كيف تعيد السوشيال ميديا تشكيل نفسية المراهقين؟
آخر تحديث: الأحد 29 مارس 2026 - 1:50 م بتوقيت القاهرة
سلمى محمد مراد
أصدرت هيئة محلفين في ولاية كاليفورنيا حكمًا تاريخيًا ضد شركتي ميتا ويوتيوب، وحملتهم المسئولية الكاملة في قضية تتعلق باتهامهما بالتسبب في إدمان فتاة شابة والإضرار بصحتها النفسية.
وأوضحت حيثيات الحكم أن الشركتين كانتا مهملتين في تصميم منصاتهما، وعلى دراية بالمخاطر المحتملة في تصميمها، لكنها لم تتخذ الإجراءات الكافية للتحذير منها أو الحد من آثارها، الأمر الذي أدى إلى إلحاق ضرر كبير بالمدعية، وهي فتاة شابة تدعي كالي تبلغ من العمر 20 عاما، وقامت بمشاركة والدتها برفع دعوي ضد عدد من شركات التكنولوجيا، من بينها ميتا ويوتيوب وسناب شات وتيك توك.
وسائل التواصل الاجتماعي تعزز السلوك الإدماني
واتهمت الدعوى هذه المنصات بتعمد تصميم تطبيقاتها بطريقة تسبب الإدمان خاصة لدى الأطفال، مما أدى إلى معاناة "كالي" من القلق واضطراب تشوه صورة الجسد وأفكار انتحارية خلال طفولتها، وكانت منصتي سناب شات وتيك توك قد توصلتا إلى تسوية قبل بدء المحاكمة، وقررت هيئة المحلفين تحميل ميتا 70% من المسئولية عن الأضرار التي لحقت بالمدعية، مقابل 30% على يوتيوب، كما أوصت بتغريم ميتا تعويضات بقيمة 2.1 مليون دولار، ويوتيوب بنحو 900 ألف دولار.
وبحسب الجارديان، فمن المتوقع أن يفتح هذا الحكم الباب أمام مئات القضايا المماثلة، إذ تعتبر قضية "كالي" الأولى من بين أكثر من 1500 دعوى قضائية ضد شركات التواصل الاجتماعي تصل إلى مرحلة المحاكمة.
لذا تتزايد التساؤلات بشأن دور هذه المنصات في تشكيل وعي وسلوك النشء، خاصة في ظل هذا الجدل المتصاعد حول تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للمراهقين.
وتشير دراسة حديثة منشورة في مجلة الطب النفسي والاضطرابات النفسية، إلى أن خطورة وسائل التواصل الاجتماعي تتجلى في الطابع الإدماني لها بشكل واضح، خاصة لدى الأطفال والمراهقين، حيث تؤكد الدراسة أن نحو 24.4% من المراهقين تنطبق عليهم معايير إدمان هذه الوسائل، ويرتبط هذا الاستخدام القهري بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات الانتباه، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن الآثار طويلة المدى للإفراط في التعرض للشاشات، كما تسهم سهولة الوصول إلى هذه المنصات وآليات تخصيص المحتوى المعتمدة على الخوارزميات في تكريس دائرة مغلقة من الاستخدام المفرط، تعزز بدورها أنماطًا سلوكية إدمانية تشبه تلك المرتبطة باضطرابات تعاطي المواد المخدرة.
وفي هذا الشأن تواصلت "الشروق" مع الدكتورة نورهان يونس، أخصائية الإرشاد النفسي والتربوي، لمناقشة التأثيرات النفسية لوسائل التواصل على المراهقين، وتقديم حلولًا تساعد الأهل في حمايتهم.
أبرز الاضطرابات النفسية المرتبطة بالاستخدام المفرط للسوشيال ميديا
وتشير الدكتورة نورهان إلى أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بظهور عدد من الاضطرابات النفسية أبرزها القلق الاجتماعي، واضطراب صورة الجسد وتشتت الانتباه، مؤكدة أن المراهقين يعيشون حالة من المقارنة المستمرة بين حياتهم الواقعية وما يشاهدونه من صور مثالية مصنوعة، ما يعزز لديهم الشعور بالنقص والدونية.
وفي بعض الحالات قد تتطور هذه المشاعر إلى أفكار إيذاء النفس، خاصة عندما يدخل المراهق في فخ العزلة الرقمية، حين تغيب المساندة الأسرية والاجتماعية الواعية، وتقل الروابط الواقعية ويزداد التعرض لمحتوى قد يعزز مشاعر اليأس، ويحرض على إيذاء النفس كوسيلة للهروب من الضغوط النفسية.
كما تؤكد وجود زيادة ملحوظة في الحالات المرتبطة بالاستخدام المفرط خلال السنوات الأخيرة، وزيادة الشكاوى السلوكية المتعلقة بالعدوانية المفاجئة والانعزال الاجتماعي، لافتة إلى أن الفئة العمرية الأكثر تأثرًا تتراوح بين 12 و18 عامًا، موضحة أن السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة هذه المرحلة العمرية التي يسعى فيها المراهق لإثبات ذاته والحصول على القبول الاجتماعي، وهو ما توفره المنصات بشكل سريع عبر الإعجابات والتفاعلات، مما قد يدفعه للاعتماد عليها عاطفيًا بشكل مفرط.
كما توضح أن المعيار الأساسي للتفرقة بين الاستخدام الطبيعي والمرضي لوسائل التواصل الاجتماعي يتمثل في "التعطيل الوظيفي"، حيث لا يؤثر الاستخدام الطبيعي على أداء المراهق لحياته اليومية بمرونة، بينما يتحول الاستخدام إلى مرضي أو قهري عندما يؤدي إلى إهمال الطفل أو المراهق للواجبات المدرسية، واضطراب في النوم والساعة البيولوجية، وضعف التواصل الأسري أو فقدان الرغبة في التواصل المباشر معهم، إضافة إلى الشعور بالتوتر عند الابتعاد عن الهاتف، وهي أعراض تعرف بالانسحاب السلوكي.
كيف يمكن للأهل وضع حدود صحية دون صدام مع الأبناء؟
وتشدد أخصائية الإرشاد النفسي على أهمية الابتعاد عن الأسلوب القائم على الأوامر المباشرة، وتقترح استبداله بما تسميه "التعاقد التربوي"، حيث يتم الاتفاق مع الأبناء على قواعد استخدام واضحة ومفهومة للتكنولوجيا، مع توضيح لماذا نضع هذه الحدود.
كما تنصح بتطبيق نظام "المناطق الآمنة"، مثل منع استخدام الهواتف أثناء تناول الطعام أو داخل غرف النوم بعد ساعة معينة، مع ضرورة أن يكون الأهل قدوة في الالتزام بهذه القواعد أولا، وذلك بهدف إشعار المراهق بالمسئولية الذاتية لا بالخضوع للمنع.
وتؤكد أهمية تبني استراتيجية "الذكاء الرقمي" كمدخل لحماية الأجيال الجديدة، والذي يقوم على عدة محاور من بينها تشجيع الأنشطة البديلة كالرياضة والهوايات اليدوية التي تمنحهم إنجازًا ملموسًا بعيدًا عن الشاشات، مع فتح حوار واعٍ مع الأبناء حول طبيعة عمل هذه المنصات وأنها مصممة لجذب انتباههم؛ ليكونوا على دراية ووعي للعبة النفسية التي تمارس عليهم.
وتختتم حديثها بضرورة تحديد وتقنين أوقات الاستخدام بشكل منظم وتوجيه المراهق لاستخدام التكنولوجيا كأداة للتعلم والبحث بدلًا من الاستهلاك السلبي فقط، إلى جانب توفير الدعم النفسي داخل الأسرة، مشيرة إلى أن المراهق الذي يشعر بالاحتواء والدعم العاطفي داخل الأسرة يكون أقل عرضة للانجراف نحو الاستخدام الضار للتكنولوجيا، لتعويض النقص من خلال التكنولوجيا.