من حرائق الغابات إلى موجات الحر.. تغير المناخ يعيد رسم خريطة البطولات الرياضية
آخر تحديث: الأربعاء 29 يوليه 2026 - 1:08 م بتوقيت القاهرة
رنا عادل
اجتاحت حرائق الغابات جنوب غرب فرنسا، والتهمت مساحات واسعة من الغابات كما أجبرت آلاف السكان على مغادرة منازلهم، ولم تتوقف آثارها عند ذلك، بل وصلت إلى عالم الرياضة؛ وذلك بعدما اضطر منظمو سباق فرنسا للدراجات إلى تغيير مسار المرحلة الأخيرة.
وبحسب تقرير مجلة "تايم" الأمريكية، أصبحت مثل هذه المواقف تتكرر مع تزايد تأثير الظواهر الجوية المتطرفة في الأحداث الرياضية، ورغم تتويج تادي بوجاتشار باللقب الخامس له، إلا أن الأضواء لم تتجه إلى الفائز بقدر ما اتجهت إلى حرائق الغابات وتداعياتها، التي فرضت نفسها بوصفها القصة الأبرز في نهاية السباق.
تقليص مسار السباق تضامنا مع المتضررين
وفقا للتقرير، كان من المقرر أن تكون مسافة المرحلة الأخيرة من السباق 133 كيلومترا، لكن المنظمين قرروا تقليصها إلى 89 كيلومترا فقط.
وانطلقت مراسم تقديم الدراجين في مدينة ثويري قبل نقلهم بالحافلات إلى باريس، حيث أقيم السباق بالكامل داخل العاصمة الفرنسية عبر عدة لفات شملت دورتين إضافيتين في شارع الشانزليزيه.
وجاء القرار قبل أقل من 24 ساعة من انطلاق المرحلة الأخيرة، بهدف إتاحة الفرصة لعناصر الأمن وفرق الطوارئ للتركيز على مكافحة حرائق الغابات بدلا من تأمين السباق، حيث أوضح منظمو البطولة، في بيان، أن تعديل المسار جاء تضامنا مع المناطق والسكان المتضررين من الحرائق.
الحرارة لم تكن التحدي الوحيد
ولم تكن حرائق الغابات أول أزمة مناخية تواجه السباق هذا العام، إذ سبق أن جرى تقليص المرحلة التاسعة بنحو 30 كيلومترا بسبب موجة حر شديدة.
وعبر عدد من المتسابقين عن مخاوفهم من درجات الحرارة المرتفعة، ومن بينهم اللاعب بوجاتشار، الذي اقترح إقامة السباقات في ساعات الصباح الباكر أو إعادة النظر في موعد الموسم الرياضي لتجنب أشد فترات الصيف حرارة، وأنه لو كان القرار بيده فلن يجعل مواعيد السباقات خلال شهري يوليو وأغسطس في المناطق شديدة الحرارة، لكن مدير السباق أوضح أن تغيير موعد البطولة ليس أمرا ممكنا بسبب ارتباطه بتصاريح الجهات الحكومية وجدول البث التلفزيوني والعوائد الاقتصادية التي تعتمد عليها البطولة.
الرياضة تتأقلم مع الواقع الجديد
وتقول مادلين أور، الباحثة في مجال بيئة الرياضة بجامعة تورنتو، إن السنوات الأخيرة شكلت نقطة تحول بعدما أصبحت الأحداث الرياضية تتأثر بصورة متكررة بتغير المناخ؛ ففي بطولة أستراليا المفتوحة للتنس عام 2020، انهارت اللاعبة داليلا ياكوبوفيتش داخل الملعب بسبب تلوث الهواء الناتج عن حرائق الغابات، كما واجه الرياضيون في أولمبياد طوكيو درجات حرارة مرتفعة وصلت إلى نحو 32 درجة مئوية.
وطالت التغييرات استعدادات الرياضيين قبل المنافسات أيضا؛ ففي سياق فرنسا مثلا، استخدمت بعض الفرق حمامات الثلج مباشرة بعد انتهاء المراحل لمساعدة الدراجين على خفض حرارة أجسامهم وتسريع التعافي.
ويرى خبراء أن آثار تغير المناخ ستمتد إلى رياضة الأطفال أيضا، مع احتمال تغيير مواعيد التدريبات والمنافسات وطريقة ممارسة كل الأنشطة الرياضية مستقبلا، وليس فقط البطولات الكبرى.
تغييرات في اللوائح والمنشآت الرياضية
وبحسب التقرير، يتوقع الخبراء أن تصبح إجراءات التكيف مع تغير المناخ جزءا أساسيا من تنظيم البطولات الرياضية خلال السنوات المقبلة، حيث صرح صامويل هامبتون، الباحث الرئيسي في معهد التغير البيئي بجامعة أكسفورد، بأن صيف اليوم قد يكون الأبرد مقارنة بما ستشهده العقود المقبلة، مضيفا أن درجات الحرارة ستواصل الارتفاع، ما سيجعل تنظيم البطولات الرياضية أكثر صعوبة عاما بعد آخر.
وبدأت بعض الجهات المنظمة في اتخاذ إجراءات جديدة لحماية اللاعبين بالفعل، إذ فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، للمرة الأولى، فترات توقف قصيرة لشرب المياه خلال مباريات كأس العالم التي أقيمت في أمريكا الشمالية بسبب الحرارة والرطوبة المرتفعتين، كما تعرضت المباراة النهائية للبطولة لخطر تأثرها بالدخان القادم من حرائق الغابات في كندا.
وفي الولايات المتحدة، يتجه دوري كرة القدم الأمريكية إلى زيادة الاعتماد على الملاعب المغطاة أو المزودة بأسقف متحركة، مع توقع تحديث عدد كبير من الملاعب بحلول عام 2030.
أما في سباقات الفورمولا 1، فقد بدأ تطبيق قواعد جديدة خلال جائزة النمسا الكبرى، تلزم السائقين باستخدام أنظمة تبريد داخل السيارات عند ارتفاع مخاطر الإجهاد الحراري.
المشجع يدفع الثمن أيضا
ولا يقتصر تأثير الطقس المتطرف على الرياضيين، إذ يواجه المشجعون هم أيضا تحديات متزايدة مثل الوقوف لساعات طويلة تحت أشعة الشمس وتحمل درجات حرارة مرتفعة أثناء حضور المباريات والبطولات.
كما قد تؤدي الاستثمارات في تطوير الملاعب أو تطبيق إجراءات الحماية من الحرارة إلى زيادة تكاليف تنظيم الأحداث الرياضية، وهو ما سينعكس في النهاية بالطبع على أسعار التذاكر.
وفي بعض الحالات، قد يُحرم الجمهور من الحضور بالكامل، كما حدث خلال إحدى مراحل سباق فرنسا هذا العام، عندما طلب من المشجعين عدم التوجه إلى آخر 40 كيلومترا من السباق لتقليل الضغط على قوات الأمن وإتاحة مزيد من الموارد لمواجهة حرائق الغابات.