المخرج الهولندي برهام رحيم زادة عن فيلم Last Shot: رغبت في سرد قصة عن أكبر أوجه الظلم في العالم وسأصنع فيلما آخر عن فلسطين
آخر تحديث: الأحد 25 أكتوبر 2026 - 2:28 م بتوقيت القاهرة
الشيماء أحمد فاروق
صارت فلسطين سردية عابرة لحدود الأرض والقارة، تشعبت وتسللت إلى نفوس وعقول ملايين حول العالم، والتقطها الفنانون كإلهام لأعمال فنية مختلفة، ومن بينهم صناع السينما، حتى كاد لا يمر عام إلا ويُصنع فيلم جديد عن حكاية فلسطينية، ومن أحدث الأفلام في هذا السياق، فيلم اللقطة الأخيرة /Last Shot للمخرج الهولندي، إيراني الأصل، برهام رحيم زادة.
فيلم اللقطة الأخيرة، فيلم روائي قصيرة، مدته 18 دقيقة، وعرض مؤخرا في أكثر من مهرجان، من بينهم مهرجان أثينا السينمائي ومهرجان تورنتو السينمائي ومهرجان روتردام السينمائي الدولي، وتدور قصته حول «موسى»، وهو فلسطيني يعيش في هولندا، يفقد شقيقه سامر، المصوّر الصحفي الذي استشهد في غزة خلال قصف إسرائيلي، وبعد استشهاد شقيقه، يرث موسى كاميرته ويقرر تحميض آخر لفة فيلم تركها بداخلها لكن الصور التي تظهر أمامه لا تعيد إليه ذكريات شقيقه فحسب، بل تضعه أيضًا أمام حقيقة الفقد، وثقل الإرث الذي تركه وراءه، والمسئولية نحو إيصال صوته.
وللحديث عن كواليس صناعة الفيلم واختيار الفكرة والصعوبات التي واجهته، أجرت الشروق حوارا مع مخرجه برهام رحيم زادة..
- كيف جاءت فكرة فيلم Last Shot ؟
نشأت فكرة الفيلم في عام 2021، حين كُلِّفت بكتابة نوفيلا -قصة قصيرة جدا- بعنوان "باحث عن الحظ" (Gelukzoeker)، وهو مصطلح يُستخدم في هولندا غالبًا على نحو سلبي لوصف اللاجئين وبما أنني نشأت محاطًا بالعديد من الفلسطينيين، فقد رغبت في سرد قصة عن الظلم الذي تعرضوا له، حتى قبل السابع من أكتوبر 2023.
في البداية، تناولت القصة من زاوية المعاملة غير المتكافئة التي يلقاها اللاجئون الفلسطينيون والأوكرانيون في أوروبا، وبعد أن تجدد تواصلي مع صديق طفولتي كريم ربطي، الذي أصبح منتج الفيلم، عملنا معًا على تطوير الفكرة وتحويلها إلى فيلم اللقطة الأخيرة، وتطورت القصة تدريجيًا لتتمحور حول حزن الشخصية على مقتل شقيقه في غزة، وهو ما يعكس شعور العجز الذي ينتاب كثيرين منا في الغرب حين نشاهد معاناة الفلسطينيين من بعيد.
- كصانع أفلام إيراني الأصل وتعيش في هولندا، ما الذي دفعك إلى إخراج فيلم عن فلسطين؟
نشأت في مدينة سخيدام، بجوار مدينة فلااردينجن، التي تضم جالية فلسطينية كبيرة، ونشأت بين الفلسطينيين والمغاربة والأتراك والبوسنيين والسوريناميين والعديد من الجاليات الأخرى، الأمر الذي جعلني على تماس مع وجهة النظر الفلسطينية منذ سن مبكرة جدًا. ولطالما اعتبرت ما تعرض له الفلسطينيون واحدًا من أكبر أوجه الظلم في العالم، وكان يزعجني بشدة حجم التجاهل الذي أبداه العالم تجاه قضيتهم، بما في ذلك الغرب والعالم العربي.
وبالطبع، فإن تجربتي بوصفي إيرانيًا مسلمًا من غرب آسيا لا تُقارن بتجربة الفلسطينيين، لكنني أعرف ما يعنيه أن تُعامَل باعتبارك مواطنًا من الدرجة الثانية. لذلك أردت التعبير عن تضامني من خلال السينما، بالنسبة إليّ، أصبحت فلسطين معيارًا أخلاقيًا يُختبر من خلاله مدى إنسانيتنا، وكان صنع هذا الفيلم أقل ما يمكنني فعله.
- لماذا اخترت ممثلين فلسطينيين لأداء الأدوار الرئيسية؟ وهل أسهمت وجهات نظرهم أو مشاركاتهم في تغيير أي جانب من رؤيتك الأصلية للسيناريو؟
كان من الضروري بالنسبة إلينا العمل مع ممثلين وأفراد من الطاقم الفني فلسطينيين، وحدث بالفعل إسهامات، فقد طرح علينا بيرو باير، مستشار الإنتاج لدينا، الذي أنتج فيلم الجنة الآن (Paradise Now) للمخرج هاني أبو أسعد، سؤالًا بالغ الأهمية أنا والمنتج كريم ربطي: ما الذي يمنح إيرانيًا ومغربيًا الحق في رواية قصة فلسطينية؟ وكانت الإجابة بسيطة: نحن بحاجة إلى مشاركة الفلسطينيين وموافقتهم لذلك عملنا مع ممثلين وأفراد من الطاقم الفني فلسطينيين، سواء من فلسطين أو من الشتات وكانت تجاربهم ووجهات نظرهم ضرورية لجعل الفيلم أقرب ما يمكن إلى الواقع. وخضع السيناريو لتغييرات عديدة خلال مراحل العمل، لكنني أفضل القول إن مساهماتهم أثْرَت السيناريو لقد ساعدونا في تشكيل الفيلم ليصبح بالصورة التي كان ينبغي أن يكون عليها.
- كيف كانت رحلتكم مع تمويل الفيلم؟ وهل واجهتم حالات رفض أو قيودًا أو عقبات أخرى بسبب موضوعه؟
تلقينا عددًا من حالات الرفض من صناديق تمويل سينمائي مختلفة وأعتقد أن القصص الفلسطينية تواجه الرقابة والمقاومة منذ عقود، حتى وإن كانت المؤسسات تحجم عن الاعتراف بذلك.
لحسن الحظ، حصلنا على دعم كبير من خلال برنامج أكاديمية المنتجين الجدد (New Producers Academy)، وهو برنامج يساعد المنتجين الناشئين من ذوي البشرة الملونة، ومن بينهم منتجنا كريم ربطي، على ترسيخ مكانتهم في صناعة السينما وإن المبادرات من هذا النوع بالغة الأهمية. وبصفتي صانع أفلام عصاميًا، لم أكن مستعدًا للسماح للتوقعات المؤسسية بأن تملي عليّ الطريقة التي أروي بها هذه القصة
وكانت العقبة الأكبر أمامنا مالية فلم نتمكن من تحمل تكاليف تصوير المشاهد التي يظهر فيها سامر، شقيق موسى، في موقع يشبه فلسطين، ولذلك اضطررنا إلى ابتكار حلول إبداعية. ومن المثير للاهتمام أن هذه القيود ساعدتنا على تطوير المزيج الذي يجمع بين الواقعية والسريالية في الفيلم، وهو ما أصبح أحد أبرز نقاط قوته.
- هل اضطررت إلى تعديل أي مشاهد أو حوارات أو عناصر أخرى في السيناريو استجابةً لمخاوف تتعلق بالتمويل أو التوزيع أو ردود الفعل السياسية المحتملة؟
لا، لحسن الحظ لم نضطر مطلقًا إلى تغيير أي مشاهد أو حوارات بسبب مخاوف سياسية وحتى لو واجهنا ضغوطًا من هذا النوع، لكنت وجدت طريقة لسرد القصة التي أردت روايتها، حتى لو اقتضى الأمر التعبير عن بعض العناصر بصورة أكثر إيحاءً أو بطريقة أقل مباشرة. أنا ببساطة أرفض تقديم تنازلات في هذا الشأن.
- إلى أي مدى تعتقد أن السينما الأوروبية تتمتع بحرية حقيقية في تناول القضية الفلسطينية؟
أعتقد أن هذه الحرية لا تزال محدودة للغاية، وإن كنا قد شهدنا، لحسن الحظ، بعض التقدم خلال السنوات الأخيرة، لكن لايزال الأمر صعبا، تخيّل أن ترغب في صنع فيلم عن «عرين الأسود»، وهي مجموعة مقاومة فلسطينية مسلحة من نابلس، وعن نضالها ضد الاحتلال الإسرائيلي أعتقد أن فيلمًا كهذا سيواجه فورًا اتهامات بتمجيد الإرهاب.
لكن أليس هذا تحديدًا ما ينبغي أن تكون السينما معنية به؟ استكشاف وجهات النظر التي نادرًا ما يُسمع صوتها، وفهم دوافع الناس، وتقديمهم بوصفهم بشرًا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تأييد أفعالهم آمل أن تفسح السينما الأوروبية مجالًا أوسع لهذه القصص.
- هل كان اختيار شخصية البطل في الفيلم من خارج مهنة التصوير الصحفي مقصودًا؟
نعم، كان ذلك اختيارًا مقصودًا. أردت استكشاف أثر الحرب في الأشخاص الذين تُركوا خلفها، بدلًا من التركيز حصرًا على أولئك الذين يعيشون أهوالها بشكل مباشر، ومن خلال تتبع حياة موسى، الذي يعيش في الغرب، نقرّب قصة شقيقة سامر من الجمهور، قد لا يعرف معظم الناس معنى أن تكون مصورًا صحفيًا في منطقة حرب، لكن الجميع تقريبًا يستطيع فهم ألم فقدان شخص يحبّه.
وللأسف، فإن اختيار بطل يعيش في الغرب يجعل من الأسهل على الجمهور الغربي التعاطف معه والتماهي مع تجربته إنها حقيقة مؤلمة، لكنني أردت الاستفادة منها لتقريب الجمهور من التجربة الفلسطينية.
- في وقت تنتشر فيه الصور ومقاطع الفيديو القادمة من مناطق الحرب على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية، وسط تزايد المخاوف بشأن مدى صحتها والسياقات التي تُنشر فيها، ما الذي يمكن أن تضيفه السينما الروائية إلى التوثيق الصحفي؟
أعتقد أن الهدف الأساسي من فيلم اللقطة الأخيرة هو إضفاء بُعد إنساني على معاناة الفلسطينيين، وجعل ألمهم ملموسًا على المستوى العاطفي بالنسبة إلى الجمهور. فالصحافة توثّق ما يحدث، بينما تستطيع السينما مساعدتنا على فهم ما يعنيه ذلك فعليًا على المستوى الإنساني والشعوري.
لقد شاهدنا جميعًا الدمار في غزة، الذي نُقل إلينا تقريبًا على الهواء مباشرة وأمام أعيننا. وبالنسبة إليّ، لا يكمن السؤال في ما إذا كنا قد شاهدنا ما يكفي من الصور، بل في ما إذا كنا نفهم حقًا حجم المعاناة الإنسانية الكامنة وراءها. و العالم أصبح أكثر وعيًا بالتجربة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، ولا أظن أن هذا التضامن سيختفي ببساطة. إذا استطاع فيلم اللقطة الأخيرة الإسهام في تعزيز هذا الوعي، من خلال دفع الناس إلى الشعور بشيء يتجاوز ما يرونه في الصور، فسيكون قد حقق غايته.
- ما المسئوليات التي تقع على عاتق صانع الأفلام عندما يتخيل تجربة حرب لم يعشها بنفسه ؟
يمكن أن أقول أهم مسئولية تقع على عاتق أي صانع أفلام هي أن يضع غروره جانبًا لا يمكنك أن تسمح لوجهة نظرك الشخصية بأن تفرض تصورك على تجارب الشخصيات، خاصة عندما تروي قصة عن معاناة لم تختبرها بنفسك عليك أن تنصت إلى الأشخاص الذين تروي قصصهم، وأن تسمح لتجاربهم بأن تشكّل عملك، عندها فقط يمكنك تقديم عمل يبدو صادقًا وأصيلًا وفي هذه الحالة، كان ذلك يعني الإنصات إلى الفلسطينيين.
- كيف وازنت بين ضرورة جعل الفيلم جذابًا بصريًا وعاطفيًا وبين مسئوليتك في تجنب استغلال المعاناة الفلسطينية؟
أعتقد أن أهم ما في الأمر هو أن تجعل إنسانيتك هي منطلقك وعندما تكون الإنسانية نقطة البداية، تصبح القصة ذات بُعد إنساني شامل، وتقل احتمالات استغلال المعاناة التي تصورها أو استخدامها لمجرد تحقيق غايات جمالية. ينبغي أن تؤدي كل كلمة في السيناريو وكل صورة في الفيلم غرضًا محددًا. وإذا لم يكن لها غرض، فلا ينبغي أن تكون موجودة. بالنسبة إليّ، هذه هي الطريقة التي تضمن بها أنك تروي قصة ذات معنى، بدلًا من الاكتفاء بصناعة صور جميلة من معاناة الآخرين.
- أين عُرض فيلم «اللقطة الأخيرة» حتى الآن؟ وكيف تصف استجابة الجمهور في المهرجانات التي شارك فيها؟
عُرض فيلم اللقطة الأخيرة في أكثر من 25 مهرجانًا سينمائيًا حول العالم، وعرضه الأول ضمن مسابقة تايجر للأفلام القصيرة في مهرجان روتردام السينمائي الدولي.
كما اختير للمنافسة على جائزة Gouden Kalf في مهرجان هولندا السينمائي، وهي جائزة تُعد بمثابة النظير الهولندي لجوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (بافتا) وفاز الفيلم أيضًا بخمس جوائز في إيطاليا.
لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذهني هو التفاعل العاطفي للجمهور فالناس يتفاعلون مع الفيلم بصدق، وهذا يعني لي الكثير، وبالطبع، واجهنا بعض الانتقادات أيضًا فقد تساءل بعض الأشخاص عن سبب اختياري، بصفتي إيرانيًا، رواية قصة فلسطينية بدلًا من تقديم قصة عن معاناة الإيرانيين لكنني أؤمن بأنني، بصفتي صانع أفلام، أمتلك حرية اختيار القصص التي أريد روايتها ولا ينبغي لخلفيتي أن تحدد ذلك وبوجه عام، كانت ردود الفعل إيجابية للغاية.
- هل توجد خطط لعرض الفيلم في دور السينما أو إتاحته عبر إحدى منصات البث الرقمي؟
نعم، هناك خطط لإتاحة فيلم اللقطة الأخيرة عبر منصة للبث الرقمي بعد انتهاء جولته في المهرجانات السينمائية، لا أستطيع الكشف عن اسم المنصة في الوقت الحالي، لكنها منصة ليست ضخمة،
آمل أن تتيح هذه الخطوة للفيلم الوصول إلى جمهور أوسع.
- هل هناك خطط لصناعة أفلام أخرى عن فلسطين؟
نعم، أود ذلك كثيرًا وأنا أعمل بالفعل منذ فترة على تطوير قصة أخرى تتناول فلسطين ومرة أخرى، أتناولها من منظور غربي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتقادي بأهمية التفكير في القصص التي يمكنني روايتها بصدق وأمانة، بصفتي شخصًا ليس فلسطينيًا ويتعلق أيضًا بأن المنظور الغربي قد يجعل هذه القصص أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور في أوروبا وأمريكا وأماكن أخرى.
أريد مواصلة استكشاف القصص الفلسطينية من خلال السينما.
- إذا أتيحت لك فرصة السفر إلى فلسطين وتصوير فيلم وثائقي على أرض الواقع، فهل ستفكر في ذلك؟
سيكون شرفًا كبيرًا لي أن تتاح لي هذه الفرصة وأود كثيرًا خوض تجربة صناعة الأفلام الوثائقية أيضًا. أنا صانع أفلام عصامي، وقد سمحت لنفسي دائمًا باتباع الطريق الذي اختاره الله لي
وشعار شركة الإنتاج الخاصة بنا (Mohsin Films)، هو: كل شيء مكتوب وأنا أؤمن بذلك إيمانًا حقيقيًا.
لذلك، إذا كان مكتوبًا لي أن أسافر إلى فلسطين وأصنع فيلمًا وثائقيًا هناك، فسأعدّ ذلك نعمة كبيرة، كل ما يمكنني قوله هو: إن شاء الله.