من أفلاطون إلى الخيال العلمي.. هل يمكن أن توجد المدينة الفاضلة على أرض الواقع؟
آخر تحديث: السبت 27 يونيو 2026 - 11:41 ص بتوقيت القاهرة
منى غنيم
- كتاب يرصد تاريخ الحلم اليوتوبي عبر التاريخ والأدب
تناول كتاب "استخدامات اليوتوبيا" للمؤلف البريطاني، جواد ريموند رين، التاريخ الفكري لفكرة "اليوتوبيا" أو المجتمع المثالي كما تجلت في الأدب والفلسفة عبر قرون طويلة.
واستعرض الكتاب أبرز التصورات التي قدمها المفكرون والكُتاب لمجتمعات خالية من المشكلات والعيوب، بدءا من أفلاطون وتوماس مور وصولا إلى أعمال الخيال العلمي الحديثة، كما ناقش الكيفية التي استخدمت بها هذه الرؤى المتخيلة لاختبار الأفكار السياسية والاجتماعية، وطرح تساؤلا جوهريا حول ما إذا كان المجتمع المثالي قابلا للتحقق في الواقع أم أنه سيظل مجرد فكرة أدبية وفكرية تلهم البشر دون أن تتحول إلى حقيقة.
تحذير من محاولة تحويل اليوتوبيا إلى الواقع
في البداية، قال الكاتب إن اليوتوبيا، بحكم تعريفها، لا يمكن أن توجد على أرض الواقع، مشيرا إلى أنه عندما نشر الكاتب الإنجليزي توماس مور كتابه "يوتوبيا" عام 1516، كان القراء يدركون التوتر الكامن في أصل الكلمة الجديدة؛ إذ يمكن اشتقاقها من اليونانية "إيو-توبوس" بمعنى "المكان الجيد"، أو "أو-توبوس" بمعنى "اللا مكان".
ورجح الكاتب أن هذا التلاعب اللغوي ربما كان تحذيرا موجزا من محاولة تحويل اليوتوبيا إلى واقع؛ لأن الذين حاولوا ذلك غالبا ما انتهى بهم الأمر إلى إنشاء مجتمعات تعاني اختلالات وظيفية أو تتحول إلى جماعات غريبة ذات طقوس جنسية، أو تجمع بين الأمرين معا.
وقدم الكتاب تاريخا فكريا ثريا وممتعا لفكرة المجتمعات المثالية المتخيلة؛ حيث بدأ المؤلف بالفيلسوف أفلاطون وما تضمنه كتابه "الجمهورية" من تصورات غير مألوفة، من بينها الدعوة إلى تحييد تأثير الشعراء على الأمهات، وبعد تجاوز الجوانب التي يمكن اعتبارها "يوتوبية" في فكر السيد المسيح دون التطرق إليها، وانتقل المؤلف إلى يوتوبيا توماس مور التي تقوم على مبدأ أن "لا شيء ملكية خاصة"، وبالتالي فإن الشئون العامة تحظى بعناية جادة.
وأشار الكاتب إلى أن العالم الإنجليزي الكبير في عصر النهضة، فرانسيس بيكون، قدم في كتابه "أطلنطس الجديدة" تصورا ليوتوبيا قائمة على التجريب العلمي العقلاني، ورأى "رين" أن هذه الرؤية ربما ألهمت بصورة مبتكرة مملكة "واكاندا" الخيالية في أفلام "الفهد الأسود" التابعة لشركة مارفل.
كما أوضح أن دوقة القرن السابع عشر، مارجريت كافنديش، تخيلت في كتابها "العالم المتوهج" نفسها إلهة منتخبة تحكم عالما من الكائنات الهجينة بين الإنسان والحيوان المحبة للعلم، وفي القرن الثامن عشر، تصورت الإنجليزية سارة سكوت في كتاب "قاعة الألفية" مجتمعا مثاليا للنساء من دون رجال، وهو تصور أعادت شارلوت بيركنز جيلمان طرحه خلال الحرب العالمية الأولى في روايتها "أرض النساء".
السمات المشتركة في الأدبيات اليوتوبية
لفت الكاتب إلى أن عددا من السمات المشتركة يتكرر في معظم الأدبيات اليوتوبية؛ إذ تعتمد العديد منها على حيلة سردية ينتقل فيها الراوي، بطريق المصادفة أو الخيال، إلى أرض جديدة، ثم يتعرض لسيل طويل من الشروحات حول كيفية عمل ذلك المجتمع، كما أن الأسرة كثيرا ما تُلغى من هذه المجتمعات، ويجري تربية الأطفال بصورة جماعية.
وأضاف أن الكاتب الأمريكي، إدوارد بيلامي، تخيل في روايته الصادرة عام 1888 "النظر إلى الخلف" مجتمعا لا توجد فيه كليات حقوق أو محامون، وهي مهنة ألغيت هناك كما في معظم اليوتوبيات الأخرى، نقلا عن صحيفة "الجارديان".
وبيَن الكاتب أن الأسرة تظل موجودة في رواية "رحلة إلى إيكاريا" للاشتراكي الفرنسي في القرن التاسع عشر، إتيان كابيه، التي تتصور نظاما شيوعيا شديد الانضباط والتنظيم.
وأضاف أن "كابيه" حاول تحويل أفكاره إلى واقع عندما أسس عام 1849 مجتمعه النموذجي الخاص "إيكاريا" في ولاية إلينوي الأمريكية، غير أن التجربة سرعان ما واجهت مشكلات؛ إذ بدأ السكان في اكتناز الممتلكات، ومارسوا أنشطة اعتبرها "كابيه" رذائل مثل الصيد، وصيد الأسماك، والسب، واستخدام التبغ، وشرب الكحول، كما استخدمت النساء مستحضرات التجميل والحلي والعطور.
وذكر الكاتب أن رد "كابيه" على هذا الوضع كان فرض قواعد أكثر صرامة ومنح نفسه منصب الرئاسة لمدة أربع سنوات بدلا من سنة واحدة، وهو ما يوضح كيف يمكن لليوتوبيا أن تنزلق بسهولة نحو الديكتاتورية.
ومن الغريب أن "رين" لم يتطرق إلى واحدة من أشهر المناقشات الفكرية حول مفهوم اليوتوبيا، وهي تلك التي قدمها الفيلسوف السياسي الأمريكي، روبرت نوزيك، في كتابه الصادر عام 1974 "الفوضى والدولة واليوتوبيا".
وقال "نوزيك" عبره إن الدولة الوحيدة المقبولة أخلاقيا هي الدولة "الحد الأدنى" التي تضمن حقوق الملكية والأمن وتنفيذ العقود، فيما يبقى الأفراد أحرارا في إنشاء أي أشكال من التنظيم الاجتماعي يرغبون فيها شريطة ألا يُجبر أحد على الانضمام إليها.
وأوضح الكاتب أن "نوزيك" اعتبر جميع اليوتوبيات بطبيعتها قسرية، لأن الناس لن يتفقوا جميعا بسهولة على القيم ذاتها، واستشهد بما كتبه "نوزيك" متسائلا عما إذا كانت فكرة اجتماع مجموعة من البشر لتحديد أفضل مجتمع ممكن لكل الأزمنة ثم الشروع في تطبيقه لا تبدو ساذجة بالقدر نفسه الذي تبدو عليه تصورات الإنسان البدائي عن المستقبل.
وأشار "رين" إلى أن العديد من التصورات اليوتوبية التي تناولتها الأعمال الأدبية اتسمت بقدر كبير من الصرامة والتنظيم الاجتماعي؛ ففي رواية "تحريك الجبل" للأمريكية شارلوت بيركنز جيلمان تكاد الحيوانات الأليفة تختفي باعتبارها استهلاكا غير ضروري للموارد، بينما تصور رواية "رحلة إلى إيكاريا" مجتمعا تُستبدل فيه اللوحات والمناظر الطبيعية بمطبوعات تزخر بالمعلومات المفيدة.
كما لفت إلى أن البريطاني ويليام موريس قدّم في رواية "أخبار من اللا مكان" طبقة نخبوية من "الساموراي" تمثل النخبة الطبيعية للمجتمع، إلا أن أفرادها يخضعون لقيود تمنعهم من التمثيل أو الغناء أو ممارسة الرياضات التنافسية أو متابعتها.
ووصف المؤلف اليوتوبيات بأنها "آلات عضوية للتفكير في افتراضات تفكيرنا ذاته"، أي أنها تؤدي دورا قريبا من دور الخيال العلمي، بل إن بعض هذه الأعمال يندرج بالفعل ضمن هذا النوع الأدبي، وأشار في هذا السياق إلى رواية "المحرومون" للكاتبة الأمريكية "أورسولا ك لو جوين"، التي قدمت في سبعينيات القرن العشرين نموذجا لما سماه "اليوتوبيا الفوضوية".
وأشار الكاتب إلى أن أكثر أنماط الأدب اليوتوبي انتشارا خلال العقود الأخيرة ربما تمثل في سلسلة روايات "الثقافة" للكاتب الاسكتلندي إيان إم بانكس، التي تتخيل مجتمعا مجريا واسع النطاق من البشر المعززين تقنيا يعيش في ظل ما يمكن وصفه بالشيوعية الفاخرة المؤتمتة بالكامل في الفضاء.
ومع ذلك، لفت الكاتب إلى أن الأمور كثيرا ما تسوء حتى داخل هذه المجتمعات المثالية، سواء نتيجة هجمات المتعصبين غير المتسامحين، أو بسبب انحرافات الذكاء الاصطناعي، أو نتيجة ظهور آثار لكائنات فضائية قديمة بصورة يصعب تصديقها، ولذلك رأى أن أفضل الأعمال اليوتوبية تنتهي غالبا إلى تبني موقف مناهض لليوتوبيا بصورة ضمنية، بحيث تذوب الفكرة في النهاية داخل التيار الواسع للأدب نفسه.
وفي النهاية، فإن كتاب "استخدامات اليوتوبيا" قدم فهرسا ثريا ومتنوعا للتصورات اليوتوبية عبر التاريخ، وكشف كيف تحولت هذه الأعمال من محاولات لتخيل المجتمع المثالي إلى أدوات فكرية لاختبار الأفكار الإنسانية وحدودها وإمكاناتها.