من الإنكار إلى القبول.. قراءة نفسية في تحولات أزمة منتصف العمر وسبل الخروج منها عبر كتاب جديد لعالم نفس بريطاني

آخر تحديث: الخميس 26 فبراير 2026 - 2:51 م بتوقيت القاهرة

منى غنيم

تناول كتاب «حكيم: البحث عن الهدف والمعنى والحكمة بعد منتصف العمر» لعالم النفس الإكلينيكي البريطاني فرانك تاليس إشكالية أزمة منتصف العمر من منظور نفسي وفلسفي وثقافي منطلقًا من فرضية مفادها أن هذه الأزمة ليست مجرد اضطراب عابر أو حالة فردية معزولة، بل ظاهرة إنسانية ترتبط بطبيعة الوعي بالموت والتحولات الوجودية التي ترافق التقدم في السن.

وعبر صفحات الكتاب، استحضر المؤلف نصوصا أدبية وأساطير كبرى لتأطير التجربة ضمن سياق إنساني أوسع، وهدف الكتاب إلى إعادة قراءة مرحلة منتصف العمر بوصفها منعطفًا تحوليًا يمكن أن يقود إلى إدراك أعمق للمعنى والحكمة.

وبدأ "تاليس"، بتشخيص جذور أزمة منتصف العمر، مستندًا جزئيًا إلى أطروحات عالم الأنثروبولجيا الأمريكي إرنست بيكر في كتابه «إنكار الموت» الصادر عام 1973، واقترح أن هذه الأزمات ترتبط جزئيًا بعزوف الثقافة الغربية عن مواجهة حقيقة الفناء.

وأشار المؤلف، إلى ممارسات اجتماعية تدل على هذا الإنكار، مثل تجنب عرض الجثمان في نعش مفتوح - حيث أن بعض الثقافات ومنها الثقافة البريطانية لا تميل إلى إقامة جنازات يُعرض فيها جسد المتوفى داخل نعش مفتوح ليتمكن الناس من رؤيته قبل الدفن مثل الثقافة الأمريكية، واللجوء إلى عبارات ملطفة للتعبير عن الوفاة بدلًا من لفظ الموت.

وربط المؤلف، بين ثقافة الصور المرشَّحة ووسائل التواصل الاجتماعي وبين الميل إلى إزاحة التفكير في النهاية الحتمية.

وتحدث الأزمة، بحسب طرحه، عندما تتعذر مواصلة إبعاد الواقع، خاصة بعد فقدان الوالدين، إذ يكتشف الفرد أنه بات في مقدمة الصف، كما ورد عبر صحيفة الجارديان.

وانتقل "تاليس" بعد ذلك إلى تقديم قراءة مغايرة للأزمة، إذ رأى أنها ليست موضع خجل، بل يمكن إعادة تأطيرها بوصفها لحظة بطولية وتحولية، واستشهد المؤلف بما أورده أستاذ الأدب المقارن والباحث الأمريكي جوزيف كامبل حول أسطورة البطل الذي يهبط إلى العالم السفلي، معتبرًا أن هذا الهبوط، الحرفي أو المجازي، يمثل نقطة انعطاف تمهد لانتصارات لاحقة.

وأشار في هذا السياق، إلى «الأوديسة» للشاعر الملحمي اليوناني القديم هوميروس، حيث يعلم "أوديسيوس" بوفاة أمه خلال زيارته لعالم الموتى، وكذلك إلى افتتاحية «الجحيم» للفيلسوف الإيطالي "دانتي" التي تبدأ في منتصف رحلة الحياة للبطل داخل غابة مظلمة.

كما ذكر مثال الطبيب النفسي السويسري ومؤسس علم النفس التحليلي كارل يونج، الذي مر بانهيار في أواخر الثلاثينيات، ثم اعتبر محنته "هبوطًا إلى العالم السفلي" يسبق مرحلة النضج المثمر.

وتناول النص، سؤال الحكمة الذي طرحه الكتاب، مشيرًا إلى أن بنيته تقوم على تتبع المراحل الكلاسيكية لأزمة منتصف العمر، بدءًا من "الإنكار" صولًا إلى "القبول" وما بعدهما. غير أن "تاليس"، لم يقدم تعريفًا حاسمًا للحكمة، مفضلًا ترك المجال لتجربة القارئ الخاصة، مستشهدًا بقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه إن كل إنسان عليه أن يبني الجسر الذي يعبر به نهر حياته بنفسه.

ويُذكر أن من المواضع الشخصية النادرة في الكتاب اعتراف المؤلف بانخراطه، في أواخر مراهقته، في جماعة ذات طابع ديني مغلق خلال سبعينيات القرن العشرين، وهو ما أدى إلى توتر علاقاته العائلية وتقديمه تبرعات مالية ندم عليها لاحقًا.

كما أبرز الكتاب، أهمية البحث عن المعنى، مستندًا إلى ملاحظات الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل خلال وجوده في معسكرات الاعتقال النازية، حيث لاحظ أن من تمسكوا بإحساس بالمعنى كانوا أكثر قدرة على الصمود.

وفي الختام، فإن الكتاب يهدف إلى إعادة تأطير أزمة منتصف العمر باعتبارها مرحلة انتقالية تحمل إمكانات للنضج وإعادة التوجيه الوجودي، بدلًا من النظر إليها بوصفها انهيارًا نفسيًا أو علامة ضعف.

ومن خلال تتبع المراحل النفسية المصاحبة لهذه التجربة، أكد المؤلف، أن مواجهة فكرة الفناء والاعتراف بالتحولات الحتمية في مسار الحياة يمثلان شرطًا أساسيًا لاكتساب الحكمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved