة في جسد الأسرة وذاكرتها.
ونجا من الهجوم شقيقه التوأم محمد ووالدته، بعدما شاءت الأقدار ألا يكونا في المنزل لحظة القصف، إذ خرجا لشراء الخبز.
• جروح الجسد والروح
وبعد انتشاله من تحت الأنقاض ونقله إلى المستشفى، اضطر الأطباء إلى بتر ساقي مؤمن.
وبدأت منذ تلك اللحظة رحلة علاج طويلة وشاقة، تنقل خلالها بين مستشفيات عدة، وخضع لعمليات جراحية في مصر، قبل أن يصل إلى تركيا.
وفي تركيا، خضع الطفل لـ5 عمليات جراحية أخرى، قبل أن يغادر المستشفى بعد رحلة علاجية طويلة، محاولا ترميم ما خلفته الحرب في ذاكرته ونفسيته.
فالطفل الذي نجا من الموت تحت الأنقاض لم تكن جراحه جسدية فحسب.
وفي حوار مع الأناضول، تقول جدته حنان عبد العال، إن حفيدها مر بفترة نفسية شديدة القسوة، وكان يطرح سؤالًا يفوق عمره الصغير: "ماذا فعلتُ حتى أفقد ساقيّ؟"
سؤال يلخص مأساة طفل وجد نفسه يدفع ثمن حرب لم يخترها، وفقد في لحظات القدرة على السير وأفرادًا من أسرته وجزءًا من ذاكرته.
وبحسب جدته، أدت الصدمة التي عاشها مؤمن إلى اضطرابات في ذاكرته، حتى أصبح لا يتذكر من أسرته سوى شقيقه التوأم محمد، الذي يسأل عنه باستمرار، ويريد في كل مرة الاطمئنان عليه.
• الجدة تصبح أما
وفي مفارقة إنسانية مؤلمة، بات مؤمن يعتقد أن جدته لأمه، التي ترافقه في تركيا وترعاه منذ وصوله، هي والدته، فأصبح يناديها: "أمي"، كونه لا يتذكر والديه.
وتحمل الجدة اليوم مسئولية رعاية حفيدها بعيدًا عن بقية أسرته التي بقيت في فلسطين، فتحاول أن تمنحه ما تستطيع من شعور بالأمان، وأن تعوضه عن بعض ما سلبته منه الحرب.
وتروي الجدة أن القصف وقع في الثاني من ديسمبر 2023، مؤكدة أن مؤمن ظل نحو 6 ساعات تحت الأنقاض، قبل إنقاذه ونقله إلى المستشفى.
وتقول إن ساقيه بُترتا بعد ذلك، مؤكدة أن العملية الأولى لم تُجرَ بالشكل المطلوب، بحسب وصفها، وإنه احتاج لاحقًا إلى مزيد من العمليات في مصر وتركيا.
• إلى مقاعد الدراسة
وفي أنقرة، لا تقتصر حياة مؤمن اليوم على المستشفيات وغرف العمليات، فبعد انتهاء مرحلة طويلة من علاجه، استقر مع جدته في منطقة "كتشي أورن"، وبدأ يرتاد المدرسة.
ويستخدم مؤمن كرسيًا متحركًا كهربائيًا في تنقلاته، ويذهب صباحًا إلى مدرسته، ثم يتوجه عقب انتهاء الدروس إلى جمعية "يدي إقليم" للثقافة والفنون والتعليم والعلوم والتكافل، وهناك، يتلقى دروسًا في القرآن الكريم ويشارك في أنشطة تعليمية واجتماعية تساعده على الاندماج في محيطه الجديد.
• الطائرات والسباحة
ورغم قسوة ما عاشه، لا يزال داخل مؤمن طفل يحب الأشياء التي يحبها أقرانه.
وتقول جدته، إنه يحب السباحة والطائرات والرسم، ويحرص على أداء واجباته المدرسية، وتصفه بأنه طفل ذكي وقوي.
وبين المدرسة والرسم ودروس القرآن، يحاول مؤمن اليوم كتابة فصل جديد من حياته، بعيدًا عن أصوات القصف والأنقاض التي طبعت سنواته الأولى.
لكن شقيقه التوأم محمد لا يغيب عن ذاكرته، إذ يواصل السؤال عنه باستمرار، وتقول جدته إنه الوحيد من أفراد أسرته الذي لا يزال يتذكره.