الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي.. كتاب جديد يتتبع المصالح الخفية للشركات التي تقود الثورة التقنية
آخر تحديث: السبت 27 يونيو 2026 - 11:53 ص بتوقيت القاهرة
منى غنيم
- مؤلف الكتاب: الذكاء الاصطناعي تحول من حلم تكنولوجي جميل إلى مصدر تهديد للوظائف والخصوصية والإبداع البشري
- تربع على قوائم مبيعات أمازون.. كتاب جديد يتتبع كيف تحولت ثورة الذكاء الاصطناعي إلى مشروع لخفض تكلفة العمالة وتعظيم أرباح الشركات
رأى الكاتب والناشط التقني الكندي، كوري دكتورو، أن الجدل الدائر حول الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالتكنولوجيا في حد ذاتها بقدر ما يرتبط بالنموذج الاقتصادي الذي يحكم تطويرها وتسويقها، وذلك في كتابه الجديد "دليل القنطور المعكوس للحياة بعد الذكاء الاصطناعي: كيف نستكشف الذكاء الاصطناعي قبل فوات الأوان".
وأشار دكتورو إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يواجه رفضا شعبيا متزايدا، بعدما تحول، في نظر كثيرين، من وعد تكنولوجي إلى مصدر للقلق بشأن الوظائف والخصوصية والإبداع البشري والعلاقات الاجتماعية والبيئة، واستشهد، في هذا السياق، بحادثة تعرض فيها الرئيس التنفيذي السابق لشركة "جوجل"، إريك شميدت، لصيحات استهجان من طلاب جامعة أريزونا أثناء إلقائه كلمة تخرج حاول خلالها الترويج لثورة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس -بحسب المؤلف- تنامي الفجوة بين وعود القطاع التقني ومخاوف الجمهور.
المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي
وأوضح دكتورو أن المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي شهدت تحولا ملحوظا خلال العقد الأخير؛ فبعد أن كان التركيز منصبا على سيناريوهات كارثية تتعلق بإمكانية تفوق الآلات الذكية على البشر وتهديدها لوجودهم، أصبحت الصورة العامة للذكاء الاصطناعي، منذ إطلاق شركة "أوبن إيه آي" نموذجها اللغوي "شات جي بي تي" في نوفمبر 2022، مرتبطة أكثر بتدمير الوظائف، وتشويه الحقائق، وإنتاج محتوى منخفض الجودة، وانتهاك الخصوصية.
وذهب المؤلف إلى أن سرعة فرض هذه التكنولوجيا على المجتمع، رغم الاعتراضات الواسعة، لم يسبق لها مثيل في تاريخ الابتكارات الحديثة، وهو ما دفعه إلى التساؤل عن القوى الاقتصادية التي تقف وراء هذا الاندفاع.
ويأتي الكتاب بعد فترة قصيرة من صدور كتابه السابق "التردي"، الذي طور فيه مفهوما ابتكره بنفسه لشرح كيف أسهم نموذج "النمو أو الاندثار" الذي تعتمده شركات التكنولوجيا الكبرى في تراجع جودة المنصات الرقمية.
ورأى دكتورو أن هذا النموذج التجاري نفسه يقف وراء كثير من أسباب العداء المتزايد تجاه الذكاء الاصطناعي، إذ إن الشركات التي تعد بتغيير العالم هي ذاتها التي فقد الجمهور ثقته في قدرتها على إحداث تغيير إيجابي، نقلا عن صحيفة "الجارديان".
الذكاء الاصطناعي ومفهوم القنطور المعكوس
وأكد المؤلف أن كتابه -الذي تربع على قوائم مبيعات أمازون هذا الأسبوع- لا ينطلق من موقف معاد للذكاء الاصطناعي من حيث المبدأ، بل يميز بين الاستخدامات التي تعزز قدرات الإنسان وتلك التي تخضعه لمتطلبات الآلة.
واستعار دكتورو مفهوم "القنطور"، وهو مخلوق في الأساطير الإغريقية يجمع بين جسد الحصان وجذع الإنسان، وقد أصبح المصطلح يُستخدم في مجال الأتمتة لوصف حالة التعاون بين الإنسان والآلة، بحيث تعزز التكنولوجيا قدرات البشر بدلا من أن تحل محلهم.
وذكر مثالا على ذلك مستخدم السماعة الطبية أو سائق السيارة، أما "القنطور المعكوس" فهو الشخص الذي تتقلص حريته بسبب متطلبات الآلة، مثل العامل في مستودعات شركة أمازون.
ومن خلال هذا المفهوم، أوضح دكتورو أن الذكاء الاصطناعي قادر نظريا على تحويل جميع العاملين إلى "قناطير" تستفيد من التكنولوجيا، إلا أن النموذج التجاري السائد يدفع نحو النتيجة المعاكسة.
وضرب مثالا بمجال الأشعة الطبية، حيث يمكن للطبيب المختص أن يعمل بالتعاون مع نظام ذكاء اصطناعي للوصول إلى نتائج أكثر دقة، غير أن هذا النموذج أكثر تكلفة للمستشفيات، أما الخيار الأرخص، فيتمثل في الاعتماد على النظام الآلي وإبقاء البشر في دور مراقبين للنتائج فقط، وهو ما يزيد احتمالات الخطأ ويخفض مكانة العامل البشري.
واستحضر المؤلف إحدى الرسائل الأساسية لأدب الخيال العلمي، ومفادها أن السؤال الأهم بشأن أي تقنية ليس ما الذي تفعله، بل لمن تعمل وعلى حساب من.
وانطلاقا من هذا التصور، رأى أن جانبا كبيرا من المشاعر المناهضة للذكاء الاصطناعي ليس عداء للتكنولوجيا بحد ذاتها، بل اعتراضا على النظام الاقتصادي الذي يستخدمها، وأكد أن أصحاب الأعمال سيواصلون البحث عن وسائل لخفض أجور العمال وتقليص حقوقهم ما لم ينظم هؤلاء أنفسهم للدفاع عن مصالحهم.
كما ربط دكتورو بين طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية والآليات نفسها التي قادت إلى ظاهرة التردي؛ فالتقييمات الضخمة لشركات التكنولوجيا تعتمد على وعود النمو المستقبلي أكثر من اعتمادها على الأرباح الفعلية، وهو ما دفع هذه الشركات سابقا إلى الرهان على مشاريع مثل "الميتافيرس" أو منصة "جوجل بلس" الاجتماعية التي انتهت إلى الفشل.
وأشار إلى أن التقييمات الهائلة لشركات الذكاء الاصطناعي تستند بدرجة كبيرة إلى قيمة الوظائف البشرية التي تأمل هذه الشركات في الاستغناء عنها، واستشهد بتوقعات صادرة عن "مورجان ستانلي"، إحدى أكبر المؤسسات المالية والاستثمارية في الولايات المتحدة، والتي أشارت إلى أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يقرب من تريليون دولار سنويا إلى قيمة الشركات المدرجة في مؤشر "ستاندرد آند بورز 500"، الذي يضم أكبر 500 شركة أمريكية متداولة في البورصة ويُعد أحد أبرز المؤشرات المستخدمة لقياس أداء سوق الأسهم الأمريكية.
ورأى المؤلف أن ارتباط ثروات كبار المديرين التنفيذيين بأسعار الأسهم يمنحهم حافزا شخصيا للحفاظ على حماسة المستثمرين، حتى لو كانت التكنولوجيا لا تحقق أرباحا حقيقية في الوقت الراهن، وبذلك يصبح المستثمر، لا المستهلك، الهدف الأساسي لحملات الترويج للذكاء الاصطناعي، بينما يتحول المستخدمون العاديون إلى أدوات دعائية تساهم في نشر الاعتقاد بأن الآلات ستستبدل البشر قريبا.
وانتقد دكتورو بشدة ما أسماه "الحتمية التكنولوجية"، مستعينا بشعار رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر "لا يوجد بديل"، واعتبر أن دعوة إريك شميدت الطلاب إلى ركوب "الصاروخ التكنولوجي"، كما أسماه، دون طرح الأسئلة، تمثل مثالا واضحا على هذا المنطق، الذي يفترض أن العامل أو المستهلك لا يملك خيارا سوى قبول التكنولوجيا الجديدة، لكن المؤلف أكد أن التكنولوجيا ليست قدرا محتوما، بل نتاج قرارات بشرية يمكن تغييرها ومحاسبة أصحابها عليها.
وطرح دكتورو فكرة لافتة مفادها أن شركات الذكاء الاصطناعي قد تكون مستفيدة من موجات الغضب والجدل التي تثيرها تطبيقات مثل الفن المولد بالذكاء الاصطناعي، لأن هذا الغضب نفسه يعزز الانطباع بأن التكنولوجيا تمتلك بالفعل القدرة على استبدال العمل البشري.
ومع ذلك، أكد أن اهتمامه لا ينصب على القضايا الأكثر إثارة للعناوين الصحفية، مثل المخاطر الوجودية، أو المواد الإباحية المزيفة، أو التضليل الانتخابي، بل على نموذج الإيرادات والفقاعة الاستثمارية التي نشأت حول القطاع.
وشدد المؤلف على أن أي نقد فعال للذكاء الاصطناعي يجب أن يستهدف المصدر الحقيقي لقوته، والمتمثل في رؤوس الأموال الاستثمارية الضخمة التي تتدفق إليه، نقلا عن صحيفة "الجارديان".
الذكاء الاصطناعي وجيل زد
واستند دكتورو إلى دراسات حديثة أظهرت أن 90% من المستهلكين يصبحون أقل ميلا لاستخدام منتج ما إذا جرى تسويقه بوصفه مدعوما بالذكاء الاصطناعي، وأن 95% من المشاريع التجريبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في الشركات تنتهي إلى الفشل.
كما أشار إلى أن العديد من المؤسسات اضطرت إلى إعادة توظيف عاملين كانت قد استبدلتهم بروبوتات محادثة أثبتت عدم كفاءتها.
وأضاف أن استطلاعا للرأي أجرته شبكة "إن بي سي" أظهر أن الذكاء الاصطناعي يحظى بين أبناء "الجيل زد" بمعدل قبول سلبي بلغ 44 نقطة، ومن ثم قال إن شركات التكنولوجيا تسعى إلى إقناع القطاع المالي الأمريكي وأسواق المال والمستثمرين والمؤسسات المالية الكبرى بأن الجمهور يحب الذكاء الاصطناعي، وهو هدف مختلف تماما عن إقناع الجمهور نفسه بذلك.
وفي ختام الكتاب، حذر دكتورو من أن انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، إذا حدث، قد تكون له تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، خاصة أن سبع شركات تكنولوجيا كبرى فقط تمثل نحو ثلث القيمة الإجمالية لسوق الأسهم الأمريكية.
ورأى أن انهيار هذه الفقاعة قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية توازي في تأثيرها أزمتي عامي 2008 و2020.
وخلص المؤلف إلى أن قصة الذكاء الاصطناعي ليست قصة تقنية سيئة بطبيعتها، بل قصة تكنولوجيا واعدة جرى طرحها بأكثر الطرق تهورا وخدمة للمصالح الخاصة، على يد جهات تسعى إلى تعظيم مكاسبها المالية، ولذلك، فإن الغضب -بحسب رأيه- ينبغي أن يوجه إلى من يديرون هذه التكنولوجيا لا إلى الآلات نفسها.