المحلل السياسي دانكان مكارجو: تايلاند تبحث عن مخرج من حالة الجمود السياسي الطويلة

آخر تحديث: الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 9:26 ص بتوقيت القاهرة

واشنطن - (د ب أ)

تعيش تايلاند ما يمكن تسميته "أزمة هوية" سياسية منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث انخرط التيار الملكي المحافظ وقوى المعارضة في صراعٍ محتدمٍ على هذه الهوية. فالمحافظون يسعون لتحصين مؤسسات القصر ضد النقد الشعبي، ومنح الجيش صلاحية التدخل في أوقات الأزمات السياسية، وإخضاع الأحزاب السياسية والسياسيين لسلطته ومنحه حرية مطلقة في قمع أي شخصية سياسية لا تلتزم بتوجيهاته. في المقابل، تدعو المعارضة إلى ملكية دستورية، وجيش ملتزمٍ بالبقاء في ثكناته، ونظام حزبي تنافسي يستجيب لرغبات الشعب، وضوابط وتوازنات واضحة تضمن عدم الإفراط في معاقبة السياسيين المنتخبين.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال دانكان مكارجو أستاذ ورئيس كرسي الشؤون العالمية في جامعة نانيانج التقنية بسنغافورة إن الغلبة كانت في معظم الأحوال للمحافظين. فقد نظموا حركات احتجاجية، ونفذوا انقلابات عسكرية، وحظروا أحزاب المعارضة لمنع السياسيين مثيري الاضطرابات من إحداث تغييرات قد تحد من معسكر المحافظين وامتيازاتهم. ومع ذلك، لم ينجح المحافظون في تحويل انتصاراتهم، إلى حكوماتٍ مستقرة. في المقابل، ظلت حركات المعارضة قادرة على إعادة تكوين نفسها باستمرار. ففي مطلع الألفية الثالثة جمع الشرطي السابق ورجل الأعمال الثري تاكسين شيناواترا نفوذاً هائلاً كرئيس للوزراء، مما أثار استياء المحافظين الذين دبروا انقلابا عسكريا أطاح به في عام 2006. ومع ذلك ظلت قاعدته السياسية تتمتع بقوة انتخابية جبارة، ونجحت شقيقته ينجلوك شيناواترا في الوصول إلى الحكم قبل أن يطيح بها المحافظون في انقلاب عسكري عام 2014. . لكن بعد انقلاب عام 2014 برز تحد أكثر خطورة، تمثل في الاحتجاجات الجماهيرية التي قادها الشباب للمطالبة بإصلاح النظام الملكي عام 2020، وظهرت أحزاب سياسية تقدمية استقطبت هؤلاء الناخبين الشباب.

ومنذ ذلك الوقت سادت حالة من الجمود السياسي في تايلاند، حيث عجز كلا الطرفين عن حسم الأمور لصالحه. لكن هذا الوضع تغير في فبراير الماضي، عندما اكتسح حزب "بهومجايتاي"، وهو حزب صغير اشتهر بدعوته لتقنين تعاطي الحشيش، الانتخابات الوطنية. وبدعم ضمني من المعسكر الملكي والتيار المحافظ، سيطر "بهومجايتاي" على الدولة التايلاندية، ليرسي بذلك نمطا سياسيا جديدا قادرا على قمع القوى التقدمية لصالح التعاون الوثيق بين النخب، والفوز في الانتخابات العامة دون تلاعب علني فيها.

ويقول مكارجو إن صعود "بهومجايتاي" يعد تتويجا لجهود طويلة بذلها المحافظون لاستعادة زمام السلطة. وكان انتصار الحزب، في انتخابات فبراير جزءا من حملة مُنظمة ومستترة للسيطرة على أجهزة الدولة المحايدة اسميًا، بما في ذلك مجلس الشيوخ والمحكمة الدستورية. فالتحالف بين الشبكة الملكية وحزب بهومجايتاي أقرب إلى زواج مصلحة منه إلى مشروع أيديولوجي مشترك، وقد لا يدوم إلى الأبد.

المعروف أن أسس النظام السياسي الحالي في تايلاند تعود إلى عام ١٩٩٧، عندما قدمت مجموعة من النخبة الملكية الليبرالية، ميثاقا جديد، يشار إليه غالبا باسم "دستور الشعب"، كرد فعل على الانقلاب العسكري الكارثي في عام ١٩٩١ وما تلاه من أعمال القمع الدموي للمتظاهرين العزل في مايو ١٩٩٢. وهدف هذا الميثاق إلى تحصين النظام السياسي ضد الانقلابات من خلال إرساء نظام رقابي يمنع السياسيين المنتخبين من إساءة استخدام سلطتهم، ويسهل انتقالا سلسا للعرش الملكي. وأنشأ الميثاق هيئة انتخابات ومحكمة دستورية، وهيئة لمكافحة الفساد، ولجنة لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى مجلس شيوخ منتخب بالكامل، يفترض أنه غير حزبي.

لكن هذا المشروع السياسي الطموح جاء بنتائج عكسية، فلم تشهد البلاد أي استقرار سياسي تقريبا. وسمح النظام البرلماني القائم في ذلك الوقت بانتخاب الملياردير بانتخاب تاكسين رئيسا للوزراء عام ٢٠٠١. ونجح تاسكين في حشد الناخبين الفقراء في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من البلاد، ودمجهم في كتلة انتخابية لا تقهر. واستغل ثروته الشخصية الطائلة، وهيمنة حزبه على البرلمان، وعلاقاته البيروقراطية لإنشاء آلة سياسية ناجحة بشكلٍ لافت. كما اشترى تاكسين ذمم أعضاء مجلس الشيوخ والهيئات المستقلة، وجردها من صلاحياتها كهيئات محايدة، وعين موالين له في مناصب حيوية كان يفترض أن يكبح شاغلوها جماح سلطة رئيس الوزراء.

شعرت النخب التقليدية في البلاد بتهديد عميق من صعود تاكسين إلى السلطة. وسعت حركة "القمصان الصفراء"، التي اتخذت من اللون الملكي رمزا، لشل قدرة حكومة تاكسين على إدارة البلاد من خلال الاحتجاجات الجماهيرية في الشوارع واحتلال الأماكن والمباني العامة، لينتهي الحال بانقلاب عسكري يطيح بحكومته. هذا السيناريو تكرر مع حكومات منتخبة في أعوام 2006 و2008 و2014. لكن في حين نجحت حركة "القمصان الصفراء" في الإطاحة بالحكومات المنتخبة التي تقودها المعارضة، فإنها لم تتمكن من الفوز بانتخابات لكي تحل محل هذه الحكومات.

وبحلول عام ٢٠٢٥، كانت المؤسسة الحاكمة قد استنفدت خياراتها لإضعاف المعارضة. وفي مواجهة تحديات من كل من القوى الموالية لتاكسين والأحزاب التقدمية، بدأت أساليب المؤسسة الملكية القديمة، المتمثلة في الانقلابات العسكرية، والصفقات المشبوهة، وحظر الأحزاب، وعزل رؤساء الوزراء قضائيا، تفقد فعاليتها. لذلك كان المحافظون في أمس الحاجة إلى تحالف مع حزب مطيع وموثوق به قادر على الفوز في الانتخابات.

ووقع خيار معسكر الملكية المحافظ على حزب بهومجايتاي، الذي نشأ نتيجة انشقاق فصيلٍ من النواب والوزراء السابقين عن حزب تاكسين عام ٢٠٠٨، لكنه ظل على مدى 17 عاما دون أي سياسيين شعبيين في صفوفه، ولا سياسات اقتصادية واضحة، ولا قاعدة شعبية على المستوى الوطني.

ومع ذلك، وتحت قيادة نيوين تشيدتشوب الغامض، أصبح حزب بهومجايتاي تدريجيا قوةً مؤثرة في السياسة التايلاندية وحليفا أساسيًا للملكية والمتعاطفين معها. ويعرف نيوين الذي شغل منصب وزير دولة في عهد تاكسين وفي حكومات أخرى بين أعضاء الحزب بلقب "مدير المدرسة". ولا يجري نيوين مقابلات ولا يظهر علنا، لكنه يحكم قبضته على استراتيجية حزب بهومجايتاي وكوادره. في الوقت نفسه يشغل رئيس الوزراء الحالي، أنوتين شارنفيراكول، المهندس الذي تلقى تدريبه في الولايات المتحدة، وتملك عائلته شركة "سينو-تاي" العملاقة للهندسة والإنشاءات، منصب زعيم الحزب وواجهته الإعلامية منذ عام ٢٠١٢.

وعوض نيوين وأنوتين ما ينقصهما من رؤية أيديولوجية بدهاء استراتيجي، حيث راكما السلطة حيثما أمكنهما ذلك، وجعلا نفسيهما مفيدين للشبكة الملكية. وبإدراكهما الصحيح لحاجة هذه الشبكة الماسة إلى حزب سياسي موثوق للتعاون معه، شرعا في تمييز حزبهما عن المنافسين المحافظين الآخرين، الذين كانوا عادة ما يضمون بيروقراطيين سابقين موثوقين ولكنهم غالبا ما يكونون دون المستوى المطلوب.

في المقابل ساهمت أخطاء المعارضة في تمهيد الطريق أمام الحزب للاستيلاء على السلطة في الدولة. فعندما عزلت المحكمة الدستورية، التي يسيطر عليها حزب بهومجايتاي رئيسة الوزراء بايتونجتارن شيناواترا ابنة تاكسين شيناواترا، من منصبها في أغسطس 2025، صوت حزب شيناواترا - المعروف الآن باسم حزب الشعب - لصالح أنوتين زعيم حزب بهومجايتاي، ليحل محلها. واعتقد قادة حزب الشعب بسذاجة أن حكومة بهومجايتاي لن تدوم في السلطة إلا لفترة وجيزة، وأنه بعد الفوز في انتخابات مبكرة، ستتمكن القوى التقدمية من الضغط لتعديل الدستور وتقليص النفوذ الراسخ للنخبة. كان هذا خطأً فادحًا. ففي انتخابات فبراير، فاجأ حزب بهومجايتاي معظم المراقبين بفوزه الساحق في الانتخابات، حيث حصد 192 مقعدا مقابل 120 مقعدا لحزب الشعب. ومع سيطرة بهومجايتاي على أدوات السلطة التنفيذية والبرلمان، تبددت آفاق الإصلاح الدستوري التقدمي.

اليوم، يتولى قيادة تايلاند حزب بلا أفكار واضحة على الإطلاق، رغم أن البلاد معروفة بقدرتها على إفراز تيارات وأحزاب سياسية قادرة على التنافس والاشتباك. لقد وصل مشروع الإصلاح السياسي الذي بدأ في التسعينيات إلى نهايته، وهو ما حدث مع مشروع تاكسين لتمكين المهمشين، والمشروع القومي للجيش لاستعادة النظام والدفاع عن الملكية، والمشروع التقدمي الراغب في تحويل تايلاند إلى مكان أكثر انفتاحا ومساواة.

في الوقت نفسه، تعكس انتهازية حزب بهومجايتاي الفارغة شكلا جديدا من السياسة الواقعية يبدو أكثر استدامة من سابقاته. وقد التفّ الملكيون حول الحزب على مضض لعدم وجود بديل آخر. أما تاكسين، الذي عوقب مؤخرا بالسجن ثمانية أشهر، فقد التزم الصمت. وينتقد التقدميون ما يسمونه "النظام الأزرق" (نسبةً إلى لون شعار بهومجايتاي) ويفندونه، لكنهم يجدون صعوبة في صياغة استراتيجية واقعية لمواجهته.

وأدت هذه الهيمنة الجوفاء إلى مأزق غريب. فعلى مدى الأشهر الستة الماضية، اكتفت حكومة رئيس الوزراء أنوتين بالجمود، مؤجلة المبادرات السياسية الكبرى. وقد لا يدوم هذا المأزق مع بروز الأجيال الشابة كقوة مؤثرة في السياسة التايلاندية. وفي الواقع، لا تزال قبضة المحافظين على السلطة محل نزاع شديد. من الناحية النظرية، يمكن لمعارضة موحدة تتجاوز الخلافات القديمة بين مؤيدي تاكسين والقوى التقدمية أن تطيح بحزب بهومجايتاي في صناديق الاقتراع. لكن ستظل المشكلة الأكبر هي هل تستطيع مختلف القوى السياسية في تايلاند التوافق على رؤية تضمن قيام نظام ديمقراطي تعددي مستقر ومستدام؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved