انتخابات الكنيست.. ما موقع الأحزاب العربية في خريطة الانتخابات الإسرائيلية؟

آخر تحديث: الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 11:59 ص بتوقيت القاهرة

محمد حسين

يتوجه الناخبون في دولة الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء للتصويت في الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء الكنيست البالغ عدهم 120 عضوا، وسط صراع حاد بين معسكر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وائتلاف المعارضة الذي يتزعمه غادي آيزنكوت، وتشير غالبية استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير بين المعسكرين، مع ترجيح عدم تمكن أي منهما الفوز بــ61 مقعدا وهي الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة.

وفي ذلك، يظهر لاعب مهم في المعادلة السياسية داخل إسرائيل، وهو الأحزاب العربية، والتي تعبر عن كتلة عرب الداخل التي تمثل نحو 20% من المجتمع الإسرائيلي، ما يؤهلها لتحقيق عدد من المقاعد يكون ورقة حاسمة في عملية التفاهمات لتشكيل الحكومة أو إسقاطها، لذا تكون في اعتبار أحزاب المعارضة خاصة لمساعدتها في تجاوز عتبة تشكيل الحكومة.

كيف نشأت الأحزاب العربية في إسرائيل؟

وفقًا لدراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات عام 2016 بعنوان "القوى السياسية العربية بإسرائيل: مكاسب الوحدة ومخاطر التفكك"، ارتبط نشوء الأحزاب العربية وتطورها بالظروف السياسية التي فرضتها إسرائيل على الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدودها بعد نكبة 1948. فبعد تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، بقي نحو 156 ألفًا منهم في أراضيهم، ليُعرفوا لاحقًا باسم "عرب 48". وفي ظل الحكم العسكري الذي فُرض عليهم حتى عام 1966، ظلت مشاركتهم السياسية محدودة، واقتصرت إلى حد كبير على التصويت لقوائم عربية مرتبطة بالأحزاب الصهيونية، أو الانخراط في أحزاب إسرائيلية يسارية، في وقت سعت فيه السياسات الإسرائيلية إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني وإضعاف هويته الوطنية الجامعة.

ومع التحولات التي أعقبت حرب 1967، بدأت تتشكل تدريجيًا تيارات سياسية فلسطينية أكثر استقلالًا، سعت إلى تجاوز التبعية للأحزاب الإسرائيلية وتطوير تمثيل سياسي يعبر عن خصوصية المواطنين العرب وقضاياهم. وشهد عام 1988 محطة بارزة في هذا المسار، حين أسس عبد الوهاب دراوشة الحزب الديمقراطي العربي، بعد انشقاقه عن حزب العمل، ليصبح أول حزب عربي مستقل يخوض انتخابات الكنيست، ويحصل على مقعد واحد في انتخابات العام نفسه.

توالت بعد ذلك خطوات بناء التنظيم الحزبي العربي، مع تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة عزمي بشارة عام 1995، والحركة العربية للتغيير بقيادة أحمد الطيبي عام 1996، إلى جانب تطور الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة الإسلامية. ومنذ ذلك الحين، تبلورت خريطة حزبية عربية متعددة التيارات، تباينت مواقفها من الهوية الوطنية الفلسطينية، وطبيعة المشاركة في المؤسسات الإسرائيلية، وحدود التعاون مع الأحزاب الصهيونية.

تاريخ نتائج انتخابات الكنيست.. صعود وتراجع مقاعد الأحزاب العربية

على امتداد التاريخ، تكشف نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية عن مسار متقلب للتمثيل العربي، تأثر بدرجة توحّد الأحزاب ومعدلات مشاركة الناخبين؛ فبعد أن اقتصرت المشاركة العربية المستقلة على خمسة مقاعد في انتخابات 1988 و1992، ارتفع التمثيل إلى 9 مقاعد عام 1996، ثم 10 مقاعد عام 1999، قبل أن يتراجع إلى ثمانية مقاعد عام 2003، واستقر التمثيل عند عشرة مقاعد أو أكثر في معظم الانتخابات اللاحقة، وصولًا إلى محطة فارقة عام 2015، حين خاضت الأحزاب العربية الانتخابات ضمن "القائمة المشتركة" للمرة الأولى، وحصدت 13 مقعدًا، حسبما نشرت وكالة الانباء الفلسطينية.

وبعد تراجعها إلى عشرة مقاعد في انتخابات أبريل 2019، استعادت القائمة المشتركة هذا العدد في سبتمبر من العام نفسه، ثم حققت أعلى تمثيل عربي في تاريخ الكنيست بحصولها على 15 مقعدًا في انتخابات مارس 2020؛ لكن هذا الإنجاز لم يستمر إذ أدى تفكك القائمة إلى تراجع التمثيل إلى عشرة مقاعد في انتخابات 2021، وظل العدد عند المستوى نفسه في انتخابات 2022، رغم خوض الأحزاب المنافسة عبر ثلاث قوائم، وفشل التجمع الوطني الديمقراطي في تجاوز نسبة الحسم.

ماهو الوزن العربي في الانتخابات الإسرائيلية؟

يمثّل تصويت الفلسطينيين في إسرائيل عاملًا مؤثرًا في انتخابات الكنيست الـ26، المقررة غدًا الثلاثاء، إذ إن ارتفاع نسبة المشاركة في المجتمع العربي وزيادة تمثيل القوائم العربية قد يضيّقان فرص بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة بالاعتماد على شركائه الحاليين في الائتلاف.

وفي المقابل، قد يحول ارتفاع التمثيل العربي دون تمكّن المعسكر المعارض لنتنياهو من تأمين الأغلبية المطلوبة، البالغة 61 مقعدًا من أصل 120، لتشكيل حكومة بديلة.

وبذلك، لا تقتصر أهمية التصويت العربي على تأثيره في فرص نتنياهو في الاحتفاظ بالحكم، بل تمتد إلى حسابات المعارضة وقدرتها على تشكيل ائتلاف حكومي.

ووفقًا لدراسة الباحث مهند مصطفى، المنشورة في مركز الجزيرة للدراسات بعنوان "الفلسطينيون في إسرائيل وانتخابات الكنيست الـ26 (2026)"، يبلغ عدد الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل نحو 1.65 مليون نسمة، بما يعادل قرابة 17% من السكان، فيما تُقدَّر نسبتهم بنحو 16% من إجمالي أصحاب حق الاقتراع.

ويعني ذلك أن الوزن الانتخابي النظري للفلسطينيين يمكن أن يصل إلى نحو 18 مقعدًا في الكنيست، إذا تراوحت نسبة مشاركتهم بين 90% و100%، وصوّت جميع المشاركين منهم للقوائم العربية غير أن هذا الرقم يظل تقديرًا افتراضيًا، إذ يتوقف التمثيل الفعلي على نسبة المشاركة، وتوزيع الأصوات بين القوائم العربية وغيرها، وقدرة القوائم على تجاوز نسبة الحسم.

ونقلت صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية عن يوسف مقلدة، الرئيس التنفيذي لمعهد "ستات نت" لاستطلاعات الرأي والمتخصص في استطلاعات المجتمع العربي، توقعه أن تتراوح نسبة المشاركة العربية في الانتخابات الحالية بين 68% و69%، مقارنة بنحو 45% في انتخابات 2021 و53% في انتخابات 2022.

وتكمن مفارقة التصويت العربي في أنه كلما ارتفع عدد المقاعد التي تحصدها القوائم العربية، ازدادت صعوبة تشكيل غادي آيزنكوت حكومة من دون دعمها، رغم رفضه إشراكها في الائتلاف الحكومي. ويربط مقلدة توقعاته بزيادة رغبة الناخبين العرب في تغيير حكومة بنيامين نتنياهو، والاحتجاج على تصاعد الجريمة والعنف في البلدات العربية، إلى جانب الاعتراض على سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وفي حال تحققت هذه التقديرات، قد تحصل القوائم العربية مجتمعة على ما بين 15 و16 مقعدًا، بما يعزز ثقلها في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.

لماذا لا يتحمس العرب للتصويت في الانتخابات الإسرائيلية؟

ويعود انخفاض نسبة إقبال الناخبين العرب على التصويت إلى اعتقاد شريحة كبيرة منهم بأن تحديد الحزب الذي سيشكل الحكومة لا يُحدث فارقًا ملموسًا في أوضاعهم؛ ففي استطلاع "الصوت الإسرائيلي" الذي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية عام 2025، وافق 48% من المستطلعين العرب على عبارة "مهما كان من تنتخب، فلن يتغير الوضع".

ورغم أن الناخبين العرب توجهوا بأعداد كبيرة إلى صناديق الاقتراع في انتخابات مارس 2020 بهدف منع بنيامين نتنياهو من تشكيل الحكومة، فإن تشكيل حكومة وحدة وطنية بين نتنياهو وبني جانتس، ثم حكومة التغيير بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، عزز لدى قطاعات منهم الاعتقاد بأن تغيير هوية رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسات تجاههم.

الأحزاب العربية في حسابات المعارضة الإسرائيلية

تكشف تصريحات قادة معسكر المعارضة الإسرائيلية عن تباين في المواقف بشأن دور الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة المقبلة؛ إذ أعلن جادي آيزنكوت، رئيس حزب "يشار" والمنافس الأبرز لنتنياهو، أن حكومته المقبلة لن تضم أي حزب عربي، وفقًا لوكالة الأناضول.

كما أكد أفيجدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، ضرورة تشكيل الحكومة المقبلة من أحزاب صهيونية فقط، رافضًا في الوقت نفسه تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم الأحزاب العربية من الخارج، بحسب صحيفة "جيروزاليم بوست".

في المقابل، تبنى يائير جولان، رئيس حزب "الديمقراطيين"، موقفًا مغايرًا، إذ وصف مشاركة حزب عربي في الحكومة بأنها "طبيعية وصحيحة ومناسبة وديمقراطية"، وفقًا لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

وفيما يتعلق بمواقف قادة الأحزاب العربية، أكد يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، وأحمد الطيبي، رئيس كتلة الجبهة والعربية للتغيير، وسامي أبو شحادة، رئيس التجمع الوطني الديمقراطي، عزمهم العمل على إسقاط حكومة بنيامين نتنياهو، داعين إلى رفع نسبة التصويت العربي لتعزيز فرص تشكيل حكومة بديلة، وفقًا لما نقلته وكالة الأناضول .

وأكد الطيبي استعداد القائمة المشتركة لدعم حكومة بديلة من خارج الائتلاف، مع التمسك بمطالب تتعلق بمكافحة الجريمة وهدم المنازل والتمييز ضد المواطنين العرب.

في المقابل، أبدى منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة "رعام"، انفتاحًا على المشاركة في الحكومة المقبلة أو دعمها من الخارج، معتبرًا أن نتائج الانتخابات والحسابات البرلمانية ستحدد فرص التعاون مع معسكر المعارضة، بحسب تقرير لوكالة رويترز نقلته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved