الوظيفة .. مركز إلهى
آخر تحديث: الأحد 28 أكتوبر 2012 - 11:52 ص بتوقيت القاهرة
الشروق
العديد من الصور التى يحملها غير الموظفين فى مصر عن الموظفين قد تكون نابعة من صورة الموظف فى السينما المصرية التى كانت سخية جدا فى استخدام شخصيات الموظفين، وقد تكون هذه الصورة قدمت فى شكل أقرب للجدية، نماذج عماد حمدى أو زكى رستم، أو أقرب للهزل والكوميديا، نماذج نجيب الريحانى أو فؤاد المهندس.
فى فيلم «معلش يا زهر» يحترم صابر أفندى (زكى رستم) فكرة الوظيفة على حساب عمل جاره البقال مثلا، رغم أنه يعانى من كل المشكلات التى يعانى منها الموظفين من ضيق المرتب أو قمع رؤسائه، ولكن الدسائس التى تتم من قبل زملائه فى المكتب تجعله فى النهاية يكره الوظيفة ويتجه لصف العمل الحر.
حسين (عماد حمدى) يؤدى ضيق ظروفه إلى اختلاس مبلغ من الشركة التى يعمل بها بسبب كل الضغوط الاجتماعية التى تطالبه بالمزيد من المال فى فيلم «أم العروسة» (1963)، عماد حمدى أيضا يظهر فى دور الموظف المغيب خلال جلسة الحشيش فى فيلم «ثرثرة فوق النيل» (1971).
الأفلام الكوميدية كانت أكثر سخرية وربما أكثر نقدا لأوضاع الموظفين، فمن الصعب نسيان مشهد شحاتة أفندى (نجيب الريحانى) فى فيلم «أبو حلموس» (1947) وهو يشرح لرئيسه كيف يسرق من الوقف الذى يعمل به دون أن يكتشفه أحد. ومن الصعب أيضا أن ينسى محبو فؤاد المهندس مشهده مع حسن مصطفى (عويجة أفندى) فى فيلم «أرض النفاق» (1968) عن الشنكل الناقص من 18 عاما فى إحدى غرف الشركة والتى شكلت العديد من اللجان لمحاولة استعادة مقابل هذا الشنكل من المقاول، مما كلف الشركة أضعاف ثمنه.
فيلم «مراتى مدير عام» (1966) دار معظمه فى مكتب للموظفين فى موقف فريد حيث يعمل زوج تحت يد زوجته المديرة، كانت أنماط الشخصيات فى الفيلم كاريكاتيرية واضحة، الموظف المتدين، والموظف زير النساء، والموظف النمام، والموظفة الفاتنة.

عدد كبير من الأعمال السينمائية المصرية عن الموظفين كانت معتمدة على أعمال أدبية، أحد أهم رموز الأدب المصرى والعربى نجيب محفوظ كان موظفا فى عدة جهات حكومية على مدار حياته، لذلك أصبحت شخصية الموظف عنصرا متواجدا فى العديد من أعماله. كانت « القاهرة الجديدة» من أبرز رواياته الأولى التى تضمنت شخصية الموظف، يسعى محجوب عبدالدايم للترقى الوظيفى دون مراعاة للأخلاقيات مستعينا بفلسفة «طظ» التى صاغها بنفسه. ولكن إن ظلت الوظيفة والموظفين عنصرا جانبيا فى العديد من أعمال محفوظ، تبقى رواية «حضرة المحترم» التى نشرت لأول مرة عام 1975 العمل الأبرز الذى اهتم بشكل خاص بالموظف وبعالم الوظيفة؛ عثمان بيومى يمكن أن يدوس على كل شىء ويتجاوز كل شىء فى سبيل أن يترقى وظيفيا، طامحا فى أن يكون مديرا عاما، قد تتعدد التأويلات لفهم هذه الرواية منها مثلا أن يكون الترقى الوظيفى رمزا للترقى الصوفى الذى لا يستسلم لمخايلات العالم، ولكن رغم هذا فمحفوظ يقدم وجهات نظر مثيرة للاهتمام حول الوظيفة فى مصر، فيقول محفوظ فى الرواية: « إن الموظف مضمون غامض لم يفهم على وجهه الصحيح بعد. الوظيفة فى تاريخ مصر مؤسسة مقدسة كالمعبد، والموظف المصرى أقدم موظف فى تاريخ الحضارة. إن يكن المثل الأعلى فى البلدان الأخرى محاربا أو سياسيا أو تاجرا أو رجل صناعة أو بحارا فهو فى مصر الموظف». وفى موضع آخر: « الوظيفة حجر فى بناء الدولة، والدولة نفحة من روح الله مجسدة على الأرض». يتصور عثمان بيومى أن الوظيفة مركز إلهى، فهو يقول: « وفرعون نفسه لم يكن إلا موظفا معينا من قبل الآلهة فى السماء ليحكم الوادى من خلال طقوس دينية وتعاليم إدارية ومالية وتنظيمية».
رغم أن شخصية الموظف تراجع تقديمها بشكل ما فى السينما وربما الأدب أيضا إلا أن هناك عناصر ربما لا تزال تحتاج إلقاء الضوء عليها، طالما ظل المصريون يعانون من البيروقراطية، فالكاتب الشاب محمد ربيع اهتم فى روايتيه «كوكب عنبر» و»عام التنين» بعالم الموظفين والبيروقراطية. فى الرواية الأولى يكلف شاهر من وزارة الأوقاف بكتابة تقرير عن مكتبة شبه مهجورة، من المفترض أن تهدم لمد خط المترو، يبدو التقرير عبثيا لأن الأرجح أن المكتبة ستهدم فى كل الأحوال. وفى الرواية الثانية يقرر نعيم أن يموت لتحصل أسرته على مبلغ بوليصة التأمين المقررة فى حال موته، ولكنه لا يموت جسديا، هو يقرر أن يعد كل الأوراق التى تجعله ميتا فى نظر الدولة، وكأنك تستطيع أن تفعل أى شىء فى مصر طالما كانت أوراقك سليمة بغض النظر عن الواقع.