المحضرة في موريتانيا.. سر الفصاحة وحفظ المتون في بلاد شنقيط

آخر تحديث: الخميس 27 يونيو 2019 - 3:40 م بتوقيت القاهرة

"موريتانيا" البلد الواقعة في شمال غرب إفريقيا على شاطئ المحيط الأطلسي، والتي لقبت من قبل "مجلة العربي" الكويتية باسم "بلد المليون شاعر"؛ لما عرف عن سكانها من ارتباطهم ومحبتهم الشديدة للشعر، فشعبها عربي ناطق باللهجة العربية الشهيرة باسم "الحسانية"؛ نسبة إلى قبائل أولاد حسان بن محمد بن مختار بن معقل الجد الجامع لقبائل بني معقل، والتي جاءت ضمن هجرة بني هلال وسليم، أواخر القرن الخامس الميلادي، تعرف باسم "بلاد شنقيط".

و"شنقيط" مدينة واحات أسست في أواسط القرن الـ7 الهجري، وتقع في منطقة الشمال الموريتاني، وتعني "عيون الخيل" باللغة الصنهاجية القديمة، وكانت إحدى المحطات الهامة في التجارة عبر الصحراء، وكانت مكان انطلاق قوافل الحج إلى أراضي الحجاز، ومن الحج انتشر علماء شنقيط التي كانت واحدة من مراكز العلم والثقافة، إلى كل الأمصار في المشرق والمغرب.

في كتاب "حجاج ومهاجرون.. علماء بلاد شنقيط في البلاد العربية وتركيا"، يقول الدكتور حماة الله ولد السالم، من كلية الآداب جامعة نواكشوط، إن الحج كان نافذة الشناقطة على العالم، وأن دولة المرابطين أهم دولة عرفتها الصحراء، كانت نتيجة مباشرة لأول رحلة حج "رسمية" من الصحراء، وكانت صورة الشناقطة لدى أهل الأمصار، أنهم قوم تغلب عليهم سذاجة العيش وبساطة المظهر، يحفظون المتون وينشدون الأشعار ويقنعون بالقليل، ويسأل هل كانت سخرية مبطنة مظهرها الإعجاب بهذه الندرة البدوية، الماثلة في مظهر رث ولسان فصيح وحافظة واعية؟ ويتابع: "لم يعد أحد يعرف موريتانيا بالدرجة التي عرفت بها شنقيط، وهي حال غلبت على بلاد العرب منذ انتصاف القرن الماضي".

عرف عن الشناقطة الفصاحة وحفظ المتون والإنشاد، ويقول ولد السالم: "يدين الشناقطة في شهرتهم بالحفظ والفصاحة إلى منهج (المحضرة) -أو المحظرة- وهي المؤسسة التعليمية البدوية المتنقلة والراقية، ولذلك فالتعرف عليها هو سبيل استجلاء أسباب التميز الشنقيطي في المشرق والمغرب".

و"المحظرة" هي مدرسة قائمة على شيخ واحد أو"المرابط" كما يطلق عليه محليا، يدرِّس علوم اللغة والشريعة، وهي مؤسسة تعليمية عالية يقودها عالم في فن واحد أو عدة فنون، ويسهر عليها وعلى طلابها أخلاقياً وأدبياً ومادياً حسبةً منه لوجه الله تعالى، لا يحتاج طالب العلم في المحظرة الموريتانية للكثير من الأغراض، فالقائمون على المحظرة يوفرون له كل متطلبات العيش رغم بساطتها، ومع ذلك فعلى قاصد المحظرة اصطحاب لوح خشبي وقلم سيال.

وفقا لولد السالم: "فالمحظرة الموريتانية مؤسسة طريفة، فاللوح الخشبي والقلم السيال، والحبر مصنوع من مشتقات معدنية محلية كلها أدوات بسيطة، وأصيلة قضت بها عبقرية الموريتاني على دياجير الجهل، وحققت بها ما حققته كبريات المدارس الإسلامية بما امتلكت من وسائل علمية متطورة حينها؛ وقد ظلت شهرة الشناقطة بالحفظ ودقة الرواية، أمرا محيرا للمشارقة إلى اليوم، وسعى كثيرون لبحث جذور المسألة وتحليل بواعثها وأسبابها، فوجدوها في طريقة الدرس المحضري وخصائص البيئة الثقافية-الاجتماعية القائمة على الترحال، وقلة وجود الكتب وصعوبة نقلها وحفظها، وهي حاجة أنتجت اختراعها الماثل في التركيز على الحفظ والاستظهار والرواية بدلا من الدراية والتأليف والكتابة عموما، فكان النظم والاختصار بالطرر والحواشي والتلخيص والرمز والإشارة والنبذ، سبيلا للتمكن من المتون والتحكم في سردها وروايتها وحفظها وإلقائها ومعرفتها وتدريسها.. ويتابع جمع بعض الكتاب أمثلة على ذلك بقولة: "قوة الحفظ كقوة الفهم أمر يرزقه الله لمن يشاء من عباده، وكثر في الآونة الأخيرة التساؤل عن قوة الحفظ عند الشناقطة، وكل يجيب بما يعلم، وفي الحقيقة إن طريقة الشناقطة في تحصيل العلم في غاية الحسن لما فيها من قوة التحمل والتفرغ لطلب العلم، ولكونهم ما كانوا يشتغلون إلا بفن واحد فإذا أتقنوه بدأوا بالآخر.

وقد اشتهر أبناء المحظرة الموريتانية في المشرق وفي بلاد المغرب العربي بسعة العلم والذكاء، وقد وصف الدكتور طه حسين في صحيفة الديار المصرية، العالم الموريتاني محمد محمود بن أحمد بن محمد التركزي الشنقيطي الملقب بولد التلاميد، بقوله:” كان أولئك الطلبة الكبار يتحدثون بأنهم لم يروا ضريبا للشيخ الشنقيطي في حفظ اللغة ورواية الحديث سندا ومتنا عن ظهر قلب”. ووصفة أيضا أحمد تيمور باشا بأنه "الأستاذ العلامة الحجة إمام اللغويين في عصره"، وقال عنه الشيخ رشيد رضا:"...العلامة المحدث الذي انتهت إليه رئاسة علوم اللغة والحديث في هذه الديار(المصرية)، ولاسيما علم الرواية للحديث الشريف ولأشعار العرب المخضرمين...».

ويذكر الكتاب ما كتبه أحد هؤلاء الشناقطة في مقال متداول عبر الانترنت للكاتب/ محمود بن محمد المختار الشنقيطي، يتناول فيه ما يتعلق بجودة حفظ الشنقيطيين والطرق والأساليب التي يتبعونها في حفظ العلوم، ونذكر مما أورده الكاتب تحت عنوان: لماذا الشناقطة يحفظون؟

"كثيرون أولئك الذين يَبْتدرونني بهذا السـؤال حين يَضُمني وإياهم مجلسٌ، فيدور الحديث حول مسألة الحفظ باعتبارها من أهم قضايا طلب العلم الشرعي، فيسألونني عن أسباب ظاهرة قوة الحفظ عند قومي، ولماذا كانت أهمّ سمةٍ في علماء الشناقطةـ الذين رحلوا إلى المشرق واتصلوا بالأوساط العلميةـ القوة الفذة والقدرة الفائقة على استحضار النصوص؟ ويسألونني عن أعجب ما بلغني من أخبار عن نوادر الحفاظ في الشناقطة.

تجمعت عندي طرق كانت وراء تيسير الله للشناقطة ملكة حفـظ نادرة، وطـاقة ذهنية عالية جعلتهم يفخرون في ثقة واعتزاز بقدراتهم على استذكار عشرات الكتب، وجعلت العلامة سيدي محمـد ابن العلاّمـة سيـدي عبد الله ابن الحـاج إبراهيـم العلوي ـ رحمه اللـه ـ (ت 1250هـ) يقول: (إن علوم المذاهب الأربعة لو رمي بجميع مراجعها في البحر لتمكنت أنا وتلميذي ألْفَغّ الديماني من إعادتها دون زيدٍ أو نقصان، هو يحمل المتن وأنا أمسك الشروح).

كل هذه الأسباب جعلت العلاّمة محمد محمود التّرْكُزي ـ رحمه الله ـ ت عام (1322هـ) يزهو بحافظته متحدياً الأزهريين بأنه أحق بإمامة اللغة والاجتهاد فيها منهم؛ لأنه يحفظ القاموس كحفظه الفاتحة، فاستبعدوا ذلك وعقدوا له مجلساً بالأزهر، فكان كما قال، فأقرّوا له وصاروا يصححون نسخهم من نسخة التركزي ـ رحمه الله ـ المحفوظة في صدره.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved