مؤتمر الموسيقى العربية يوصي بإنشاء أرشيف موسيقي وإتاحة الأبحاث للباحثين
آخر تحديث: الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:29 ص بتوقيت القاهرة
أمجد مصطفى
لم تكن جلسات المؤتمر العلمي المصاحب للدورة الـ34 من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية مجرد استعراض لأبحاث أكاديمية، بل طرحت قضية تتجاوز حدود المهرجان نفسه، تتعلق بكيفية قراءة الموسيقى العربية، وتحليل تجاربها، وتوثيق تاريخها، والحفاظ على ذاكرتها من النسيان أو الاختزال في الحفلات والأسماء اللامعة.
فالمؤتمر، الذي نظمته دار الأوبرا المصرية برئاسة الدكتور رضا الوكيل، تحت إشراف الدكتور محمد شبانة، رئيس اللجنة العلمية، وبحضور مؤثر للدكتور إيناس جلال الدين والكاتبة الصحفية كريمان حرك، ناقش هذا العام قضية «الموسيقى العربية بين النقد الأكاديمي والتناول الإعلامي»، وأُهديت فعالياته إلى اسمي الناقدين الموسيقيين الكبيرين الدكتور زين نصار والدكتور محمد حسن هليل، تقديرًا لإسهاماتهما في مجال النقد الموسيقي.
وعلى امتداد جلساته، تلاقت أبحاث عشرات الباحثين من مصر وعدد من الدول العربية، إلى جانب مشاركات من الولايات المتحدة والسويد، حول ثلاثة محاور متكاملة: تطوير النقد الأكاديمي، ودور الإعلام في نشر الثقافة الموسيقية، وأهمية الصحافة والأرشيف في توثيق التاريخ الموسيقي العربي.
وشارك عدد من الباحثين من مصر، هم الدكتورة مها العربي، والدكتور عمرو ناجي، والدكتور إيهاب صبري، والسيد حسن، وهاني أحمد زويل، وهالة زياء، ودعاء كامل، والكاتب الصحفي حاتم جمال.
وتناولت الأبحاث المصرية الموسيقى التصويرية في مسلسل «رأفت الهجان»، والبرامج الموسيقية في الإذاعة المصرية، والنظريات النقدية المقارنة، والمنهج النقدي في كتابات زين نصار، وتحولات النقد الموسيقي في العصر الرقمي، ودور مجلة «الكواكب» في توثيق تاريخ الموسيقى والغناء على مدى تسعين عامًا.
ومن لبنان، شارك الدكتور كفاح فاخوري، والأب بديع الحاج، والدكتورة ليلى خليل علي، ومنى زريق الصائغ.
وتركزت موضوعاتهم على استعادة الذاكرة الموسيقية اللبنانية عبر الإعلام، والصحافة بوصفها مصدرًا لكتابة تاريخ الموسيقى العربية، ودور مجلة «الموعد» في رصد الحركة الموسيقية والغنائية اللبنانية.
ومن الأردن، شارك الدكتور نضال نصيرات، والدكتور صبحي الشرقاوي، والدكتور محمد واصف، والدكتور هشام شرف، والدكتور نبيل الدراس.
وناقشت الأبحاث بناء إطار أكاديمي معاصر للنقد الموسيقي العربي، والعلاقة بين المرجعيات النقدية العالمية والخصوصية الجمالية العربية، إلى جانب المشاركة في إدارة جلسات المؤتمر.
ومن السودان، شاركت الدكتورة رجاء موسى، والدكتور محمد آدم سليمان، والدكتور الفاتح حسين.
وتناولت الأبحاث أثر النقد الأكاديمي في صياغة الهوية الموسيقية العربية، من خلال الموسيقى السودانية نموذجًا، والغناء النسوي في المدينة السودانية بين النقد الأكاديمي والانطباعي خلال الفترة من 1970 إلى 2026.
ومن فلسطين، شارك الدكتور معتصم عديلة، والدكتور ناصر أسمر.
وركزت مشاركتهما على التشكيل القيمي في النقد الموسيقي العربي، وتطوير خطاب نقدي علمي يجمع بين المعرفة الأكاديمية والقراءة الفنية للصوت الغنائي.
ومن تونس، شاركت أسماء الطرابلسي وفتحي زغندة.
وتناولت الموضوعات الخطاب الموسيقي العربي المعاصر وتأويل الصوت وتفكيك الهوية، إلى جانب واقع النقد الموسيقي التونسي بين التأثير والتقصير.
ومن البحرين، شارك الدكتور عصام الجودر، الذي قدم قراءة نقدية لأشكال المتشابهات في أغاني محمد عبد الوهاب.
ومن الجزائر، شارك مهدي مقناوة، الذي تناول المألوف القسنطيني، باحثًا في سبل إعادة بناء منظومته الغنائية من منظور النقد الأكاديمي.
ومن ليبيا، شارك أحمد دعوب، الذي استعرض تجارب إعلامية في رصد الفنون الموسيقية الليبية وتسجيل ملامحها.
ومن اليمن، شارك محمد سلطان اليوسفي ورفيق العكوري.
وناقش الأول اتجاهات الكتابة عن الموسيقى والغناء في اليمن، بينما تناول الثاني دلالات الإعلانات التجارية في الصحف اليمنية على الحياة الموسيقية خلال الفترة من 1935 إلى 1955.
ومن الكويت، شاركت الدكتورة أحلام أكبر بن الشيخ صالح، التي بحثت استخدام الموسيقى التصويرية في الأفلام الوثائقية الكويتية ودورها في دعم التعبير الفني.
ومن الولايات المتحدة، حضر هاني أحمد زويل، الذي شارك في بحث حول تأسيس منهجية نقدية أصيلة للموسيقى العربية، وفق عنوان بحثه.
ومن السويد، شارك الدكتور حسين الأنصاري، الذي تناول بناء جماليات التلقي الموسيقي عبر الوسائط الإعلامية.
وشارك في إدارة الجلسات عدد من الباحثين، منهم الدكتور عمرو ناجي من مصر، والدكتور محمد واصف من الأردن، والدكتور كفاح فاخوري من لبنان، والدكتورة رجاء موسى من السودان، والدكتور هشام شرف من الأردن.
على اختلاف موضوعاتها، تلتقي الأبحاث حول فكرة أساسية، وهي أن الموسيقى العربية ليست مجرد ألحان وأصوات وحفلات، بل تجربة إبداعية وثقافية تحتاج إلى النقد والتحليل والتوثيق.
فدراسة أعمال محمد عبد الوهاب، على سبيل المثال، تفتح الباب أمام فهم أساليبه الموسيقية، بينما تكشف دراسة الموسيقى التصويرية عن علاقتها بالبناء الدرامي، وتساعد أبحاث الهوية الموسيقية على فهم الخصوصية الثقافية لكل تجربة عربية.
وفي المقابل، تكشف أبحاث الإعلام والصحافة عن الدور الذي تؤديه الإذاعة والمجلات والصحف والوسائط الرقمية في تشكيل ذائقة الجمهور، ونقل المعرفة الموسيقية، وحفظ تفاصيل قد لا تسجلها الكتب التاريخية التقليدية.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الأرشيف الصحفي باعتباره وثيقة تستحق الفحص والدراسة، وليس مجرد مادة قديمة انتهى دورها بانتهاء زمن نشرها.
وتكمن أهمية المؤتمر في أنه يعيد الاعتبار إلى الجانب العلمي، كما يعيد إحياء فكرة مؤتمر 1932، أول مؤتمر علمي يتناول الموسيقى العربية.
وفي مهرجان الموسيقى العربية، الذي قد تطغى عليه أحيانًا أخبار النجوم والحفلات وعدد الحضور، لا تكتمل رسالة المهرجان الذي يحمل اسم الموسيقى العربية بالغناء وحده، وإنما تحتاج رسالته إلى البحث الذي يفسر، والنقد الذي يقيّم، والتوثيق الذي يحفظ، والإعلام الذي ينقل المعرفة إلى الجمهور.
لكن قيمة المؤتمر لا تُقاس بعدد الأبحاث أو الجنسيات المشاركة وحدها، بل بقدرته على تحويل ما يُطرح داخل قاعاته إلى معرفة متاحة، وهنا تبرز ضرورة نشر الأبحاث في إصدار علمي موثق، وإتاحة خلاصاتها للقراء والباحثين، وإنشاء أرشيف رقمي يضم الدراسات والتسجيلات والمناقشات، مع متابعة ما تنتهي إليه التوصيات في الدورات التالية.
كما أن هناك حاجة إلى تقريب نتائج الأبحاث من الجمهور، عبر مقالات مبسطة وبرامج إذاعية وتلفزيونية ومواد رقمية تقدم المعرفة الموسيقية بلغة واضحة، من دون الإخلال بعمقها العلمي.
فالنقد الأكاديمي الذي يظل حبيس القاعات لا يستطيع وحده التأثير في الذائقة العامة، والإعلام الذي يكتفي بالأخبار والانطباعات يفقد فرصة الإسهام في بناء وعي موسيقي حقيقي.
إن الحفاظ على التراث لا يعني تكرار تقديمه فحسب، بل فهمه وتفسيره وتسجيل تاريخه وإتاحة مصادره للأجيال الجديدة.
ومن ثم، فإن المؤتمر العلمي ليس نشاطًا موازيًا للحفلات، ولا فقرة شكلية في برنامج المهرجان، وإنما أحد المكونات الأساسية لرسالته الثقافية.
فإذا كانت الحفلات تمنح الموسيقى حياة على خشبة المسرح، فإن البحث العلمي والنقد والتوثيق يمنحانها ذاكرة قادرة على البقاء، وهذه هي القيمة التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر، وأن تتحول من جهد يمتد أيام المهرجان إلى مشروع علمي متواصل طوال العام.
واختتم المؤتمر جلساته بإصدار 9 توصيات، وهي:
ضرورة دعم المؤتمرات العلمية، وتخصيص جوائز لتحفيز الباحثين على الإدلاء بآرائهم العلمية في قضايا تهم الموسيقى في الوطن العربي، وضرورة عقد مؤتمر يناقش قضايا ومشكلات الموسيقى الشعبية في البلاد العربية، على أن يُعقد دوريًا كل عام في إحدى بلدان العالم العربي؛ ودعوة المؤسسات الأكاديمية الموسيقية إلى الاهتمام بإدراج مناهج متعمقة تتناول النقد الأكاديمي، بما يثري فكر الدارسين وآراءهم.
وضرورة الاهتمام بالتواصل بين النقاد الأكاديميين والنقاد العاملين في الحقل الإعلامي، وضرورة اهتمام المؤسسات الصحفية العريقة، مثل مؤسسة الأهرام ودار الهلال في مصر ومثيلاتهما في البلاد العربية، بإنشاء أرشيف متخصص بالشأن الموسيقي وإتاحته للباحثين والمهتمين، ودعوة الصحفيين المهتمين بالشأن الموسيقي إلى الالتحاق بقسم النقد الموسيقي في إطار منظومة المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون؛ ودعوة الأكاديميين العاملين في الشأن الموسيقي إلى تبني لغة قريبة من فهم المتلقي والقارئ العادي، والتذكير بالاحتفاء بيوم الموسيقى العربية في 28 مارس من كل عام، وفقًا لما قرره المجمع العربي للموسيقى؛ ودعوة العاملين في حقلي النقد الموسيقي الأكاديمي والنقد الموسيقي الإعلامي إلى الاستفادة من التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والتطور الرقمي في تقديم النقد الموسيقي عبر هذه الوسائط.