كتاب رابسودي لـ أليس أوزوالد.. رحلة بين الكلمة المنطوقة ونداء الطبيعة
آخر تحديث: الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 8:26 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
قدمت الشاعرة البريطانية أليس أوزوالد، في كتابها «رابسودي: بيان»، بحثًا متشعبًا في فن الشعر وتاريخه، انطلقت فيه من تقاليد الكلمة المنطوقة والشعر الشفهي وصولًا إلى الشعر الحديث، قبل أن تختتم عملها بدعوة إلى التحرك دفاعًا عن العالم الطبيعي بوصفه المصدر الحقيقي للشعر ولوجود الإنسان.
ورأت الناقدة فيونا سامبسون، في مراجعتها للكتاب المنشورة بصحيفة «الجارديان» البريطانية، أن «أوزوالد» ليست غريبة عن التفكير علنًا في فنها، إذ شغلت منصب أستاذة الشعر في جامعة أكسفورد حتى عام 2023، كما أن محاضراتها متاحة عبر الإنترنت، إلا أن «رابسودي» يمثل أول كتبها الكاملة، وهو ما يجعل صدوره حدثًا أدبيًا لافتًا.
وأوضحت «سامبسون»، أن الكتاب يصعب وضعه في تصنيف واحد؛ فعلى الرغم من كونه عملًا نثريًا، فإنه يحتوي على قدر كبير من الشعر، بعضه من ترجمة «أوزوالد» أو تأليفها، إلى جانب حضور شعراء مثل وليام شكسبير وجون دون وبيرسي بيش شيلي وتيد هيوز، كما أن الكتاب، رغم انتمائه إلى أدب اللاخيال، يمتلئ بالقصص، ولا سيما إعادة سرد حكايات هوميروس وإسخيلوس.
وأشارت إلى أن الكتاب يوصف بأنه عمل «يتحدى التصنيف»، نظرًا إلى ما يتضمنه من تجريب شكلي، إلا أن جوهره يتمثل في استكشاف تقاليد الشعر الشفهي؛ ما ينسجم مع عنوانه الفرعي «بيان»، الذي رأت «سامبسون» أنه يمنح الكتاب إحساسًا بالحماسة والإلحاح، ويوجهه إلى العالم المعاصر وما يفرضه من واقع ضاغط.
ولفتت إلى أن الفصل الأول يستدعي هوميروس والكلمة المنطوقة باعتبارهما ظاهرة حية، من خلال لقاء «أوزوالد» بأحد الأوكرانيين الذين خضعوا لعملية زراعة قلب، والذي حكى لها قصته، إلى جانب إشارات إلى ديفيد بوي ونات كينج كول، وأغنيات شعبية كتالونية، وكذلك الفنانة العراقية بديعة عبيد، التي وصفها الكتاب بأنها «راوية حكايات من بلاد الرافدين لا تزال تنبض بالحياة».
ورأت «سامبسون»، أن هذه البداية تكتسب أهمية خاصة، لأن بقية الكتاب لا تتضمن عددًا كبيرًا من المقاطع التي تنخرط في حياة أشخاص بعينهم أو تشير إلى رهانات واقعية للشعر في العالم المحيط، وبدلًا من ذلك، انتقلت الفصول التسعة التالية إلى رحلة عبر الشعر، وصفتها «سامبسون» بأنها بالغة الجمال.
وأشادت بقدرة «أوزوالد»، على صياغة العبارات وتحويل صور العالم الطبيعي إلى صور شعرية كاشفة، مشيرة إلى أنها تملأ الكتاب بعبارات لافتة، من بينها وصفها للغابة ليلًا حين «تطلق كل شجرة تصفيقًا من الطيور الخائفة»، ووصفها لانعكاسات الأشياء في الماء بأنها «هدية سائلة».
كما تساءلت «سامبسون»، عن الوجهة التي تقود إليها هذه الرحلة الشعرية، موضحة أن الفصل الأخير قدم سلسلة من التعريفات التاريخية لكلمة «رابسودي»، تبدأ من تعريفها عام 1639 باعتبارها «تعبيرًا ساميًا»، ثم تعريفها عام 1764 بأنها «شيء أدبي متنوع أو غير مترابط»، وصولًا إلى تعريف عام 1880 الذي وصفها بأنها «مقطوعة موسيقية ذات طابع حماسي، لكن في قالب غير محدد».
وشرحت «سامبسون»، أن «الرابسود» في اليونان القديمة كان مؤديًا للشعر الشفهي، وغالبًا ما كان يتنقل من مكان إلى آخر، إلا أن «رابسودي» أوزوالد لم يكتفِ بالتجوال، وإنما يبحث عن اللحظات التي يتجاوز فيها الشعر الموضة والاستعراض والخطابة ليصل إلى جوهره الحقيقي.
ووصفت الناقدة هذا البحث بأنه من أكثر المساعي إثارة للجدل وصعوبة في الإمساك بها، إذ يشعر كل شاعر منذ بداية التاريخ بأنه يمتلك سر الشعر، بينما يظل هذا السر، في الحقيقة، أشبه بالإبرة في كومة قش، وأشارت إلى أن «أوزوالد» وصلت في إحدى لحظات الكتاب إلى هذا السر في المسافة الفاصلة بين سطرين شعريين.
ورأت أن الفكرة ليست عبثية كما قد تبدو، إذ استندت «أوزوالد» إلى قراءتها للسونيتة السابعة والثمانين لشكسبير، ورأت أن جوهر القصيدة يكمن في «النَّفَس الصغير» الذي توحي به نقطة التوقف وانقطاع السطر قبل تغير الإيقاع، وأوضحت «سامبسون» أن «أوزوالد»، التي تتمتع بقدرات استثنائية في إلقاء الشعر وأدائه، تدرك أن وجود الجمهور يخلق شيئًا يتجاوز الكلمات نفسها، وهو ما يفسر، بحسب الناقدة، موقفها المتكرر من الباحثين والأكاديميين.
وأشارت «سامبسون»، في المقابل، إلى أن هؤلاء الباحثين والأكاديميين يحضرون بالفعل في نحو 40 صفحة من الهوامش والملاحظات الختامية، معتبرة أن حضورهم يخلق أحيانًا انطباعًا بأن «أوزوالد» تبدو وكأنها الوحيدة من بين بنات جنسها التي تتحاور مع كبار الرجال في تاريخ الشعر.
ورغم أن «أوزوالد» ضمّنت كتابها قصيدة للشاعرة الأمريكية الراحلة والحاصلة على جائزة نوبل لويز جلوك، رأت «سامبسون» أن حضور الشعراء الأحياء والمعاصرين ظل محدودًا، وتساءلت عما إذا كان ذلك يمثل مشكلة؟ قبل أن تجيب بأن لكل كاتب، في نهاية المطاف، أرضه الخاصة التي يتحرك فيها خياله.
كما رأت أن الأمر قد يكون مهمًا في حالة هذا الكتاب تحديدًا، لأنه إذا لم يتناول الشعر الذي يُكتب في الوقت الراهن، فإن «البيان» الذي تقدمه «أوزوالد» يصبح، بحسب «سامبسون»، بيانًا لا يخص الشعر نفسه، وإنما يخص أداء الأعمال الموجودة بالفعل فحسب.
وانتقدت «سامبسون»، كذلك عودة «أوزوالد» إلى استخدام النهر الجاري بوصفه شكلًا أدبيًا متكررًا لديها، مشيرة إلى أن الشاعرة كانت قد استخدمت هذا التصور في أعمالها الشعرية المبكرة البارزة «دارت» و«نزهة نومًا على نهر سيفرن».
وأوضحت أن كتاب «رابسودي» كشف في صفحاته الأخيرة عن طبيعته بوصفه دعوة إلى التحرك دفاعًا عن العالم الطبيعي، إذ رأت «أوزوالد» أن الطبيعة هي المصدر الحقيقي للشعر، وكذلك مصدر وجود الإنسان الحسي.