مسلسل طالع نازل.. كيف تتحول الرغبة في الانتقام إلى دائرة يصعب الخروج منها؟
آخر تحديث: الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 2:21 م بتوقيت القاهرة
رنا عادل
مع تصاعد الأحداث في مسلسل طالع نازل، الذي يعرض حاليًا، من بطولة منى زكي ومحمد شاهين ومريم الخشت، تجدد النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي حول فكرة الانتقام ودوافع اللجوء إليه عند التعرض للأذى من شخص كان موضع ثقة. وبين مؤيد ومعارض، انقسمت الآراء حول ما إذا كان الانتقام يساعد الإنسان على تجاوز التجربة واستعادة شعوره بالإنصاف أم يجعله أسيرًا لها لفترة أطول.
• لماذا يفكر الإنسان في الانتقام؟
قال الدكتور ماجد أرنست، استشاري الأمراض النفسية والعصبية، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن التفكير في الانتقام لا يعني بالضرورة أن الشخص سيئ، بل قد يكون رد فعل نفسيًا للشعور بالظلم والإهانة ومحاولة لاستعادة الإحساس بالسيطرة بعد تجربة مؤلمة، موضحًا أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعور إلى انشغال مستمر يستنزف صاحبه ويؤثر في حياته وعلاقاته.
وأوضح أرنست أن التعرض للخيانة، خصوصًا من شخص كان يحظى بالثقة لا يعني خسارة العلاقة وحدها، بل قد يؤدي أيضًا إلى فقدان الشعور بالأمان والثقة بالنفس والآخرين. وقد يشعر الشخص بأن الطرف الآخر لم يتحمل مسؤولية أفعاله، وأن تجاوز التجربة من دون الحصول على حقه يعني قبول الإهانة أو التنازل أمام الظلم.
وأضاف أن الرغبة في الانتقام قد تنشأ في هذه الحالة باعتبارها محاولة لاستعادة التوازن النفسي وتحقيق العدالة، أو دفع الطرف الآخر إلى الشعور بالألم نفسه الذي تسبب فيه. لكن من المهم التمييز بين العدالة والانتقام؛ فالعدالة تستهدف محاسبة المخطئ ومنع تكرار الأذى، بينما قد يتحول الانتقام إلى محاولة لإيلام الآخر، حتى لو كان الثمن استنزاف الشخص المتضرر نفسه، والتفكير في الانتقام لا يجعل الإنسان شريرًا بالضرورة، لكن عدم التعامل مع المشاعر المؤلمة بصورة صحية قد يحول الرغبة في استعادة الكرامة إلى انشغال بإيذاء الطرف الآخر.
• كيف تتحول الرغبة في استعادة الكرامة إلى انشغال مستمر؟
ولفت إلى أن الإنسان الذي يتعرض للخيانة أو الإهانة قد يشعر بأنه فقد السيطرة على حياته، فيبدأ في التفكير في كيفية جعل الطرف الآخر يندم أو إثبات أنه خسر شخصًا مهمًا أو إجباره على الشعور بالألم نفسه، لكن هذه الأفكار قد تتحول تدريجيًا إلى انشغال ذهني بالشخص الآخر، من خلال مراقبة أخباره وتصرفاته وانتظار رد فعله، والتفكير المستمر في كيفية الرد عليه.
وتكمن المفارقة بحسب أرنست، في أن الإنسان الذي يسعى إلى استعادة السيطرة على حياته قد يجد نفسه يربط راحته النفسية بتصرفات شخص آخر، فيصبح ندمه أو فشله مصدرًا للراحة، بينما تتحول سعادته إلى سبب لاستمرار الغضب والألم، في حين أن التقدم الحقيقي يبدأ عندما يعود الإنسان إلى الاهتمام بحياته وأهدافه، بدلًا من جعل الشخص الذي تسبب في أذاه محورًا لقراراته ومشاعره.
• هل يمنح التخطيط للانتقام شعورًا مؤقتًا بالقوة؟
وأشار أرنست إلى أن التفكير في الانتقام أو التخطيط له قد يمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالقوة، خصوصًا بعد فترة من العجز والإهانة، إذ يبدأ في تخيل أنه أصبح صاحب القرار وقادرًا على تغيير الموقف وإجبار الطرف الآخر على دفع الثمن، لكن هذا الشعور لا يعني بالضرورة أن الجرح النفسي قد تعافى، إذ قد يكتشف الشخص بعد تنفيذ انتقامه أن الطرف الآخر لم يشعر بالندم الذي توقعه أو لم يقدم الاعتذار الذي كان ينتظره أو أن الألم الذي بداخله ما زال موجودًا.
وأضاف أن التجربة قد تترك الشخص أمام مشاعر جديدة، مثل الندم أو الخوف من العواقب أو خيبة الأمل، وقد يستمر الصراع بين الطرفين بدلًا من أن تنتهي المعاناة، بالإضافة إلى أن الألم قد يرتبط أيضًا بفقدان الثقة والشعور بالإهانة والأسئلة التي لم يجد الشخص إجابات عنها، وهي أمور لا يضمن الانتقام معالجتها لذلك فإن تغيير الموقف الخارجي لا يعني بالضرورة تغيير ما يشعر به الإنسان في داخله.
• التفكير المتكرر في المواقف المؤلمة قد يعيد إحياء الغضب
وبين أرنست أن تكرار استرجاع المواقف المؤلمة وإعادة تفاصيلها في الذهن قد يغذي الرغبة في الانتقام، إذ يظل الشخص يعيد كلمات الطرف الآخر وتصرفاته، ويتخيل ما كان ينبغي أن يقوله أو يفعله، ويطرح على نفسه أسئلة من نوعية لماذا حدث لي ذلك؟ وكيف لم أكتشف الحقيقة مبكرًا؟، وأوضح أن المشكلة تبدأ عندما يستمر العقل في إعادة التجربة بدلًا من الانتقال تدريجيًا إلى التعامل مع آثارها، لأن كل استرجاع قد يعيد مشاعر الغضب والإهانة، ويجعل الإنسان يشعر وكأنه يعيش الخيانة أو الظلم مرة أخرى، رغم انتهاء الموقف بالفعل.
وأكد أن استرجاع الذكريات المؤلمة ليس مشكلة في حد ذاته، ففهم التجربة والتعلم منها أمران مفيدان، لكن الأمر يستدعي الانتباه عندما يصبح التفكير مستمرًا أو يصعب التحكم فيه، ويؤثر في النوم والعمل والعلاقات والقدرة على الاستمتاع بالحياة.
وللتعامل مع هذه الأفكار، نصح بتعلم ملاحظتها دون التعامل معها باعتبارها أوامر يجب تنفيذها، مع توجيه الانتباه تدريجيًا إلى ما يستطيع الإنسان فعله في الحاضر، مشددًا على أن التعافي لا يعني نسيان ما حدث، بل تذكره دون الاضطرار إلى إعادة معايشته يوميًا.
• تأثير الانتقام على الصحة النفسية وصورة الإنسان عن نفسه
وحذر أرنست من أن الانتقام قد يتحول إلى دائرة تستنزف الإنسان نفسيًا واجتماعيًا، نتيجة استمرار الغضب والتوتر والتفكير في كيفية الرد على الطرف الآخر، وهو ما قد يؤثر في النوم والتركيز والمزاج، ويرتبط بظهور أعراض القلق أو الاكتئاب لدى بعض الأشخاص. وأضاف أن التجربة قد تؤثر أيضًا في علاقات الإنسان الجديدة، إذ يمكن أن يفقد الثقة بالآخرين ويصبح أكثر شكًا وحساسية، أو ينقل غضبه من العلاقة التي تعرض فيها للأذى إلى علاقات أخرى لا صلة لها بما حدث.
وقد تمتد الآثار إلى العمل والأهداف الشخصية، عندما ينفق الإنسان وقتًا وجهدًا كبيرين في متابعة الطرف الآخر والتخطيط للرد عليه، على حساب أسرته ومستقبله وأنشطته اليومية. كما أن الانشغال بالانتقام قد يخلق صراعًا داخليًا، عندما يجد الشخص نفسه يتصرف بطريقة لا تشبه قيمه الأصلية، أو يشعر بالندم نتيجة أفعال اتخذها تحت تأثير الغضب.
• كيف يتحرر الإنسان من رغبة الانتقام دون التنازل عن حقه؟
وشدد أرنست على أن تجاوز الخيانة أو الظلم لا يعني مطالبة الشخص المتضرر بالمسامحة السريعة أو النسيان أو التقليل من حجم ما تعرض له، موضحًا أن الخطوة الأولى تتمثل في الاعتراف بالألم وبأن ما حدث كان مؤذيًا دون تحميل النفس مسئولية كل ما جرى.
وأكد ضرورة التمييز بين التخلي عن الانتقام والتخلي عن الحق، إذ يظل من حق الإنسان وضع حدود واضحة أو إنهاء علاقة مؤذية أو المطالبة بالتعويض، أو اللجوء إلى القانون عندما يكون ذلك مناسبًا، دون أن يكون مطالبًا باستمرار التواصل مع الشخص الذي أساء إليه.
كما يمكن التعامل مع الغضب والأفكار المتكررة من خلال الكتابة العلاجية وتنظيم الوقت وممارسة النشاط البدني والاستفادة من تقنيات العلاج المعرفي السلوكي، خصوصًا عندما يصبح التفكير في التجربة معطلًا للحياة اليومية، وطلب المساعدة النفسية المتخصصة إذا استمر الألم بدرجة كبيرة، أو ظهرت أعراض شديدة للقلق أو الاكتئاب، أو أصبح الشخص يشعر بأنه قد يؤذي نفسه أو غيره.
• هل يشترط التعافي مسامحة الشخص الذي تسبب في الأذى؟
وأكد أرنست أن المسامحة ليست شرطًا للتعافي ولا تعني تبرير الأذى أو استعادة العلاقة مع الشخص الذي تسبب فيه، إذ يستطيع الإنسان تجاوز التجربة مع الاحتفاظ بموقف واضح وحدود تحميه من تكرارها.
وأوضح أن البديل الحقيقي للانتقام يتمثل في استعادة الحياة والقدرة على اتخاذ القرارات بعيدًا عن تأثير الشخص الذي تسبب في الألم مع المطالبة بالحقوق بالطرق المناسبة، بدلًا من البقاء في انتظار ندمه أو اعتذاره. لأن تجاوز الخيانة أو الظلم لا يعني أن ما حدث كان بسيطًا، أو أن الإنسان نسي حقه، أو أن الطرف الآخر يستحق المسامحة، بل يعني القدرة على الاعتراف بالأذى والتعلم منه وحماية النفس والمضي قدمًا دون الاستمرار في إعادة إنتاج المعاناة لكي لا يبقى الشخص أسيرًا لتجربته السيئة.