بحث للدكتورة منى زريق يكشف تاريخ الإذاعة اللبنانية وحقيقة اكتشاف السيدة فيروز

آخر تحديث: الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 12:37 م بتوقيت القاهرة

أمجد مصطفى

الباحثة: الإذاعة اللبنانية كانت بمثابة معهد للموسيقى العربية

لم تكن الورقة البحثية التي تقدمت بها الدكتورة منى زريق الصائغ من لبنان مجرد بحث للمشاركة في مؤتمر الموسيقى العربية الـ34، بل تعد وثيقة مهمة تؤكد عددا من الحقائق عن دور الإذاعة اللبنانية في اكتشاف عدد كبير من أهم الأصوات اللبنانية.

كما أكد البحث حقيقة مكتشف مطربة لبنان الأولى عبر العصور، السيدة فيروز، وكشف عن دويتو غنائي جمع بين فيروز والمطرب المصري الكبير كارم محمود عام 1955 بعنوان «ذرياب».

في البداية، تحدث البحث عن الإذاعة اللبنانية باعتبارها ذاكرة لبنان، مؤكدة أن الإذاعة اللبنانية من أعرق الإذاعات العربية. وقد افتُتحت في الساعة السادسة من مساء يوم السبت 3-9-1938 باسم «راديو الشرق». وتُعتبر خزانا وطنيًا ومرجعا أساسيا للذاكرة السمعية في العالم العربي، فقد شكّلت استوديوهاتها، وخاصة الاستوديو الشهير رقم 6، محطة انطلاق ومختبرا صوتيا لأبرز نجوم الطرب والموسيقى في لبنان والعالم العربي، منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته.

وما زالت الإذاعة قائمة حتى يومنا هذا تحت مسمى «إذاعة لبنان»، وحملت أيضًا اسم «الإذاعة اللبنانية».

ومن استوديوهاتها انطلقت أصوات المطربين اللبنانيين والعرب. وكان الاستوديو الكبير هو الأهم في الوطن العربي، كما يقول البحث. فمنذ الأربعينيات وحتى السبعينيات، كانت الإذاعة مختبرا صوتيا، إذ لم يكن يحق لأي مطرب الغناء أو الحصول على رخصة تثبت أنه فنان إلا إذا حاز جواز مرور مختوما من لجنة تحكيم تقويمية صارمة، تحدد الشروط اللازمة لقبول واعتماد أي صوت جديد يستحق الوقوف داخلها. وكان على رأس اللجنة نخبة من الخبراء، أمثال زكي ناصيف، وتوفيق الباشا، ووليد غليمة، والأخوين رحباني، وحليم الرومي.

في تلك الإذاعة اللبنانية، قدم حليم الرومي الصوت الجديد، فيروز، إلى عاصي الرحباني وأخيه منصور، اللذين كانا يقدمان أعمالهما الأولى للإذاعة في ذلك الوقت. فقدماها في أغنية «عتاب»، التي لاقت نجاحًا كبيرا في لبنان. وبعدها سجلت فيروز مئات الأغاني.

وقد أعلن وزير الإعلام إطلاق اسم فيروز على الاستوديو رقم 6، الذي احتضن أعمالها، وكان في فترة معينة غرفة لتدريباتها. وما زالت تواظب على زيارة الاستوديو لإجراء تدريباتها هناك قبل أي حفل أو إطلاق أي عمل جديد لها.

وهنا لا بد من ذكر المكتشف الأساسي لفيروز، ففي أواخر الأربعينيات اكتشفها فنان موسيقي لبناني يدعى محمد فليفل، وهو من ذاعت موسيقاه وأغانيه الوطنية في العالم العربي، وأحد مؤسسي الكونسرفتوار اللبناني. وكان يجوب المدارس بحثا عن مواهب يقدمها إلى كورس الإذاعة، فأحاط فيروز بالعناية والتدريب، ودعاها للغناء عبر الإذاعة مع مجموعة من الصغار، ثم عمل على إلحاقها بمعهد الموسيقى «الكونسرفتوار».

وكان محمد فليفل يؤمن بقوة المدرسة التربوية المصرية، التي أثّرت في مواهب مثل عبد الوهاب وأم كلثوم، من خلال تجويد القرآن الكريم. فعلمها كيفية النطق والتجويد والمقامات، فاكتسبت فيروز مهارات ساعدتها بعد ذلك على تذوق اللغة العربية وأداء القصائد والموشحات، وتمكنت من المقامات الشرقية. وربما كان ذلك من أهم العوامل التي مهدت لصعود فيروز إلى قمة الغناء في العالم العربي.

وسرعان ما لفتت فيروز الأنظار عندما استمع إليها الفنان حليم الرومي، الذي كان مدير الإذاعة وقتها، وعرض عليها العمل مغنية في كورس الإذاعة. وقدّمها إلى الأخوين رحباني، وهو من اقترح إطلاق اسم «فيروز» عليها بدلا من اسمها الحقيقي، نهاد حداد.

أما وديع الصافي، فقد انطلق أيضا من الإذاعة، حسبما أكد البحث، عام 1938، حيث فاز بالمرتبة الأولى في اللحن والغناء والعزف، من بين أربعين متباريا، في مباراة نظمتها الإذاعة اللبنانية أيام الانتداب الفرنسي، بأغنية «يا مرسل النغم الحنون»، للشاعر المجهول آنذاك الأب نعمة الله حبيقة.

وكانت اللجنة مؤلفة من ميشال خياط، وسليم الحلو، وألبير ديب، ومحيي الدين سلام، الذين اتفقوا على اختيار اسم «وديع الصافي» اسمًا فنيا له، نظرًا إلى صفاء صوته.

وكانت إذاعة الشرق بمثابة معهد للموسيقى، تتلمذ فيه وديع على يد ميشال خياط وسليم الحلو، اللذين كان لهما الأثر الكبير في تكوين شخصيته الفنية.

ويعد هذا البحث للدكتور منى رزيق الصائغ، وثيقة مهمة للغاية؛ لأنه حسم عددا من النقاط التي ظلت مثار جدل لسنوات طويلة، من بينها هوية مكتشف فيروز: هل هو حليم الرومي، والد المطربة ماجدة الرومي، باعتباره صاحب أول لحن خاص بها، أم محمد فليفل، الذي اكتشفها بين طلاب المدارس، وهي لا تزال طفلة؟.

والبحث أكد أن فليفل هو صاحب الاكتشاف.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved