الشخصية القبطية فى الأدب المصرى لنيفين مسعد.. رحلة ثرية فى تحولات صورة الأقباط بين الأدب والتاريخ والمجتمع

آخر تحديث: الجمعة 28 أغسطس 2026 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

شيماء شناوي

● الكتاب يقدم قراءة فى الأدب بوصفه مرآة للهوية والمجتمع

● تتجلى قيمة الكتاب بوصفه حصيلة بحث طويل ودءوب وعمل استقصائى واسع جمع بين الرواية والقصة والسيرة والتاريخ والدراسة الاجتماعية والمقال الصحفى والمادة الرقمية

يقدم كتاب «الشخصية القبطية فى الأدب المصرى» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والصادر حديثًا عن دار العين للنشر، دراسة تبحث فى حضور الأقباط وتمثيلاتهم فى الأدب المصرى الحديث والمعاصر، متجاوزة القراءة المباشرة للشخصية القبطية إلى أسئلة الهوية والانتماء والاندماج فى المجتمع.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول رئيسية، وتنطلق فكرته من مقالات نشرتها المؤلفة فى أغسطس 1999 بمجلة «الكتب وجهات نظر»، الصادرة عن دار الشروق، قبل أن تتسع المادة وتتحول إلى كتاب يضم دراسة متكاملة ترصد صورة الشخصية القبطية فى الأعمال الأدبية.

ومنذ الصفحات الأولى للكتاب تضع مسعد سؤال الصورة النمطية فى قلب بحثها: هل كرّس الأدب تصورات شائعة عن الشخصية القبطية، تربطها بالمال والأمانة وحسن التدبير، أم قدمها فى صور أكثر تنوعًا وتعقيدًا؟ وللإجابة، تتوقف أمام مؤلفات نجيب محفوظ، ويحيى حقى، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبرى، ونبيل نعوم، ومينا عادل جيد وغيرهم، لتقرأ هذه الشخصيات فى سياقاتها الاجتماعية والأدبية.

ولا تكتفى الدراسة برصد التمثيلات الأدبية، وإنما تناقش أيضًا الإشكالية المرتبطة بمصطلحى «القبطى» و«الأدب القبطى». وتوضح المؤلفة أسباب اختيارها مصطلح «الشخصية القبطية» للدلالة على المسيحيين المصريين بمختلف طوائفهم، انطلاقًا من خصوصية التجربة المصرية مع المسيحية، كما تتوقف أمام الجدل حول مفهوم «الأدب القبطى» وما قد ينطوى عليه من تصنيف دينى للأدب.

وفى هذا السياق، تستعين مسعد بآراء عدد من الكتاب والنقاد، ومنهم مجدى جرجس وسلوى بكر وغيرهم، لتأكيد أن الأدب لا تحدده ديانة كاتبه أو شخصياته، وإنما خصوصية تجربته الفنية والجمالية. كما تفرق بين وحدة الموضوع ووحدة المدرسة الأدبية، مستشهدة بتجارب إدوار الخراط ونعيم صبرى وغبريال زكى غبريال.

وتمتد صفحات الكتاب إلى التحولات التى شهدتها صور الوجود القبطى فى الأدب منذ ثورة يناير 2011 وحتى عام 2025، فى محاولة لرصد ما طرأ على صورة الشخصية القبطية وعلاقتها بأسئلة المجتمع والهوية والانتماء.

وبذلك يفتح كتاب «الشخصية القبطية فى الأدب المصرى» ملفًا يتقاطع فيه الأدبى بالاجتماعى والتاريخى، ويطرح أسئلة تتجاوز حضور الشخصية القبطية فى النص إلى الطريقة التى يصوغ بها الأدب صورة الآخر، ومدى قدرته على تفكيك الصور النمطية بدلًا من إعادة إنتاجها.

ويواصل الكتاب مناقشة الجدل حول مفهوم «الأدب القبطى»، بين اتجاه يرفض تصنيف الأدب على أساس دينى لما قد ينطوى عليه من طائفية، وآخر يراه أدبًا يتحدد بموضوعه وما يطرحه من قضايا تخص الأقباط، وتوضح مسعد أن الرواية هى محور دراستها، مع الاستعانة بالمجموعات القصصية عند الحاجة، قبل أن ترصد «الطفرة» التى شهدتها الكتابة عن الأقباط منذ يناير 2011، والتى اتجهت بدرجة أكبر إلى التعبير عن المجتمع القبطى من الداخل، لا الاكتفاء بالكتابة عنه من خارجه.

وترصد مسعد ما تراه من جرأة متزايدة فى كتابات ما بعد الثورة على الاقتراب من مساحات كانت شديدة الحساسية فى تمثيل الشخصية القبطية. فبعد أن انشغلت الأعمال السابقة بصورة القبطى فى إطار محدود من نقاط الضعف والسلوكيات الاجتماعية، بدأت الكتابة الجديدة تطرح موضوعات أكثر تعقيدًا، مثل التحول الجنسى والهوية الجندرية، كما فى روايات «تحول» لباهر عادل و«حكاية ميم» لمايكل بشرى، فضلًا عن تقديم شخصيات قبطية لا تنسجم مع الصور المثالية أو النمطية المعتادة. وتظهر هذه الجرأة أيضًا فى تناول التداخلات الدينية والطائفية والتاريخية، كما فى «عهد دميانة» لأسامة عبد الرءوف الشاذلى، التى تشتبك مع تعقيدات العلاقة بين الأرثوذكس والكاثوليك والمسلمين والشيعة، وهو ما يقود المؤلفة إلى قضية العلاقة بين الطوائف المسيحية نفسها، التى كانت قبل 25 يناير أكثر حساسية فى الأدب، خاصة فيما يتعلق بتغيير الطائفة. وبذلك ترصد الدراسة انتقال الأدب من تمثيل الشخصية القبطية داخل قوالب محددة إلى الاقتراب من مناطق أكثر شائكًا فى الدين والجسد والهوية والعلاقات داخل المجتمع المصرى.

وتتوقف مسعد كذلك عند العلاقة اليومية بين المسلمين والأقباط كما تعكسها الرواية المصرية، فتبرز خلالها مساحة واسعة من العادات والممارسات الشعبية المشتركة، من زيارة الموالد والتبرك والخوف من الحسد إلى الاحتفال بشم النسيم، بما يكشف عن جذور ثقافية واحدة تتجاوز الانتماء الدينى.

وتستشهد بأعمال مثل «لا أحد ينام فى الإسكندرية» لإبراهيم عبد المجيد و«أيقونة فلتس» لجورج البهجورى و«كنت طفلا قبطيًا فى المنيا»، لمينا عادل جيد، إلى جانب دراسات ترصد تشابه الطقوس فى الموالد المسيحية والصوفية وامتزاجها بالتراث الشعبى والأساطير، بما يعكس حضورها فى الذاكرة الجمعية للمصريين. كما ترصد نماذج للصداقة والتعايش بين المسلمين والأقباط فى عدد من الروايات، فى مقابل الوجه الآخر للعلاقة الذى يظهر فى السخرية والتنمر والمزاح لتقدم صورة مركبة لا تكتفى بإبراز التعايش ولا تتجاهل أشكال التمييز، وإنما تكشف عن التناقضات التى تحكم العلاقات اليومية بين الطرفين.

وتقرأ نيفين مسعد أدب إدوار الخراط بوصفه نموذجًا بارزًا للكتابة من داخل الجماعة القبطية، إذ يتكرر فى أعماله بطل واحد تقريبًا هو ميخائيل قلدس، محاطًا بعائلة كبيرة ومجتمع قبطى مغلق نسبيًا، وتغيب الشخصيات المسلمة أو تحضر فى نطاق محدود. كما ترصد كيف كان يستند الخراط بكثافة إلى المفردات والطقوس والتقاليد القبطية، من السنكسار و«الخولاجي» إلى الأعياد والتقويم القبطي، من دون شرح تفصيلى لها، وكأنه يكتب لقارئ يعرف هذا العالم من الداخل.

وترى مسعد أن هذا الإلحاح على القبطية يكشف توترًا بين رغبة الخراط فى تأكيد هويته ومواجهة محاولات طمسها، وبين موقفه الفكرى والسياسى الذى يدفعه فى الوقت نفسه إلى التمرد على بعض التقاليد الكنسية، وهو ما يجعل شخصياته معلقة بين الانتماء إلى الجماعة والخروج منها إلى المجتمع والوطن الأوسع.

وتكشف مسعد، فى قراءتها للأعمال الأدبية، عن أثر غياب الديمقراطية فى مجتمعاتنا العربية وانتشار التطرف فى تعميق التوتر الطائفى، مستشهدة بروايات مثل «ذات» لصنع الله إبراهيم و«يوميات ضابط فى الأرياف» لحمدى البطران و«يقين العطش» لإدوار الخراط، التى ترصد الخوف والعنف والشائعات التى تستهدف الأقباط. لكنها لا تختزل العلاقة فى الصراع، إذ تبرز فى المقابل حضور فكرة المواطنة المشتركة، خاصة لدى الخراط، الذى يرفض الفصل بين «المصريين المسلمين» و«الأقباط» ويؤكد أنهم شعب واحد تجمعه الأرض والتاريخ والثقافة. ومن هنا تنتقل صاحبة "الشخصية القبطية فى الأدب المصري" إلى علاقة الأقباط بمصر، فتقرأ لدى سلوى بكر وإدوار الخراط، وفوزية أسعد ونعيم صبرى وغيرهم تأكيدًا متكررًا على أن القبطية جزء أصيل من التاريخ المصري، لا هوية لأقلية منفصلة عنه؛ وهو ما يتجلى فى عبارة ميخائيل قلدس: «الأقباط ليسوا أقلية بل هم أهل البلد»، لتصبح القبطية فى هذا السياق إحدى حلقات التاريخ المصرى ووجهًا من وجوه الانتماء إليه.

ويخلص الفصل الثانى من الكتاب إلى أن صورة الشخصية القبطية فى الأدب المصرى قبل ثورة يناير 2011 لم تكن واحدة أو ثابتة، بل تشكلت وفق تجارب الكتاب وبيئاتهم وتقاطعات الهوية الدينية والوطنية والسياسية. وترى نيفين مسعد أن الدين حضر فى بناء بعض الشخصيات ومسارات الأحداث، لكنه لم يكن العامل الأكثر حسمًا فى تشكيلها، إذ تداخل مع عناصر أخرى كالتاريخ والسياسة والمواطنة والعلاقة بإسرائيل، كما يظهر فى نماذج غبريال زكى غبريال وغيرها. ومن خلال تتبع هذه الأعمال، تكشف الدراسة عن تنوع واضح فى تمثيل الشخصية القبطية، بما يؤكد أن الأدب قدمها فى صور متعددة تتجاوز القوالب النمطية، وتتأثر فى الوقت نفسه بالتحولات الاجتماعية والسياسية التى أحاطت بالكتاب وأعمالهم.

وفى ختام الكتاب، يتضح حجم الجهد البحثى الذى بذلته الدكتورة نيفين مسعد فى تتبع صورة الشخصية القبطية وتحولاتها، إذ لم تكتف بقراءة عدد محدود من الأعمال، وإنما عادت إلى عشرات الروايات والمجموعات القصصية والكتب والدراسات والمقالات والمواقع الإلكترونية، لتبنى خريطة واسعة للصور الأدبية والاجتماعية للأقباط. وتتنوع الأعمال التى اشتغلت عليها بين «رامة والتنين» و«حجارة بوبيللو» و«يقين العطش» و«أبنية متطايرة» لإدوار الخراط، و«السكرية» و«المرايا» لنجيب محفوظ، و«الحرام» و«حادثة شرف» ليوسف إدريس، و«ذات» و«شرف» لصنع الله إبراهيم، و«خالتى صفية والدير» لبهاء طاهر، و«البشمورى» لسلوى بكر، و«لا أحد ينام فى الإسكندرية» لإبراهيم عبد المجيد، و«أيقونة فلتس» لجورج البهجورى و«شبرا» و«المهرج» و«صافينى مرة» لنعيم صبري، و«القمر فى اكتمال» و«العودة إلى المعبد» و«جسد أول» لنبيل نعوم، و«قمر على سمرقند» و«كتيبة سوداء» و«طبيب أرياف» لمحمد المنسى قنديل، إلى جانب «يوميات ضابط فى الأرياف» لحمدى البطران، و«وصايا اللوح المكسور» لغبريال زكى غبريال، و«فيكتوريا» لكارولين كامل، و«بيت القبطية» لأشرف العشماوي، و«غيوم فرنسية» لضحى عاصى، و«يعقوب» لمحمد عفيفى، و«عهد دميانة» لأسامة عبد الرءوف الشاذلي، و«صلاة خاصة» لصبحى موسى، و«حكاية ميم» لمايكل بشرى، و«تحول» لباهر عادل، و«كنت طفلاً قبطيًا فى المنيا» و«بيت المساكين» و«الأستاذ بشير الكحلى» لمينا عادل جيد، و«مخطوطة ابن الجروة» لهبة حسب، و«خلف ستار النخيل» لمنتصر أمين، إلى جانب مؤلفات لويس عوض، وفتحى غانم، عادل أسعد الميرى وحسين عبد العليم وروبير الفارس، وشادى لويس، وعادل عصمت، وعمار على حسن، ومينا فايق ومينا ناجى ومينا هانى ومحمد بركة وغيرهم.

ولا تتوقف أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، وصاحبة «صنع القرار فى إيران والعلاقات العربية ـ الإيرانية»، عند الأدب الروائى والقصصى، بل تمتد إلى كتب ودراسات مثل «الأقباط 2000 عام بين المشاركة والعزلة» لسليمان شفيق، و«المجتمع القبطى: همومه وتطلعاته» لهالة الحفناوى، و«الأقباط فى مصر الحديثة» لغادة محمد، و«المعلم إبراهيم الجوهرى: سيرة مصرية من القرن الثامن عشر» لمجدى جرجس، و«المسكوت عنه فى الفولكلور السياسى للأقباط» و«عبقرية المسيح.. المعركة المجهولة بين الأقباط والعقاد» لروبير الفارس، فضلًا عن مقالات يوسف القعيد ودينا نبيل وسامح فوزى ومجدى جرجس وغيرهم، وما استعانت به المؤلفة من مواقع إلكترونية وصفحات شخصية ومصادر رقمية.

وهكذا تكشف قائمة المصادر عن دراسة لم تتشكل من قراءة أدبية معزولة، وإنما من عمل استقصائى واسع جمع بين الرواية والقصة والسيرة والتاريخ والدراسة الاجتماعية والمقال الصحفى والبحث المتخصص والمادة الرقمية.

وأتاحت هذه الكثرة والتنوع للمؤلفة أن تقارن بين ما كتبه الأقباط عن أنفسهم وما كتبه الآخرون عنهم، وأن ترصد تحولات الصورة عبر أجيال ومراحل سياسية مختلفة، من القوالب النمطية والتمثيلات التقليدية إلى الكتابات الأكثر جرأة فى تناول الدين والطائفة والجسد والهوية والتاريخ. وفى هذا تتجلى قيمة الكتاب بوصفه حصيلة بحث طويل ودؤوب، حاولت خلاله نيفين مسعد أن تجمع مادة متفرقة ومتنوعة فى دراسة واحدة، وتحول هذا التراكم الكبير من النصوص والشهادات والمقالات إلى قراءة نقدية تبحث فى كيفية تشكل صورة الشخصية القبطية داخل الأدب المصرى وتحولاتها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved