المحلل السياسي جون لي: الخطر الصيني يدفع دول آسيا للتعايش مع سياسة أمريكا أولا
آخر تحديث: الثلاثاء 28 يوليه 2026 - 10:01 ص بتوقيت القاهرة
واشنطن-د ب أ
رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025 شعار "أمريكا أولا"مما أثار قلقا واسعا بين حلفاء واشنطن سواء في أوروبا أو آسيا. فالرئيس ترامب يتبنى سياسات نفعية، ونهجا أحاديا مع عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته.
وقد استاء حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية من رئيس أمريكي لا يكترث بالتحالفات الممتدة لعقود، وبدأ قادة أوروبا الغربية يكافحون إما لإدارة المخاطر التي يمثلها وجود زعيم معاد في واشنطن، أو يؤجلون أي قرارات صعبة بشأن كيفية احتوائه، على أمل أن يصل إلى الرئاسة الأمريكية في عام 2029 رئيس أكثر ودا تجاه أوروبا.
في المقابل يشعر حلفاء واشنطن الآسيويون وبخاصة اليابان والفلبين وكوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند بالقلق من ترامب.، لكنهم كانوا أقل تشاؤماً بكثير من نظرائهم الأوروبيين. فهم يدركون مخاطر النهج الترامبي، لكنهم يركزون في الوقت نفسه على اغتنام الفرص الفريدة التي تبرز من حالة الاضطراب التي يثيرها الرئيس الأمريكي. فبقبولهم نهج إدارة ترامب "أمريكا أولاً"، يعتقد حلفاء الولايات المتحدة الآسيويون أنهم سيحصلون على مزايا خاصة، مثل ضمانات أمنية أقوى وتعاون أكبر في قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعادن الحيوية.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز يقول جون لي وهو زميل أول في معهد هدسون للأبحاث إن استعداد الحلفاء الآسيويين للعمل مع ترامب وفق شروطه ينبع من شعور بالضعف لا يشعر به الحلفاء الأوروبيون ولا يفهمونه. فحلفاء الولايات المتحدة في آسيا يتعاملون مع تهديد فريد من نوعه من جانب الصين، القوة الاقتصادية العظمى التي تمتلك أقوى جيش في آسيا وتتطلع إلى فرض هيمنتها الإقليمية. ووجود الولايات المتحدة والمظلة الأمنية التي توفرها لحلفائها في آسيا هو الضمانة الوحيدة لهذه الدول ضد الهيمنة الصينية. لذلك فهذه الدول على استعداد لقبول صفقات غير متكافئة من واشنطن لأنهم يدركون أن الهيمنة الصينية أسوأ بكثير من الهيمنة الأمريكية.
في الوقت نفسه تمثل سياسة ترامب "أمريكا أولا" هجوما مباشرا على المشروع الأوروبي لما بعد الحرب العالمية الثانية. يزعم مؤيدو شعار "أمريكا أولا" أن الولايات المتحدة أهدرت أموالها ومواردها التي جمعتها بشق الأنفس من أجل نشر مبادئ ليبرالية وعالمية مثالية، أو كما يقول ترامب، فقد "استغلها" الحلفاء. ووفقا لأصحاب هذا الرأي، أصبحت الولايات المتحدة أضعف وأقل مرونة وأشد انقساما اجتماعيا بسبب رغبة خاطئة في تمويل نظام دولي يفيد الآخرين أكثر مما تستفيد منه. في المقابل يعترف الأوروبيون بأن مؤسسات النظام الدولي الحالي ليست مثالية لكنهم يرفضون مبدأ "أمريكا أولًا"، ويعتقدون أن هذه المؤسسات المعيبة هي ما يمنع العالم من الانزلاق إلى الفوضى.
لكن حلفاء واشنطن الآسيويين أقل قدرة على الدفاع عن أنفسهم مقارنة بحلفائها الأوروبيين. فرغم أن آسيا مركز للتقدم الاقتصادي، تفتقر المنطقة إلى مؤسسات أمنية حقيقية متعددة الأطراف . ولتعظيم نفوذها، أقامت الولايات المتحدة مجموعة من التحالفات الثنائية توفر ضمانات أمنية غامضة، بدلًا من بناء نظام أمني جماعي مماثل لحلف الناتو الذي يجمع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وعلى مدى العقد الماضي، أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون في آسيا آليات لتنسيق الاستراتيجية والسياسة الاقتصادية، بما في ذلك منظمات مثل "الرباعية" التي تضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة. إلا أن "الرباعية" لا تفرض أي التزامات أمنية على الولايات المتحدة أو أعضائها الآخرين من شأنها أن تطمئن حلفاء الولايات المتحدة بشكل كامل.
ويرى الحلفاء الآسيويون، أنه كلما ازدادت قوة الولايات المتحدة واستعدادها لاستخدام القوة العسكرية، تعززت مصداقية الردع الأمريكي وازداد شعورهم بالأمان. ورغم أن الحرب التي يشنها ترامب على إيران أثارت قلق الدول الآسيوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط المستورد من الشرق الأوسط، فإنها شعرت بالقلق نفسه عام ٢٠١٣، عندما تراجع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن تهديده بالرد عسكريا على استخدام الرئيس السوري في ذلك الوقت بشار الأسد للأسلحة الكيميائية ضد معارضيه خلال الحرب الأهلية. كما شعرت تلك الدول بالقلق عندما لم يبذل أوباما جهدا يذكر للتصدي لعسكرة الرئيس الصيني شي جين بينج للجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي رغم تأكيدات شي الشخصية بأنه لن يفعل ذلك.
في الوقت نفسه يتقبل حلفاء واشنطن الآسيويين لفكرة أن استقرارهم مرهون بقوة الولايات المتحدة، التي قد تكون عنيفة أحيانا، في ظل تنامي الهيمنة الصينية في المنطقة. كما ترى هذه الدول أن المؤسسات والأعراف والقيم الدولية التي تروج لها أوروبا الغربية تأتي في المرتبة الثانية بعد القوة وهو ما يراه ترامب ويروج له.
ويرى جون لي الذي عمل مستشارا رفيع للأمن القومي لحكومة أستراليا خلال الفترة من 2016 إلى 2018 أن السؤال المطروح أمام آسيا هو أيهما سيطر على العالم: القوة الأمريكية، وبالتالي قيمها ومعاييرها، أم القوة الصينية، وبالتالي المعايير والقيم الصينية ؟ وهذا المنظور الواقعي لدول آسيا يتوافق بشكل أكبر مع أفكار "أمريكا أولاً" التي تحرك إدارة ترامب، وبالتالي بإمكان الدول الآسيوية التعامل مع نهج ترامب النفعي القائم على تصورات أضيق لمصالح أمريكا دون إعادة صياغة قيمها السياسية، أو تغيير استراتيجياتها، ولا حتى إعادة تشكيل نظرتها للعالم بشكل جذري.
وعندما هدد ترامب أوروبا بفرض رسوم جمركية على واردات بلاده من دول العالم بما فيها الاتحاد الأوروبي، رفض الاتحاد في البداية التفاوض مع الإدارة الأمريكية بشروطها التي كانت لصالح واشنطن بشدة، وهدد الاتحاد واشنطن بإجراءات مضادة من شأنها فرض رسوم تصل إلى 22 مليار دولار على الواردات الأمريكية في قطاعات مثل آلات التصنيع والتكنولوجيا. لكن مع اقتراب حرب تجارية شاملة، توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق في يوليو 2025.
ورغم تشابه الاتفاق الأمريكي الأوروبي مع الاتفاقات الثنائية التي توصلت إليها واشنطن مع آسيا بشأن الرسوم الأمريكية، كان الاختلاف في النهج واضحا. فلم يهدد حلفاء الولايات المتحدة في آسيا باتخاذ إجراءات مضادة أو بتحركات قانونية لانتهاك إدارة ترامب للاتفاقيات أو المعاهدات التجارية القائمة.
ليس هذا فحسب بل إنه حتى قبل الإعلان عن الرسوم الجمركية الأمريكية الشاملة في مطلع أبريل 2025 فيما أطلق عليه ترامب "يوم التحرير"، كان حلفاء الولايات المتحدة الآسيويون يركزون على إبرام صفقات مع الرئيس ترامب بشروط تفيد أمريكا أكثر مما تفيد دولهم، كدليل على الولاء. بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة في آسيا الذين لا يملكون ضمانات أمنية مؤسسية قوية، تُعدّ الاتفاقيات غير المتوازنة ثمن الحماية الأمريكية. بالنسبة للعديد من القادة في آسيا، يعد شعار "أمريكا أولاً" مقبولا طالما أنه لا يعني "أمريكا وحدها".