بعد قضية ماتياس حبيب.. كيف يقع المراهقون في فخ التعلق بالذكاء الاصطناعي؟‬

آخر تحديث: الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 3:08 م بتوقيت القاهرة

سلمى محمد مراد

تعود الاتهامات من جديد تلاحق الذكاء الاصطناعي والشركات المطورة له في حالات انتحار المراهقين والشباب الأصغر سنًا، فلم تستطع أن تخمد حالة الذعر والقلق التي شهدتها الولايات المتحدة عقب قضية مراهق يبلغ من العمر 14 عامًا أنهى حياته بعد ارتباط عاطفي بروبوت دردشة، والتي أقامت فيها والدته دعوى قضائية ضد الشركة المطورة، ليصل الأمر إلى لبنان في إبريل الماضي، عقب وفاة المراهق ماتياس حبيب منتحرًا عقب تواصله مع الشات بوت في أمور فلسفية، وإقامة أسرته مسارًا قانونيًا ضد شركة أوبن إيه آي المطورة لشات جي بي تي، متهمة التطبيق بوجود ثغرات في معايير الأمان عند التعامل مع الأطفال والمراهقين.

وبحسب ما نشرته إندبندنت عربية من روايات منقولة عن مصادر مقربة من أسرته، فإن ماتياس كان من الشباب المتفوقين ويتمتع بمهارات ومواهب متعددة في الرسم والموسيقى والتصوير، ولم يلحظ المحيطون به مؤشرات واضحة تنذر بما حدث، ووقع ذلك بعد اكتشاف أسرته تعمقه في مناقشة موضوعات فلسفية ووجودية مرتبطة بالحياة والموت عبر الإنترنت وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتثير هذه الوقائع المتلاحقة إشكالية الاستخدام غير الآمن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتأثير المحتوى الذي يمكن أن تقدمه للمستخدمين الأصغر سنًا.

• لكن السؤال هنا هو لماذا يمكن للمراهق أصلًا أن يتعلق بآلة إلى هذه الدرجة؟؟

يكمن جزء من الإجابة في طريقة تصميم روبوتات المحادثة نفسها التي تتميز بأنها متوافرة تقريبًا طوال الوقت وترد بسرعة وبشكل فوري، ولا تشعر بالملل من تكرار الحديث، كما يمكنها صياغة إجابات تتلاءم مع ما يقوله كل مستخدم، وقد تمنح هذه الخصائص المراهق شعورًا بأن هناك من يفهمه دون أن ينتقده أو يرفضه لتتحول إلي صديق مثالي قريب.

وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة Male Allies UK في مدارس بريطانية، فإن أكثر من ثلث المراهقين الذين شملهم الاستطلاع يفكرون في إقامة علاقة صداقة مع روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي، فيما قال 53% إنهم يجدون العالم الافتراضي أكثر فائدة من الواقعي.

ويكمن الخطر هنا في مقدار الوقت الذي يقضيه المراهق مع الروبوت والإفراط في الاستخدام الذي يؤثر على مشاعره ويحولها إلى اعتماد عاطفي حذرت منه الدكتورة منى حديدي، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة حلوان، في تصريحات سابقة لـ"الشروق" قائلة، إن التفاعل المستمر بين المراهقين وروبوتات الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا في طبيعة العلاقات الاجتماعية.


كما أوضحت أن بعض المراهقين يجدون في روبوتات الدردشة مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم دون خوف من الرفض أو إصدار الأحكام، مشيرة إلي أن هذا الشعور قد يتحول إلى أمان عاطفي زائف وبناء هوية رقمية منفصلة عن الواقع، ومع زيادة الاعتماد على الروبوتات والتفاعل معها قد يبدأ المراهق في الانسحاب تدريجيًا من العلاقات الواقعية، بينما تتراجع فرص اكتساب مهارات إنسانية لا يمكن تعلمها إلا من خلال الاحتكاك بالآخرين والتواصل معهم، مثل الحوار والتفاوض والتعامل مع الاختلاف والرفض.

• حين تتحول الموافقة إلى خطر

وتمتد المشكلة كذلك إلي طبيعة الإجابات نفسها، حيث أوضحت الدكتورة هالة حماد، استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين، في تصريحات سابقة لـ"الشروق"، أن بعض المراهقين الذين يقضون ساعات طويلة على الإنترنت أصبحوا يتعاملون مع روبوتات المحادثة باعتبارها أصدقاء يناقشون معهم مشاعرهم ومشكلاتهم، محذرة من الواقع الزائف الذي يخلقه الذكاء الاصطناعي خاصة بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين الذين ما زالت شخصياتهم وأفكارهم في طور التكوين، حيث تميل أدوات الذكاء الاصطناعي بطبيعتها وبرمجتها إلى مجاملة المستخدم وتقديم ما يرغب في سماعه، وقد تصل الخطورة إلى الخلط بين الواقع والخيال، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره صديق حقيقي بالتزامن مع الابتعاد عن الأسرة أو الشعور بالتوتر عند الحرمان من استخدامه.

وتعرف هذه الظاهرة أحيانا بالتملق الخوارزمي، وتعني ميل النظام إلى مسايرة المستخدم وموافقته بطريقة تجعله يشعر بأنه مفهوم ومقبول باستمرار، وأثبتت دراسة منشورة في مجلة ساينس أعدتها جامعة ستانفور، أن نماذج الذكاء الاصطناعي تؤيد قرارات المستخدمين وتوافقها الرأي بنسب أعلى بكثير مقارنة بالبشر، حتى وإن كانت أفكار المستخدم خاطئة علميا أو تنطوي على سلوكيات خاطئة.

وهنا تكمن مفارقة العلاقة مع الصديق الرقمي، فالإنسان الحقيقي قد يعترض أو يحذر أو يرفض فكرة خطرة بينما قد تؤدي تلك الاستجابة الآلية المصممة أساسًا لاستمرار الحوار إلى تعزيز شعور المستخدم بأنه على صواب ما لم تكن هناك أنظمة أمان قوية تتدخل في اللحظات الحساسة.

• الإجابة الواثقة ليست بالضرورة آمنة

وتزداد خطورة الأمرعندما يتعلق السؤال بقرار مصيري أو أزمة نفسية أو تهديد للأمان الشخصي لأن اللغة الواثقة التي تقدم بها روبوتات المحادثة إجاباتها قد تمنح النصيحة الخاطئة مظهرًا من المصداقية، وتكشف دراسة حديثة منشورة عبر USENIX Security، وأجرتها جامعة نيويورك تاندون، واختبر خلالها الباحثون أربعة روبوتات محادثة من خلال 193 سؤالا واقعيا يتعلق بالمطاردة والمراقبة الرقمية، ووجدوا أن 86% من الردود التي خضعت للتقييم كانت إما غير دقيقة أو غير مكتملة أو غير آمنة.

وبحسب الدراسة، أغفلت نسبة كبيرة من الإجابات تحذير المستخدم من المخاطر المحتملة لتطبيق النصيحة المقترحة، لافتة إلى قدرة روبوت المحادثة على تقديم إجابة تبدو مقنعة وواثقة في موقف شديد الحساسية بينما قد تكون النصيحة نفسها ناقصة أو غير آمنة، مما جعل الباحثون يوجهون بضرورة عدم الاعتماد على روبوتات المحادثة لاتخاذ القرارات المصيرية، والتمييز بين سؤال الذكاء الاصطناعي عن الخيارات المتاحة وتركه يحدد للمستخدم ما يجب عليه فعله.

بينما تحركت صناعة التكنولوجيا في اتجاه آخر يجعل الحدود بين الأداة والصديق أكثر ضبابية تتمثل في ابتكار قلادة تعمل بالذكاء الاصطناعي باسم فريند، ومصممة لترافق المستخدم وتستمع إليه وتتفاعل معه خلال يومه، ولتمنح المستخدم إحساسًا بأن هناك من يستمع إليه ويهتم به، وأثار هذا الأمر أيضا مخاوف لكونها مجرد آلة وتقنية لا تشعر بالحب أو القلق أو الخوف على المستخدم حتى عندما تبدو لغتها شديدة التعاطف وما يبدو صداقة هو في النهاية استجابة يولدها نظام تقني.

وفي المقابل قامت بعض الشركات بالفعل في ظل هذه المخاوف المتزايدة بمحاولة لمنع تحول التفاعل الطويل مع الروبوتات إلى علاقة عاطفية غير صحية من خلال تشديد القيود المفروضة على استخدام المراهقين لخدمات المحادثة المفتوحة.

• المنع وحده ليس الحل

وترى الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، أن التعامل مع الظاهرة بمنطق الحظر الكامل قد لا يكون الحل الأكثر فاعلية، وأن التعلق العاطفي بالمحادثات الذكية يحتاج إلى معالجة هادئة لأن المنع القسري قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

وتشير في تصريحات لـ"الشروق"، إلى أن العلاقات الأسرية تمثل خط الدفاع الأول، لأن بعض الأبناء قد يلجؤون إلى هذه التطبيقات بحثا عن مساحة للاستماع والتفاهم، مشددة على ضرورة المتابعة الأسرية، وملاحظة سلوك الأبناء وخاصة إذا ظهر عليهم مؤشرات العزلة الاجتماعية، والحديث عن روبوت المحادثة كما لو كان شخصًا حقيقيًا، والاعتماد عليه في اتخاذ القرارات، والتوتر الشديد عند الابتعاد عنه.

ووجهت بعدم مراقبة كل محادثة يخوضها الابن أو التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها عدوًا، وذلك جنبا إلى جنب مع الحرص على بناء ثقافة رقمية تجعله يدرك أن الروبوت ليس إنسانًا ولا صديقا أو طبيبًا أو معالجًا نفسيًا مهما بدت إجاباته إنسانية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved