المشهد الطبيعي المتوحش.. كتاب جديد يتناول علاقة الإنسان بالبرية من الصحارى إلى أعماق المحيطات
آخر تحديث: الخميس 28 مايو 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
- الكتاب رحلة شاملة في عوالم الطبيعة والحيوان
تناول كتاب "المشهد الطبيعي المتوحش"، للكاتبة والصحفية الاسكتلندية كال فلين، رحلة طويلة خاضتها الكاتبة بنفسها في أكثر مناطق العالم عُزلة وقسوة، في محاولة لفهم معنى الحياة البرية، وكيف تشكلت الفكرة الإنسانية عن الطبيعة المتوحشة عبر التاريخ والثقافات المختلفة.
وأوضحت الكاتبة أن الكتاب لا يقتصر على استكشاف الأماكن النائية، بل يحاول أيضا تفكيك التصورات الرومانسية المرتبطة بالطبيعة البِكر، مؤكدة أن الأماكن التي تبدو خالية أو مهجورة ليست فارغة في الحقيقة، وإنما تعج بأشكال الحياة البشرية وغير البشرية.
وبدأت فلين كتابها بوصف مشهد في أعماق المحيط قبالة سواحل كاليفورنيا، حيث توجد تجمعات هائلة من أخطبوطات صغيرة بنفسجية تُعرف باسم "أخطبوط اللؤلؤ"، وأشارت إلى أن هذه الكائنات تتجمع حول ينابيع حرارية في قاع البحر تساعد على تدفئة بيضها وتسريع عملية الفقس، موضحة أن وجود مثل هذه العوالم الخفية يثير لديها شعورا بالدهشة والسكينة، ويدفعها للتساؤل عن عدد العوالم الأخرى التي ما تزال مجهولة للبشر.
كيف ينظر الإنسان إلى مفهوم الحياة البرية؟
وأكدت الكاتبة أن قاع المحيط ليس سوى محطة واحدة في رحلتها، التي تمتد من البراكين والجبال الجليدية إلى الصحارى والغابات، موضحة أن الكتاب يمثل أيضا رحلة داخل النفس البشرية، ومحاولة لفهم الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى مفهوم الحياة البرية.
وأفادت فلين بأن الانجذاب إلى الأماكن البرية ليس حكرا على ثقافة بعينها، مشيرة إلى أن الملاحم السومرية القديمة يمكن قراءتها بوصفها رحلات نحو البرية، حيث يواجه الأبطال المنفيون الأخطار والاختبارات في المناطق النائية.
كما لفتت إلى أن شعب توراجا في إندونيسيا يمارس طقسا سنويا يركض خلاله المشاركون إلى الغابة ليلا بهدف الاندماج مع الطبيعة المتوحشة.
وقالت الكاتبة إنها شخصيا تجد في الأماكن البرية نوعا من العزاء والعلاج النفسي المجاني، مشيرة إلى أنها لجأت إلى الجبال بعد وفاة والدها، حيث شعرت بما وصفته بـ "ترقق الحاجز" بين عالم الإنسان وعالم الحيوان والجماد، وكأن الطبيعة تمنح الإنسان شعورا مؤقتا بالاتصال بكل ما يحيط به.
ورغم هذا الاحتفاء بالطبيعة، شددت فلين على أن فكرة الحياة البرية النقية غير الممسوسة ليست سوى وهم صنعه البشر، مؤكدة أن الكتاب يحاول باستمرار تقويض التصورات التقليدية عن النقاء والعُزلة والطبيعة البكر.
وفي هذا السياق، استعرضت الكاتبة زيارتها إلى دير الأنبا بولا في الصحراء الشرقية بمصر، حيث التقت راهبا قبطيا كرَس حياته للعُزلة والصلاة، لكنه في الوقت نفسه كان يستخدم هاتفه الذكي باستمرار، في مفارقة رأت أنها تكشف استحالة الفصل الكامل بين الإنسان الحديث والعالم المعاصر.
مناطق لم يمسسها بشر
كما تحدثت فلين عن رحلتها إلى القارة القطبية الجنوبية، حيث شاهدت الجبال الجليدية وهي تنهار في مشهد وصفته بأنه مهيب وصامت، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى المخلفات التي يتركها السياح والباحثون في تلك المنطقة، لافتة إلى أن بعض الدراسات تشير إلى أن 31% فقط من أراضي القارة القطبية الجنوبية يمكن اعتبارها مناطق لم يمسسها البشر.
وفي ترانسيلفانيا، التي تضم أكبر تجمع للدببة البنية في أوروبا، تناولت الكاتبة العلاقة المعقدة والعنيفة أحيانا بين البشر والحياة البرية، وأوضحت أن الدببة والذئاب كانت تعيش بسلام نسبي قبل تدمير موائلها الطبيعية خلال العصور الوسطى، ما دفعها للاحتكاك المباشر بالبشر.
وانتقدت الكاتبة التعريف التقليدي لمفهوم الحياة البرية الوارد في قانون البرية الأمريكي لعام 1964، والذي يصفها بأنها منطقة لا يسيطر عليها الإنسان ويظل فيها مجرد زائر عابر، معتبرة أن هذا التصور مضلل وخطير، لأنه تجاهل وجود الشعوب الأصلية التي عاشت لقرون داخل تلك البيئات.
وأوضحت فلين أن كثيرا من السكان الأصليين تعرضوا للطرد أو التهميش باسم حماية الطبيعة والحفاظ عليها، بينما استُخدمت شعارات الحفاظ البيئي أحيانا لخدمة مصالح اقتصادية وشركات استخراج الموارد كما ورد عبر صحيفة "الجارديان".
وفي الغابات المطيرة بالبرازيل، زارت الكاتبة شعب اليانومامي، الذي سبق أن وصفه عالم الأنثروبولوجيا نابليون شانيون بأنه نموذج لـ "الهمج النبلاء"، إلا أن فلين أوضحت أن الواقع أكثر تعقيدا من هذه الصور الرومانسية، مشيرة إلى أن أفراد القبيلة طلبوا منها في البداية تبرعا بمنشار كهربائي، في مشهد اعتبرته تفكيكا عمليا للخيالات الغربية عن الطبيعة البدائية الصرفة لتلك الشعوب.
ورأت الكاتبة أن المكان الوحيد الذي قد يقترب فعلا من مفهوم "البرية غير المأهولة" هو الصخور المنصهرة والحمم البركانية، بسبب استحالة استقرار البشر فيها، وخلال وجودها في آيسلندا، تابعت ثورانا بركانيا ووصفت الحمم وهي تتدفق ببطء من الشقوق، مشبهة إياها بطبقات كريمة كثيفة تتشقق لتكشف لونا برتقاليا مشتعلا تحتها.
كما استحضرت فلين فيلم "نار الحب" للمخرجة سارا دوسا، الذي يروي قصة عالِمَي البراكين كاتيا كرافت وموريس كرافت، مشيرة إلى أن انجذاب البشر نحو البراكين والأماكن الخطرة قد يرتبط بنوع من التوق إلى الاقتراب من الموت.
الوحشية المتحضرة تهمش السكان الأصليين
وتطرقت الكاتبة كذلك إلى كتاب "حضارة متوحشة" لعالم الأنثروبولوجيا توم هاريسون، الذي تناول جزر فانواتو، موضحة أن هاريسون لم يعتبر السكان المحليين المشكلة الحقيقية، بل رأى أن المستوطنين الأوروبيين والمبشرين كانوا أكثر "وحشية" في تعاملهم مع المجتمعات المحلية.
وفي السياق نفسه، أشارت فلين إلى أمثلة حديثة لما وصفته بـ "الوحشية المتحضرة"، مثل شركات التعدين التي تسعى لاستخراج المعادن من قاع المحيطات، أو بعض جماعات الحفاظ البيئي التي تهمش السكان المحليين باسم حماية الطبيعة، إضافة إلى الأثرياء الذين يدفعون مبالغ طائلة لصيد الأسود ووحيد القرن والفهود.
وفي ختام الكتاب، أوضحت فلين أنها ترى في ثقافات السكان الأصليين مصدر إلهام مهم لفهم علاقة أكثر توازنا مع الطبيعة، واستشهدت برحلتها إلى منطقة دولبو في نيبال، حيث يعيش شعب البون وسط بيئة قاسية، لكنهم يتعاملون مع الجبال والينابيع والغابات باعتبارها أماكن مقدسة تسكنها الأرواح، لا مجرد موارد قابلة للاستغلال.
وأكدت الكاتبة أن هذه المناظر الطبيعية المقدسة تمثل، بشكل أو بآخر، أقدم مشاريع الحفاظ البيئي في العالم، مشددة على أن البشرية تحتاج إلى استعادة الشعور بالرهبة والاحترام تجاه الطبيعة إذا أرادت تجنب المزيد من الدمار البيئي.