موعدنا في شهر آب.. رواية تقدم مفاجأة حقيقية لقراء جابرييل ماركيز حول العالم
آخر تحديث: الأربعاء 29 يوليه 2026 - 6:17 م بتوقيت القاهرة
محمود عماد
يمتلك جابرييل جارسيا ماركيز، حضورًا طاغيًا في الأدب العالمي، جعل اسمه مرتبطًا بتاريخ الرواية الحديثة، وجعل أعماله حاضرة في ذاكرة القراء حول العالم عبر سنوات طويلة.
وتزخر مسيرة ماركيز، بالعديد من الأعمال الروائية والقصصية التي شكلت مشروعه الأدبي، والتي كتبها خلال محطات حياته المختلفة، منذ البدايات الأولى وحتى الرحيل، ليترك خلفه عالمًا سرديًا خاصًا لا يشبه إلا نفسه.
رحل ماركيز عام 2014 بعد حياة حافلة بالكتابة والنجاح والصخب، تاركًا وراءه عددًا كبيرًا من الأعمال ذائعة الصيت، لكن بعد عشر سنوات كاملة من رحيله، عاد الكاتب الكولومبي الأشهر إلى الواجهة من جديد، مع اكتشاف رواية لم تُنشر من قبل، أو كما وصفتها عائلته بأنها هدية ماركيز الأخيرة لقرائه من القبر.
ويأتي الحديث هنا عن رواية «موعدنا في شهر آب» التي صدرت عام 2024، ثم صدرت ترجمتها العربية عن دار تنوير، بترجمة وضاح محمود، لتصبح مفاجأة حقيقية لقراء ماركيز حول العالم.
وندخل منذ المقدمة الموقعة باسم رودريجو وجونثالو ماركيز، أبناء الكاتب، إلى حالة خاصة؛ فهي تبدو، بشكل ما، محاولة للتبرؤ أمام ماركيز نفسه من قرار نشر الرواية التي لم يرغب، في حياته، في نشرها.
ويتحدث الابنان عن الذاكرة، تلك الأداة الأهم في عالم ماركيز، والتي بدأت تخونه مع تقدم العمر، وعن حضور الشيخوخة الإنسانية التي انتزعت من العالم ذلك الكاتب المتوهج، لكنهما قررا، في مغامرة أدبية، أن يمنحا هذه الرواية فرصة أخرى، في مفارقة تبدو وكأنها خرجت من عالم ماركيز نفسه.
بطلة الرواية هي آنا مجدلينا باخ، السيدة المتزوجة التي تذهب في السادس عشر من شهر آب كل عام لوضع باقة من الزنبق على قبر أمها في إحدى الجزر النائية، ثم تمضي ليلتها هناك في أحد الفنادق.
وتتغير حياة آنا في أحد الأعوام عندما تقابل عشيقًا سريًا تختاره مصادفةً لوجودها في المكان، وتقضي معه ليلة عابرة، لكنه يكسر داخلها شيئًا عميقًا عندما يترك لها ورقةً مالية.
وتشعر آنا عندها أن اللحظة التي بحثت عنها فقدت معناها، وأنها تحولت، في نظر نفسها، إلى امرأة اختُزلت في مقابل مادي، بعدما كانت تبحث عن معنى آخر للرغبة والحرية.
وتبدأ منذ تلك اللحظة حياة آنا في التغير؛ فزواجها المستقر يبدأ في التفكك تدريجيًا، وتبدأ في مساءلة زوجها عن الخيانة، وعن نظرته إلى المرأة التي قد يقضي معها رجل ليلة عابرة، في محاولة لفهم الجرح الذي تركته تلك الليلة الأولى بداخلها.
في الأعوام التالية تصبح عادة آنا في قضاء ليلة واحدة مع عشيق مختلف كل عام كاشفة لشخصيتها، ولتلك الجزيرة الكاريبية النائية، وللرجال الذين يعبرون حياتها ثم يختفون.
وفي النهاية تكتشف آنا، أن أمها ربما جاءت إلى هذه الجزيرة للسبب ذاته الذي يدفعها هي إلى العودة كل عام، وكأن التاريخ يعيد نفسه بين امرأتين تفصل بينهما سنوات العمر. وعندما تقرر استخراج رفات أمها، تمتزج الحياة بالموت، معلنةً انتهاء مغامرات آنا مجدلينا باخ.
عند الانتهاء من رواية «موعدنا في شهر آب» يمكن التأكيد على أنها قطعة من عالم ماركيز الأدبي الذي صنعه طوال مسيرته الكتابية.
فيما تظهر هنا رائحة الكاريبي بوضوح، ويفوح الزنبق من بين الصفحات، ويحضر المجتمع الأمريكي الجنوبي بكل تناقضاته، كما يحضر الصراع مع القيود الاجتماعية والتقاليد في عالم الرواية، وربما يكون السؤال الأهم في النص هو: ما معنى الحب بالنسبة لمن تقدموا في العمر؟ وهل تنتهي الرغبة مع انقضاء الشباب؟
لغة الرواية بسيطة، كما عودنا ماركيز؛ فهو الكاتب الذي يملك قدرة نادرة على الكتابة بسلاسة لا تخفي عمقها، لكنها، في الوقت ذاته، لغة نابعة من عالم الرواية، معبرة عنه.
وعند التوقف أمام كلمة المحرر كريستوبال بيرا، نكتشف أن «موعدنا في شهر آب» كانت مشروعًا روائيًا ظهر للمرة الأولى عام 1999، ثم ظهرت مرة أخرى حين قرأ ماركيز فصلها الأول في إحدى الندوات التي شارك بها.
كما يوضح المحرر أنه لم يغير في الرواية، وإنما اعتمد على المسودات التي كتبها ماركيز نفسه. ومن خلال ملاحظاته نعرف أيضًا أن الرواية تمثل، بشكل ما، امتدادًا لرواية «ذكرى غانياتي الحزينات»، آخر رواية نشرها ماركيز في حياته.
كما أنه ربما يجعلنا ذلك نعيد النظر في فكرة أنها رواية خرجت من القبر؛ فهي ليست كذلك تمامًا، بل رواية ضائعة طوتها السنوات، حتى كأن كاتبها نفسه نسيها، ثم عادت إلى الواجهة بالصدفة بعد رحيله.
يذكر أن «موعدنا في شهر آب»، رواية تؤكد أن الكاتب يكتب خلوده من خلال أعماله، وأنه قادر على العودة في كل مرة تُفتح فيها صفحاته ويُعاد اكتشاف عالمه. لكنها تذكرنا، في الوقت ذاته، بأن لكل إنسان خريفه الخاص، ولكل قصة نهاية.