من عجينة السكر إلى شخصيات ديزني.. مراحل نشأة وتطوير صناعة عروس المولد
آخر تحديث: الخميس 27 أغسطس 2026 - 11:47 ص بتوقيت القاهرة
سلمى محمد مراد
احتفل المسلمون بالمولد النبوي الشريف، وما زالت الشوارع والمنازل تتزين بالحلوى، ومنها العروس المزينة بالألوان والزخارف والحصان الذي يقف بجوارها، ويتهادى بها الأقارب والأهل والجيران في أجواء من البهجة والترحاب.
ويحصل العاملون في المصالح الحكومية والخاصة على إجازة رسمية مدفوعة الأجر، اليوم الخميس، فيما تحاول الأسر استغلال تلك المناسبة الاجتماعية للتذكير بالعادات والتقاليد في ظل عدم وعي كثيرين بأنها ليست مجرد حلوى موسمية أو لعبة أطفال.
من أين بدأت الحكاية؟
قالت رانيا هلال، الكاتبة والباحثة في التراث الثقافي، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن حلوى المولد تعتبر من الرموز الحاضرة في الذاكرة المصرية التي ما زالت حاضرة ومرتبطة بالاحتفال والهوية والطقوس الاجتماعية رغم تغير شكلها بمرور الزمن، وتحمل تاريخًا أطول وأكثر تعقيدًا من ذلك، فالشكل تحول على مدار الزمن من رموز مرتبطة بالاحتفال إلى جزء من الذاكرة الشعبية المصرية.
وأوضحت أنه لا توجد وثيقة تاريخية قاطعة تحدد العام الذي ظهرت فيه عروس وحصان المولد بالشكل المعروف حاليًا، لكن تتفق الروايات التاريخية على أن الاحتفال بالمولد النبوي في مصر ارتبط بالعصر الفاطمي، وتحديدًا بعد اتخاذ القاهرة عاصمة للخلافة الفاطمية في عهد المعز لدين الله الفاطمي، حيث أشار المؤرخ المقريزي في كتابه المعروف باسم "الخطط المقريزية" إلى اهتمام الفاطميين بإقامة عدد من الاحتفالات والمواسم الدينية.
وتابعت أنه لا توجد وثيقة تاريخية حاسمة تحدد البداية بدقة، وتوجد رواية شعبية شائعة تربط ظهور العروس والحصان بعهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، مضيفة أنه كان يخرج في أحد احتفالات المولد النبوي برفقة إحدى زوجاته، وكانت تظهر في الموكب مرتدية ثوبًا أبيض وتاجًا من الورود، بينما يظهر الخليفة على حصانه حاملًا راية.
واستوحى صناع الحلوى شكل العروس من زوجة الحاكم، والحصان من الخليفة الفارس، وصنعوهما في قوالب من الحلوى للتودد إلى الحاكم والترويج لصناعتهم، بحسب هذه الرواية.
لكن الباحثة، تؤكد أنه لا يمكن التعامل مع هذه الرواية باعتبارها حقيقة تاريخية نهائية، لأنها متناقلة في التراث الشعبي وليست موثقة في نص تاريخي بعينه.
لماذا عروس وحصان؟
وأشارت الباحثة، إلى أن اختيار العروس والحصان يجمع أكثر من معنى في الخيال الشعبي المصري، فالعروس ارتبطت بالفرح والزينة والزواج، بينما ارتبط الحصان بالقوة والفروسية والرفعة والشموخ، كما تتشكل ثنائية تجمع بين القوة والجمال، والأنوثة والذكورة، والفرح والفروسية عندما يوضع الشكلان جنبًا إلى جنب، ولهذه الثنائية جذور أقدم في الثقافة المصرية، حيث تظهر في الفن المصري القديم صور تجمع الرجل والمرأة في تكوينات تعكس القوة والسند والتكامل بينهما.
ولفتت إلى أن الحصان يحمل نفسه رمزية قديمة مرتبطة بالفارس والانتصار والاستعداد للدفاع، وتحمل العروس دلالات مرتبطة بالبهجة والزواج والجمال؛ لذا يعتبر الشكل علامة بصرية تختصر مجموعة من المعاني التي يفهمها المجتمع بصورة تلقائية.
وأوضحت الباحثة، أن الأطعمة والأشكال التي ترتبط بالمواسم المختلفة والاحتفالات الشعبية تحمل في كثير من الأحيان دلالات اجتماعية أو دينية أو رمزية، وتنتقل من جيل إلى آخر حتى تصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية، فالمصري لا يكتفي بالطقوس وحدها، ويربطها بالحلوى والمأكولات التي تصبح مع الوقت جزءًا من هويته، مثل كحك العيد الذي ارتبط بعيد الفطر، والبليلة التي ارتبطت بعاشوراء، وحلاوة المولد أصبحت مرتبطة بموسم المولد النبوي كذلك، ولهذا لم ترتبط عروسة المولد بكونها مجرد قطعة حلوى، وارتبطت أيضًا بفكرة الهدية خصوصًا في سياق الزواج والخطوبة، وأصبحت جزءًا من طقوس الاحتفال والفرح.
من عجينة السكر إلى شخصيات ديزني
وتطورت الخامات والأشكال المستخدمة في صناعة شكل عروس وحصان المولد على مدار الزمن، بعد أن "اعتدنا عليها تعتمد على عجينة السكر، وظهرت مواد وأدوات مختلفة مثل الورق الملون والكريشة والأسلاك المعدنية والخشب والبلاستيك"، بحسب ما ذكرت الباحثة.
وأضافت: "ظهرت ورش متخصصة تنتج العروسة والحصان بأشكال وخامات مختلفة، بعضها مخصص للأكل وبعضها للزينة والاحتفاظ به، لكن التغير الأبرز ما حدث في الشكل نفسه، فالعروس التقليدية التي ارتبطت بالفستان المزخرف والتاج بدأت في السنوات الأخيرة تفسح المجال لأشكال مستوحاة من شخصيات كرتونية عالمية، مثل سنو وايت ورابونزل وغيرهما".
لكن تحذر الباحثة، من هذا التطور الذي يطول الهوية ويغير الفكرة الأصلية ويفرغها من مضمونها، موضحة أنه يمكن تطوير الخامات والأشكال وطرق تقديم التراث، لكن بشرط ألا ينقطع الرابط بين الرمز وأصله، وذلك لأن العروس التقليدية تحمل في شكلها إشارات بصرية مرتبطة بالتراث المصري والاحتفال بالمولد، بينما عند استبدالها بشخصية كرتونية عالمية أجنبية، فإنه في هذه الحالة سيتعرف عليها الطفل من خلال أفلامها وقصتها، وليس من خلال المناسبة الدينية أو التراث الشعبي المصري، وبالتالي قد تتحول العروسة بالنسبة إليه من رمز مرتبط بالمولد إلى مجرد لعبة أو شخصية كرتونية يعرفها مسبقًا.
كما ترى أنه من الأفضل أن يقتصر التطوير على تغيير الخامات والألوان والتفاصيل، بجانب الحفاظ على الهوية البصرية الأساسية للعروسة والحصان، وتعريف الأطفال بقصتهما ومكانتهما في الذاكرة الشعبية.
ماذا لو اختفت عروس وحصان المولد؟
وأكدت أن اختفاء عروسة وحصان المولد من الأسواق بعد عقود يعني فقدان أكثر من منتج موسمي، والأمر ليس مجرد فقدان قطعة حلوى وشكل من أشكال الزينة، كما أن أول ما يمكن أن نفقده هو رمز بصري مميز من رموز الاحتفال في مصر، إضافة إلى حلقة من حلقات التواصل بين الأجيال.
واستشهدت بأن الأغاني الشعبية نفسها وثقت حضور العروس والحصان في الذاكرة، ومن بينها أغنية "حلاوة زمان عروسة وحصان" للمطرب محمد قنديل، التي تحولت بمرور الوقت إلى جزء من الذاكرة السمعية المرتبطة بهذه الرموز، وتمثل العروس والحصان توثيقًا من نوع آخر، وهو توثيق مادي لطقس اجتماعي تتناقله الأجيال، وتصبح الأشياء من خلاله وسيلة لاستدعاء الذكريات والحكايات.
وأضافت أن صناعة العروسة والحصان ترتبط أيضًا بحرف وورش يعمل بها صناع توارثوا المهنة عبر الأجيال، حيث يمكن أن تتراجع هذه الحرف تدريجيًا مع انخفاض الطلب عليها، كما حدث مع حرف تقليدية أخرى اختفت أو تراجعت نتيجة ضعف الاهتمام بها.
واختتمت أن اختفاء العروس والحصان كذلك يعني فقدان طقس اجتماعي يجمع أفراد الأسرة حول مناسبة واحدة، وخاصة في هذا الوقت الذي زادت فيه أهمية الطقوس الاجتماعية كوسيلة لمواجهة الفردانية التي أوجدها وزاد منها التطور التكنولوجي، وللحفاظ على مساحة من المشاركة بين أفراد الأسرة والمجتمع، ومحاولة الحفاظ على طقس اجتماعي يصل الماضي بالحاضر.