كاتبة أمريكية حائزة على «البوليتزر» تحذر من صعود الدولة الاصطناعية.. البشر يسلمون مستقبلهم للآلات والديمقراطية تحت التهديد
آخر تحديث: الجمعة 28 أغسطس 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
- مؤلفة الكتاب: "مليارديرات وادي السيليكون يحلمون بعالم تتجاوز فيه الآلة الديمقراطية والإنسان لا سلطة فيه سوى للآلات وأنظمة الذكاء الاصطناعي"
تناولت المؤرخة الأمريكية الحائزة على جائزة البوليتزر، جيل ليبور، في كتابها الجديد «صعود وسقوط الدولة الاصطناعية» التهديد الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للديمقراطية الليبرالية؛ حيث رأت أن القوة الاستثنائية التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الخاصة، التي يقودها رجال قد لا تتوافق أولوياتهم بالضرورة مع رفاه الأرض وسكانها، باتت تهدد بتدمير الحضارة كما نعرفها.
وقدمت "ليبور" مفهومًا واسعًا لما أسمته "الدولة الاصطناعية"، يجمع بين خيال يراود قلة محدودة وواقع بدأ يفرض نفسه بالفعل؛ أما الخيال، فيتمثل في مجتمع مفكك يستطيع فيه نخبة من الأفراد تجاوز القيود البيولوجية والكوكبية، والتخلي عن الديمقراطية الدستورية والدولة القومية الليبرالية، بل وحتى عن الإنسانية نفسها، لصالح حكم الأتمتة وإدارة شؤون الدولة بواسطة الآلات والاستعاضة عن البشر بالذكاء الاصطناعي. وأما الواقع، فيتمثل في انتقال الخطاب العام إلى منصات مملوكة لشركات خاصة، أصبحت فيها الانتباهة القابلة لتحقيق الأرباح هي القيمة الأهم قبل أي شيء آخر.
وبات من الثابت أن منصات التواصل الاجتماعي تُصمم خلاصاتها بما يؤثر في سلوك المستخدمين، سواء لدفعهم إلى شراء منتج أو تغيير مواقفهم السياسية، وقدمت المؤلفة منصة «إكس»، المعروفة سابقًا باسم «تويتر»، مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تعج المنصة بحسابات آلية تتحكم فيها جهات مختلفة، حكومية وغير حكومية، إجرامية أو تجارية، وتسهم أنشطتها في إغراق الخوارزميات بمحتوى يستفز الغضب ويؤجج الاستقطاب بين المواطنين.
وبحسب "ليبور"، فإن "الدولة الاصطناعية" ليست مجرد حلم، وإنما الخطة الفعلية لعدد صغير جدًا من أمراء التجارة في القرن الحادي والعشرين، الذين يتمتعون بقوة هائلة، وهم مليارديرات وادي السيليكون. وفي الوقت الذي يفترض أن يكون تغير المناخ على رأس أولويات العالم، تفضل هذه النخبة، التي تضم بحسب "ليبور" إيلون ماسك ومارك زوكربيرج وجيف بيزوس وبيتر ثيل وسام ألتمان، التركيز على السفر إلى الفضاء أو زيادة قدرات الحوسبة من أجل التفوق على الصين في سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي.
وأشارت الكاتبة إلى أنه بعد إحراق الأرض بالطاقة التي تستهلكها مراكز البيانات الضخمة، تتمثل خطتهم في الهروب إلى المريخ، أو الاختباء داخل ملجأ محصن في نيوزيلندا، أو حتى تحميل أدمغتهم المجمدة على أنظمة رقمية، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
واشتهرت "ليبور" بحكاياتها التاريخية المكثفة واللافتة، ولذا يزخر كتاب «صعود وسقوط الدولة الاصطناعية» بهذا النوع من القصص؛ فهي تقدم عددًا كبيرًا من الوقائع التاريخية الصغيرة التي تربط الماضي بالحاضر، من بينها الجذور التاريخية للفلسفة التقنية التحررية، التي تبدو حديثة إلى أقصى حد، والتي تعود، وفقًا لقراءتها، إلى أدب الخيال العلمي المصاب بجنون الارتياب الذي ازدهر خلال الحرب الباردة.
واستعرضت "ليبور" كذلك نشأة التعداد السكاني في بلاد الرافدين القديمة، لتوضح أن إحصاء السكان يمنح أصحاب السلطة القدرة على عدّ السكان وتعذيبهم وفرض الضرائب عليهم، كما قدمت مسحًا ثريًا لثيمات الخيال العلمي في القرن العشرين، التي تسللت كثير من أفكارها إلى آمال وتطلعات أقطاب التكنولوجيا.
وفي حين قرأت المؤلفة كثيرًا من كلاسيكيات الخيال العلمي، مثل أعمال الكاتب والعالم الأمريكي من أصول روسية الذي يُعد من أشهر وأهم كتّاب الخيال العلمي في القرن العشرين إسحاق أسيموف، بوصفها تحذيرات من مخاطر المستقبل، فقد لاحظت أن مهندسي الدولة الاصطناعية يبدو أنهم قرأوا هذه القصص، من دون سخرية أو مفارقة، باعتبارها كتيبات إرشادية ودلائل لكيفية بناء روبوتات ستحكم العالم يومًا ما.
وقالت المؤلفة إنها ليست من أنصار النظرة التشاؤمية المطلقة إلى الذكاء الاصطناعي، فقد أوضحت أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في افتقارنا إلى استراتيجية واضحة، تضعها الديمقراطية وتقرها شعبيًا، بشأن كيفية تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.
ومع ذلك، استشهدت بالعدد المتزايد من الروبوتات الصناعية كما لو أن التكنولوجيا من هذا النوع سيئة بالضرورة، بيد أن جمعها طيفًا واسعًا من التقنيات المختلفة تحت مظلتيّ "الذكاء الاصطناعي" و"الروبوتات" أدى - في بعض الأحيان - إلى طرح الأسئلة الخطأ.
فهل ينبغي وضع روبوت محادثة تديره الدولة الروسية ويعمل على تأجيج المشاعر اليمينية المتطرفة في بريطانيا في الفئة نفسها التي تندرج فيها نماذج التعلم الآلي المستخدمة في تطوير عقاقير قد تنقذ حياة البشر؟ وهل ينبغي أن يكون المكنسة الروبوتية التي تلتقط فتات الخبز من أرضية المطبخ في الفئة الوجودية نفسها التي ينتمي إليها طائرة مسيرة تقصف منازل مليئة بالأطفال اعتمادًا على معلومات أنشأها الذكاء الاصطناعي؟ إذ أن تحليل الكيفية التي تعيد بها التكنولوجيا تشكيل النظام السياسي يتطلب دقة أكبر في تحديد المفاهيم والفروق بين التقنيات المختلفة.
واختتمت المؤلفة كتابها بالدعوة إلى "قطع الاتصال" مع التكنولوجيا والعودة إلى التواصل مع الطبيعة والحيوانات، ولا شك أن الابتعاد عن الشاشات والعودة إلى العالم الطبيعي فكرة جيدة، غير أن تسجيل الخروج من العالم الرقمي والعودة إلى الطبيعة لا يمكن أن يكون، في مواجهة ثورة تكنولوجية تهدد بتقويض النظام العالمي برمته، سوى الخطوة الأولى.