باحثة بريطانية تستكشف ذكاء الكائنات الحية وعلاقة الإنسان بالطبيعة عبر كتاب جديد
آخر تحديث: الجمعة 28 أغسطس 2026 - 7:11 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
في كتابها الجديد «حيّ: الذكاء الخفي في العالم الحي» ، قدمت الكاتبة البريطانية ميلاني تشالنجر رؤية فلسفية وعلمية أعادت النظر في الطريقة التي يفهم بها الإنسان الحياة والكائنات الحية من حوله؛ حيث ناقش الكتاب فكرة أن الجسد ليس مجرد وعاء للعقل أو أداة تنفذ أوامره، بل كيان كامل يمتلك أشكالًا من الذكاء والقدرة على التفاعل مع البيئة المحيطة.
ومن خلال الجمع بين البيولوجيا والفلسفة وعلم البيئة، دعت "تشالنجر" إلى إعادة الاعتبار للأجساد بوصفها أساسًا لفهم الحياة، وإلى مراجعة التصورات التقليدية التي اختزلت الكائنات الحية في الجينات أو الوعي أو العمليات الميكانيكية، مؤكدة أن هذا الفهم القاصر أسهم في إضعاف علاقة الإنسان بالطبيعة وبمختلف أشكال الحياة.
في البداية، كشفت المؤلفة أن فكرة الكتاب أتت من فضولها الخاص تجاه العالم الطبيعي، وشعورها بأن التصورات التي كوّنها الإنسان عن نفسه تتسم بقدر من التعالي وتفتقر إلى الإقناع، حيث انتقدت التركيز التقليدي على الروح أو الجينات أو العقل بوصفها المفاتيح الأساسية لفهم الحياة، معتبرة أن هذا المنظور أدى إلى تهميش الجسد، ربما لأنه يذكر الإنسان بهشاشته وفنائه. وهي لم تنكر أهمية الجينات، وإنما دعت إلى إعادة النظر في الزاوية التي ينظر الإنسان من خلالها إلى العالم والكائنات الحية.
واستعرضت الكاتبة عبر صفحات الكتاب مجموعة واسعة من الكائنات، امتدت من البكتيريا وحتى الشمبانزي والحياة المائية، لتوضح كيف تتفاعل هذه الكائنات مع بيئاتها وتستجيب لما يحيط بها، كما وظفت حسها الشعري في وصف الطبيعة، فوصفت الجليد الجليدي بأنه "أزرق يلمع كبريق مقلة العين"، بينما وصفت حبار همبولت بأنه "قطعة من الفضة اللامعة".
ومن خلال هذه الأمثلة، أكدت أن التقليل من شأن الأجساد أو تجاهلها يحرم الإنسان من إدراك التعقيد الذي تتمتع به أشكال الحياة الأخرى، ويجعله عاجزًا عن منحها ما تستحقه من احترام، كما يقوده إلى الخلط بين الآلة والوعي، وإلى التعامل مع وعيه الخاص كما لو كان آلة، فضلًا عن تدمير البيئات الطبيعية دون اكتراث بالكائنات غير البشرية التي تعيش فيها.
واستندت "تشالنجر" في أطروحاتها إلى طيف واسع من العلماء والفلاسفة، إلا أنها تعد أرسطو مرشدها الفكري الأبرز، وقد خصته بالشكر في خاتمة الكتاب، ورأت أنه كان أول من أدرك ذكاء الأجساد، رغم افتقاره إلى المعرفة العلمية التي كان من الممكن أن تدعم حدسه. كما حرصت على استحضار شخصيته في أكثر من موضع، مقدمة إياه بوصفه إنسانًا من لحم ودم، لا مجرد اسم ارتبط بنصوص وترجمات وشروح فلسفية.
وقدمت الكاتبة نقدًا واضحًا للنزعة الاختزالية في العلوم الحديثة وللاستعارات المضللة التي أسهمت، في رأيها، في تشكيل فهم الإنسان للحياة والكائنات الحية. ورغم ما تتسم به أفكارها من جدة وطموح، فإن كثافة الطرح وتشعب الأبحاث العلمية التي تستند إليها قد تجعل متابعة بعض الأفكار أمرًا يتطلب جهدًا من القارئ، وهو ما يعكس طبيعة الأعمال الفكرية الرائدة التي تفتح آفاقًا جديدة، لكنها تفرض على قارئها مواكبة مسارات معرفية معقدة، كما ورد عبر "الجارديان".
واختتمت "تشالنجر" رسالتها بالتأكيد على ضرورة تعلم قراءة إشارات الجسد، وربطها بالعالم المحيط، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو بناء علاقة أكثر توازنًا مع الطبيعة، ورأت أن التخلي عن أنماط الفهم الموروثة، التي همشت الجسد وأساءت تفسير الحياة، قد يسهم في تجنب مسارات التدمير التي ألحقها الإنسان بنفسه وبالبيئة التي يعيش فيها.