من المستنقعات إلى نوبل.. قصة الطحلب الذي كشف خبايا الذاكرة والمشاعر‬

آخر تحديث: الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:39 ص بتوقيت القاهرة

سلمى محمد مراد

قد تنبع الاكتشافات العلمية من صدفة بسيطة مثلما كان سقوط التفاحة من على الشجرة هي بذرة نيوتن لاكتشاف الجاذبية، ويمكن أن تنبع الإنجازات الطبية من مصادفات عجيبة مثلما حدث 1928 عندما ترك العالم ألكسندر فلمنج أطباق المختبر مكشوفة وذهب في إجازة، وعندما عاد وجد أن هناك عفن نما على الأطباق وقام بقتل البكتيريا المحيطة به، ليكون هذا الخطأ سببا في اكتشاف البنسلين أو المضاد الحيوي وإنقاذ ملايين الأرواح.

كذلك تحقق اكتشاف جديد من أبسط الكائنات الحية، فقد لعب كائن حي دقيق وبسيط للغاية دورا محوريا في تمكين 3 علماء من الفوز بجائزة نوبل في علم الطب ووظائف الأعضاء هم كارل دايسروث من جامعة ستانفورد، وبيتر هيجمان من جامعة هومبولت في برلين، وجورج ناجل من جامعة فورتسبورج.

ما هذا الطحلب العجيب؟

بدأ الأمر بدراسة أجراها العالم هيجمان على طحلب أخضر صغير يسبح باتجاه الضوء يسمى الكلاميدوموناس، وهو طحلب أخضر وحيد الخلية يتميز بقدرته الفائقة على السباحة باتجاه الضوء، ويعتمد هذا الطحلب في حركته على بروتين فريد حساس للضوء يسمى "قناة رودوبسين"، وهو بروتين شبيه بشكل ملحوظ بالبروتين الموجود في أعيننا.

وعندما يلامس الضوء هذا البروتين تتدفق أيونات مشحونة كهربائيا إلى داخل الخلية بسرعة فائقة، وينتج عن ذلك إطلاق إشارة كهربائية تحفز الطحلب على التحرك بمحركه الشبيه بالشعر.

من الطحلب إلى الدماغ

واستلهم العلماء من هذه الآلية البسيطة فكرة مبتكرة، حيث قاموا بنقل جين قناة رودوبسين من الطحلب ودمجه داخل خلايا دماغية حية لحيوانات التجارب، حيث قام العالم دايسروث بنقل هذه التقنية إلى الفئران، وتم إدخال هذه الجينات الحساسة للضوء في خلاياها العصبية، مما أتاح للعلماء تشغيل وإيقاف خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء عبر ألياف بصرية دقيقة جدا تفوق الشعر البشري في رقتها.

وبحسب موقع جائزة نوبل، أتاحت هذه التقنية للعلماء تحديد الدوائر العصبية الدقيقة بدقة متناهية، وكذلك فهم كيفية تشكل الذكريات والمشاعر والسلوك داخل أدمغتنا، وكذلك التحكم في وظائف جسدية مختلفة مثل النوم واليقظة والحركة، وحتى السلوكيات الفطرية مثل كيفية تعامل الفئران مع صغارها.

ولم تتوقف أهمية هذا الاكتشاف على الجانب النظري، حيث يتم حاليا إجراء تطبيقات عملية واسعة النطاق باستخدام هذه التقنية تتضمن دراسة الأمراض النفسية والعصبية مثل الاكتئاب، والقلق، ومرض باركنسون أو الشلل الرعاش.

من طحلب البحر إلى استعادة البصر

كما يجري حاليا اختبار التقنية بهدف استعادة البصر جزئيا للمصابين بأمراض الشبكية التالفة، وبحسب موقع كلية الصيدلة بجامعة كربلاء، يتم ذلك من خلال إدخال هذه الجينات الطحلبية إلى الخلايا الباقية داخل شبكية العين لتعمل بمثابة خلايا ضوئية بديلة.

وعندما يرتدي المريض نظارات خاصة تحول الصور إلى نبضات ضوئية، حيث تستجيب هذه الخلايا المعالجة وترسل إشارات كهربائية إلى الدماغ مما يتيح للمريض رؤية الأشكال وتحديد مواقعها جزئيا.

ويؤكد العلماء أن هذا الاكتشاف بمثابة مفتاح ضوئي يساعد على كشف أسرار بيولوجية عديدة وفتح آفاق جديدة وغير مسبوقة لفهم كيفية عمل الدماغ البشري وعلاج أمراض عصبية مستعصية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved