كيف تغيّرت تركيا في عهد أردوغان؟.. كتاب جديد يرصد التحولات من شوارع إسطنبول

آخر تحديث: الخميس 28 مايو 2026 - 1:18 م بتوقيت القاهرة

منى غنيم

صدر كتاب للصحفية الأمريكية سوزي هانسن بعنوان «من الحياة نفسها: تركيا وإسطنبول في عصر رجب طيب أردوغان»، حاولت من خلاله دراسة التحولات السياسية والاجتماعية في تركيا في ظل حكم رجب طيب أردوغان، عبر المزج بين السرد التاريخي والتجربة الميدانية في مدينة إسطنبول، وتحديدًا حي كاراجومروك الشعبي، باعتباره نموذجًا مصغرًا يمكن من خلاله قراءة التداخلات المعقدة بين الهجرة الجماعية للاجئين السوريين، وصعود النزعات القومية، وتغيرات الحياة اليومية في المدينة.

وسعت المؤلفة إلى تقديم صورة أعمق لكيفية انعكاس السياسات السلطوية على حياة الناس العاديين، وكيف تعامل السكان مع التحولات السريعة في الدولة والمجتمع، في سياق يتجاوز حدود تركيا ليعكس ملامح أوسع لعصر يشهد تصاعدًا في النزعات الشعبوية وردود الفعل ضد الهجرة حول العالم.

وفي البداية، تحدثت المؤلفة عن حادثة عنف وقعت في حي كاراجومروك، وهو حي شعبي في قلب إسطنبول القديمة، كان معروفًا في السابق بوجود عناصر من المافيا وبانتماءاته اليمينية المتشددة. وأوضحت أنه خلال السنوات الأخيرة شهد الحي تحولًا كبيرًا مع تدفق اللاجئين السوريين، قبل أن تتصاعد التوترات إلى درجة انفجار العنف، حين قرر بعض السكان المحليين أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل وجود المهاجرين، فهاجموا السوريين بالعصي ومضارب البيسبول وحتى السكاكين المستخدمة في تقطيع الأطعمة.

وانطلقت "هانسن" من هذه الواقعة لتبني سردًا أوسع حول سياسات الهجرة الجماعية وردود الفعل القومية المضادة، في سياق تتجاوز دلالاته تركيا ليحمل صدى في أماكن عديدة أخرى. وقالت إنها قدمت عبر صفحات الكتاب تجربتها الخاصة ككاتبة أجنبية عاشت في إسطنبول لأكثر من عقد من الزمان، كمحاولة لفهم كيف يعيش الناس العاديون تجربة الحكم السلطوي في القرن الحادي والعشرين، وكيف تُختبر هذه الحقبة في تفاصيل الحياة اليومية.

وفي الثلث الأول من الكتاب - الذي تربّع على قوائم أمازون للمبيعات هذا الأسبوع - قدمت "هانسن" عرضًا تاريخيًا تقليديًا لتركيا؛ من مشاريع التحديث والعلمانية الكبرى في بدايات الدولة، وصولًا إلى صعود رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم، حيث يُنظر إلى حكمه في كثير من الجوانب باعتباره تراجعًا عن المشروع التأسيسي للدولة التركية.

وبدا عشق الكاتبة لإسطنبول جليًا عبر صفحات الكتاب، إذ استخدمت أسلوبًا دقيقًا ومحببًا، وأظهرت حسًا بصريًا لافتًا، خصوصًا في وصفها للمدينة وضوئها الذي وصفته بـ"البريق الوردي والذهبي". كما أشارت إلى جوانب تاريخية قد لا تحظى بالاهتمام الكافي، وعلى رأسها الهجرة الداخلية، حيث تدفقت أعداد كبيرة من القرويين إلى المدن، وما تبع ذلك من طفرة عمرانية واسعة.

وبلغ الكتاب ذروته حين تقاطع هذا التاريخ مع تجربة "هانسن" الشخصية في تركيا، خصوصًا في تغطيتها لحي كاراجومروك وشخصياته. وذكرت أنه رغم القلق الأوروبي المتزايد تجاه اللاجئين خلال العقد الأخير، فإن تركيا كانت الدولة الأكثر استقبالًا لهم، إذ استوعبت نحو ثلاثة ملايين سوري منذ اندلاع الحرب الأهلية في بلدهم، وفق ما ورد في صحيفة "الجارديان".

وفي كاراجومروك، الذي كان في السابق معقلًا للقومية التركية، بدأت اللافتات العربية تظهر في الشوارع. ومع ذلك، لم تكن الصورة قائمة فقط على التوتر والرفض؛ فقد ساعد بعض الأتراك الوافدين الجدد في بعض المتطلبات البسيطة، مثل تعبئة الاستمارات وفهم الفواتير، كما تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان في البداية عن استقبال السوريين باعتبارهم جزءًا من "أمة إسلامية واحدة".

لكن رغم ذلك، ظهرت مواقف سلبية وأحداث غير مريحة، وقد نجحت الكاتبة في رصد التحولات الصغيرة في نظرة السكان المحليين، مثل الشكوى من رائحة الطعام لدى السوريين، أو من طريقة سيرهم في الشارع، أو اعتبارهم تهديدًا للنساء التركيات، ونقلت تفاصيل الحياة اليومية في كاراجومروك انطلاقًا من جذور الخطاب القومي الذي يمكن ملاحظته خارج تركيا أيضًا.

كما تناولت المؤلفة موضوعات متعددة من الشأن التركي عبر صفحات الكتاب، مثل تآكل المؤسسات المستقلة في تركيا، وخطط بناء كلية جامعية في أنقرة، ومشروع قناة مائية في إسطنبول، وقرار بناء مجموعة معارض في أعقاب زلزال 2023 المدمر.

ومع ذلك، ربما يكشف هذا التعدد في الموضوعات عن حقيقة أعمق وأكثر تعقيدًا، وهي أن ما تتعرض له الديمقراطية في عهد أردوغان من ضغط ممتد يشمل القضاء والتعليم العالي وحتى الفضاء الرقمي، ليس حدثًا يمكن حصره في مكان واحد أو لحظة واحدة، بل هو مسار واسع ومتشعب يصعب تتبعه بالكامل في إطار واحد.

كما طرح الكتاب فكرة أكثر إرباكًا، وهي أن تآكل الديمقراطية قد يحدث تدريجيًا وبصورة غير صاخبة، بينما يستمر الناس في حياتهم اليومية بشكل عادي، وكأن التحولات الكبرى لا تمس واقعهم مباشرة أو لا تُلاحظ بسهولة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved