رسوم البيليت تختبر قدرة صناعة الصلب المصرية على مواجهة فائض العالم

آخر تحديث: الخميس 27 أغسطس 2026 - 5:48 م بتوقيت القاهرة

- رسوم حماية 13% في مواجهة فائض عالمي قياسي ودعم صيني متزايد.. وطاقة إنتاجية محلية تتجاوز احتياجات السوق


تحولت رسوم الحماية المفروضة على واردات البيليت إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل صناعة الحديد والصلب المصرية، بعدما انقسمت الصناعة بين مصانع متكاملة وشبه متكاملة ترى في الرسوم أداة لحماية قاعدة الإنتاج المحلية، ومصانع درفلة تعتبرها عبئًا يرفع تكلفة مدخلات الإنتاج ويضعف قدرتها على المنافسة.

وتقدمت المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة بشكوى بشأن الأضرار الناتجة عن تدفق واردات البيليت منخفضة الأسعار، مطالبة بفرض رسم وقائي قدره 25%. وأجرى قطاع المعالجات التجارية بوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تحقيقًا مبدئيًا انتهى إلى التوصية برسم مؤقت قدره 16%، قبل أن يحدد القرار النهائي الصادر في 31 مارس 2026 الرسم عند 13%.

لكن الجدل تجاوز نسبة الرسم ذاتها، ليطرح سؤالًا أكبر: هل ينبغي النظر إلى البيليت باعتباره مجرد خامة مستوردة أرخص، أم باعتباره جزءًا من صناعة استراتيجية تواجه أزمة فائض إنتاج عالمية غير مسبوقة؟

فائض عالمي قياسي.. والصين في قلب الأزمة

تأتي المعركة المصرية في وقت تواجه فيه صناعة الصلب العالمية فائضًا ضخمًا في الطاقة الإنتاجية. ووفق أحدث تقارير OECD Steel Outlook 2026، ارتفع فائض الطاقة الإنتاجية العالمية للصلب إلى 640 مليون طن في 2025، مقارنة بـ522 مليون طن في 2019، ومن المتوقع أن يصل إلى 745 مليون طن بحلول 2028، بينما لا يتوقع أن ينمو الطلب العالمي سوى بنحو 0.9% سنويًا حتى 2030.

وتبرز الصين في قلب هذه الأزمة، لانها من اكبر مصدري البيليت لمصر إذ ارتفعت حصتها من فجوة الطاقة بين الإنتاج والطلب عالميًا إلى 54% في الربع الثالث من 2025، مع دفع ضعف الطلب المحلي المنتجين الصينيين إلى زيادة صادراتهم.

وسجلت صادرات الصين من الصلب مستوى قياسيًا بلغ 131 مليون طن في 2025، بزيادة 153% مقارنة بعام 2020، بما يعادل نحو 14% من إنتاجها من الصلب الخام، كما تجاوزت صادراتها إجمالي إنتاج الاتحاد الأوروبي من الصلب.

ولا تتعلق الأزمة بفائض الطاقة فقط، إذ تشير OECD إلى أن متوسط شركة الصلب الصينية حصل في 2024 على دعم حكومي، محسوبًا بالنسبة إلى حجم أصولها، يعادل 15 ضعف ما حصلت عليه الشركة الوسيطة في الاقتصادات الأخرى، بينما اقترب معدل الدعم الصيني من الضعف منذ 2019.

وفي 2025، رصدت المنظمة 59 برنامج دعم جديدًا على مستوى المقاطعات والبلديات الصينية، شملت منحًا وتمويلًا تفضيليًا، وربطت بعض البرامج الدعم بحجم الإنتاج أو أداء المبيعات، بما يخفض التكلفة الهامشية للإنتاج ويؤجل خروج المنشآت الأقل كفاءة من السوق.

البيليت.. خام أم منتج شبه نهائي؟

تتمسك مصانع الدرفلة بأن البيليت مادة خام، وأن فرض رسوم عليه يرفع تكلفة مدخل أساسي للإنتاج.

لكن البيليت هو منتج صلب شبه نهائي ينتج بعد مراحل الاختزال والصهر والصب، وقبل دخوله مرحلة الدرفلة النهائية لإنتاج حديد التسليح.

وتقترب أسعار البيليت في الأسواق العالمية من أسعار حديد التسليح، إذ تتراوح نسبة سعر البيليت إلى سعر حديد التسليح بين 89% و94% في عدد من الأسواق الرئيسية.

ومن ثم، فإن القضية لا تتعلق ببساطة بخامة رخيصة مقابل خامة غالية، وإنما باختيار بين استيراد منتج شبه نهائي وتعميق التصنيع المحلي والإبقاء على مراحل أكبر من سلسلة القيمة داخل الاقتصاد المصري.

طاقة محلية تتجاوز الاحتياجات

بحسب البيانات المقدمة من المصانع الشاكية، بلغ إنتاج مصر من حديد التسليح في 2025 نحو 8.4 مليون طن، منها 6.6 مليون طن للاستهلاك المحلي والباقي للتصدير، وهو ما يتطلب قرابة 8.8 مليون طن من البيليت.

في المقابل، تصل الطاقات الإنتاجية المتاحة لإنتاج البيليت محليًا إلى نحو 13.7 مليون طن، موزعة بواقع 8.7 مليون طن لدى المصانع المتكاملة، و2.4 مليون طن لدى المصانع شبه المتكاملة، و2.6 مليون طن لدى مصانع الحث الذاتي التي قامت بتوفيق أوضاعها.

أي أن الطاقة المحلية تتجاوز الاحتياجات المقدرة بنحو 5 ملايين طن، أو ما يقرب من 42%.

كما توفر المصانع الكبرى، وعلى رأسها حديد عز، نحو 60 ألف طن من البيليت شهريًا لمصانع الدرفلة لسد الجزء الأكبر من احتياجاتها.

وسبق أن عرضت وزارة الصناعة على مصانع الدرفلة، قبل عامين، رخصًا لإنتاج 3.7 مليون طن من البيليت، لكن لم يتقدم إليها أحد، وهو ما تراه المصانع المتكاملة مؤشرًا على عدم جدية تلك المصانع في خوض عملية إنتاجية متكاملة.

ويرى علاء أبو الخير، رئيس غرفة الصناعات المعدنية، أن القضاء على العشوائيات في قطاع التشييد والبناء وفتح الباب للبناء في عواصم المدن والقرى وفق القوانين واللوائح والأحوزة العمرانية يمكن أن يحقق طفرة في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح بين 1.5% و2%، كما يسهم في استغلال الطاقات الحالية في صناعات عدة، منها البناء والسلع المنزلية المعمرة والمفروشات ، ادوات الكهرباء والأجهزة الكهربائية وغيرها .

مليار دولار فاتورة استيراد

استوردت مصر نحو 1.6 مليون طن من البيليت خلال 2024 بقيمة تقارب مليار دولار.

وبالتالي، فإن انخفاض سعر البيليت المستورد بالنسبة لمصنع الدرفلة يعني في المقابل دفع قيمة المنتج بالعملة الأجنبية. وتصبح المفاضلة بين استيراد منتج شبه نهائي، أو تشغيل طاقات إنتاجية محلية وتعميق القيمة المضافة داخل الاقتصاد.

ولا يعني ذلك أن الاستيراد يجب أن يتوقف في جميع الأحوال، إذ قد يكون ضروريًا عندما تكون الطاقة المحلية غير كافية أو الأسعار المحلية غير تنافسية. لكن مع وجود طاقات محلية تفوق الاحتياجات، يصبح السؤال: ما سبب استمرار الاستيراد وبأي سعر؟

هل الـ13% مرتفعة عالميًا؟

رسوم الوقاية هي إحدى أدوات منظمة التجارة العالمية لدرء الضرر الناتج عن الممارسات التجارية الضارة، وتصحيح أسعار الاستيراد لتتواكب مع التكلفة الطبيعية للمنتج، وفق ما تراه الصناعة.

وتشير البيانات إلى معدلات حمائية أعلى أو قريبة من المعدل المصري في عدد من الأسواق؛ إذ تفرض الولايات المتحدة 50% رسومًا حمائية على واردات الصلب بما فيها البيليت، وباكستان 35% رسومًا إجمالية، وكندا 25%، وتونس 30%، وتركيا 17%، وأنجولا 20%، مقابل 13% في مصر.

أما السعودية، فتبلغ الرسوم الجمركية الثابتة على البيليت في حدود 12%، لكن مقارنة القدرة التنافسية لا تتوقف عند الرسوم، في ظل اختلاف أسعار الغاز وتكلفة التمويل وأسعار الفائدة.

المنافسة أم الإغراق؟

ترى مصانع الدرفلة أن الرسوم ترفع تكلفة مدخلاتها، بينما ترى المصانع الشاكية أن المشكلة ليست في المنافسة السعرية الطبيعية، وإنما في واردات منخفضة السعر تأتي إلى سوق تعاني أصلًا من فائض عالمي ضخم.

كما أن استيراد البيليت ثم درفلته في مصر يعني، وفق قواعد المنشأ الواردة في المادة، أن المنتج لا يكتسب صفة «صنع في مصر»، بما يمنع تصديره باعتباره منتجًا مصريًا.

ويحذر أحد المتعاملين في سوق الحديد من أن المنافسة لا يجب أن تكون على السعر وحده، خصوصًا في منتج يرتبط بسلامة المنشآت، معتبرًا أن استيراد بيليت مجهول المواصفات قد يضر بسلامة المنشآت في مصر على المدى القصير والمتوسط.

حماية سلسلة إنتاج أم حماية مصنع؟

تؤكد د. عالية المهدي العميد السابق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن صناعة الصلب قطاع استراتيجي لبناء اقتصاد صناعي قوي، وأن حماية الصناعة من طوفان البيليت المستورد تمثل ضرورة، خصوصًا مع وجود فائض طاقة كبير في صناعة الصلب المحلية يقرب من 50%، وإغلاق العديد من الأسواق أمام فائض منتجات الصلب.

في النهاية، لا تتمثل القضية في حماية المصانع المتكاملة على حساب مصانع الدرفلة، ولا في توفير أرخص طن بأي ثمن، وإنما في تحديد النموذج الذي تريده مصر لصناعة الصلب: صناعة تعتمد بصورة أكبر على استيراد المنتجات الوسيطة عندما تكون أسعارها منخفضة، أم صناعة تحتفظ بمراحل أكبر من سلسلة القيمة داخل الاقتصاد.

ويبقى التحدي أمام الدولة هو تحقيق المعادلة الأصعب: حماية الصناعة من المنافسة غير العادلة، وضمان مدخلات تنافسية لمصانع الدرفلة، من دون أن يكون ذلك على حساب تعميق الصناعة المحلية واستنزاف العملة الأجنبية.

فالخيار في جوهره بين مساندة التجارة والاستيراد، أو رفع الضرر عن الصناعة الوطنية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved