كيف حاول مركز أبحاث وهمي التأثير على الذكاء الاصطناعي لنشر روايات مؤيدة لإسرائيل؟‬

آخر تحديث: السبت 29 أغسطس 2026 - 1:48 م بتوقيت القاهرة

رنا عادل

كشف تحقيق لصحيفة جارديان عن موقع إلكتروني مؤيد لإسرائيل، ينشر محتوى في صورة أبحاث محايدة باسم معهد أبحاث يعرف بمعهد هانوفر للسياسات العامة، رغم عدم وجود ما يثبت أنه كيان قانوني في أي دولة، وذلك في إطار حملة أوسع تهدف إلى التأثير على طريقة إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي في القضايا المتعلقة بإسرائيل.

وبحسب التحقيق، نشر الموقع أكثر من نصف مليون كلمة خلال 9 أيام فقط، وتناول عدة موضوعات من بينها تعذيب الأسرى الفلسطينيين، وجرائم الحرب الإسرائيلية، وما إذا كانت إسرائيل تعمدت تجويع الفلسطينيين في قطاع غزة، وقدم هذه الموضوعات في قالب بحثي يبدو محايدا.

- أكثر من 560 ألف كلمة خلال 9 أيام


ووفق تحليل الجارديان، نشر الموقع بين 6 و14 أغسطس 2026 نحو 124 تقريرا، بلغ إجماليها أكثر من 560 ألف كلمة بمتوسط يقارب 4500 كلمة للتقرير الواحد.

وشهد الموقع نشاطا مكثفا بصورة خاصة يومي 12 و13 أغسطس، عندما نشر 73 تقريرا بلغ مجموعها نحو 354 ألف كلمة خلال يومين فقط، قبل أن يتوقف عن نشر مواد جديدة منذ ظهور أول تقارير تتناول الموقع.

وجاءت جميع العناوين تقريبا في صورة أسئلة يمكن أن يطرحها المستخدمون على نماذج الذكاء الاصطناعي مثل: هل معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية؟، وهل طردت إسرائيل الفلسطينيين من أراضيهم؟، وهل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة؟.

ورغم أن التقارير تستخدم أسلوبا قريبا من الأبحاث الأكاديمية، ومعلوماتها تستند إلى منظمات دولية فإن التحقيق أشار إلى أن طريقة توظيف المعلومات تميل بصورة منتظمة إلى تخفيف الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل.

- معهد لا عنوان له ولا موظفين معروفين


وينشر المحتوى باسم معهد هانوفر للسياسات العامة، إلا أن التحقيق لم يجد ما يشير إلى وجود المعهد ككيان قانوني في أي ولاية قضائية، بالإضافة إلى أن الموقع لا بحتوي على عنوان واضح للمعهد، ولا حتى على أسماء العاملين فيه أو أسماء مؤلفي التقارير، كما تنص شروط الاستخدام الخاصة به على أن الموقع يخضع لقوانين الدولة التي يوجد بها المعهد من دون تحديد تلك الدولة.

ورصد الموقع لأول مرة في 14 أغسطس، ليضيف المعهد بعد ذلك صفحة جديدة بعنوان التمويل أشار فيها إلى أن الموقع كان قد ذكر في نسخة سابقة من الصفحة أنه يعمل دون تمويل خارجي، موضحا أن هذه المعلومة كانت صحيحة وقت نشرها.

- صياغة تبدو محايدة لكنها تخفف الانتقادات


ولاحظ الباحث نيك كليفلاند ستوت من معهد كوينسي، أن الموقع يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مؤسسة بحثية حقيقية، بفضل تصميمه وشعاره وطريقة عرض التقارير، لكنه يرى أن قراءة المحتوى بتعمق تكشف مشكلات في طريقة صياغة المحتوى.

وبحسب تحليل الجارديان، تتبع التقارير أسلوبا متكررا عند تناول الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل، إذ تشير إلى أن المحاكم لم تصدر أحكاما نهائية بشأن بعض هذه الاتهامات، مثل الإبادة الجماعية والفصل العنصري، حتى في الحالات التي خلصت فيها منظمات حقوقية إلى أن إسرائيل ترتكب هذه الممارسات.

كما استخدم الموقع في 55 تقريرا عبارة "طرف في الأحداث" عند الإشارة إلى أرقام الضحايا أو المساعدات، سواء كانت هذه الأرقام تخص الإسرائيليين أو الفلسطينيين، وهو ما قد يترك لدى القارئ انطباعا بأن الأمر ملتبس ويصعب معه التحقق من الجهة التي تخصها هذه الأرقام.

-دراسة واحدة تكررت مئات المرات


ورصد التحقيق استخدام دراسة تعود إلى عام 2022 تناولت التعليقات المعادية للسامية على صفحات وسائل إعلام بريطانية وفرنسية وألمانية على فيسبوك بصورة متكررة، حيث تم الاستشهاد بها 454 مرة في 88 تقريرا من أصل 124، بما في ذلك تقارير تتناول موضوعات تبدو غير مرتبطة بها مباشرة، مثل تسجيل الأراضي في الأراضي المحتلة،وعدد القتلى في غزة، وعمليات التهجير عام 1948. ويرى كليفلاند ستوت أن تكرار الدراسة يترك أثرا يوهم المتلقي بأن مناقشة الموضوع نفسه قد تسهم في معاداة السامية.

-استهداف روبوتات الذكاء الاصطناعي


ووجدت الجارديان في البداية ملفا على الموقع يحمل اسم llms.txt، وهو ملف مخصص لإخبار أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يحتويه الموقع وكيفية قراءته، إلا أن الملف كان في الأصل نسخة قياسية تابعة لشركة Res، وهي منصة تجارية تصف نفسها بأنها تساعد فرق الشركات على زيادة فرص الاستشهاد بمحتواها من جانب روبوتات الذكاء الاصطناعي، وبعد نشر التحقيق استبدل الملف بنسخة مخصصة للقراءة الآلية واختفى اسم Res من الموقع.

-من نتائج البحث إلى بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي


وأوضح كليفلاند ستوت أن الهدف قد يتجاوز جعل روبوتات الذكاء الاصطناعي تستشهد بالموقع، إلى إدخال هذا المحتوى في قواعد البيانات التي تستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ومن أبرز هذه القواعد "كومن كراول" الذي يجمع كميات ضخمة من صفحات الإنترنت. ووجد التحقيق أن 7 مواقع مرتبطة بحملة مماثلة ظهرت 294 مرة في فهرسه لشهر يوليو، وهو ما يشير إلى إمكانية وصول هذا النوع من المحتوى إلى البيانات التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.

ولكن على الجانب الآخر وبعد رصد موقع معهد هانوفر، أجرت الجارديان اختبارات على روبوتات الذكاء الاصطناعي، وأظهرت النتائج أن الجدل المحيط بالمعهد بدأ بالفعل في الظهور ضمن الإجابات، فعند سؤال شات جي بي تي عن أبحاث حديثة نشرها المعهد، قدم الروبوت روابط إلى 4 تقارير، لكنه أضاف تحذيرا من أن المعهد يواجه جدلا كبيرا بشأن من يموله مع الإشارة إلى تقارير معهد كوينسي التي تناولت الموقع.


-حملة أوسع بملايين الدولارات


وتكشف الإفصاحات المقدمة إلى وزارة العدل الأمريكية أن موقع معهد هانوفر جزء من حملة أوسع تعمل لصالح الحكومة الإسرائيلية، وتشارك فيها شركات متخصصة في الإنتاج الإعلامي والتسويق والإعلان الرقمي وإدارة الحملات على وسائل التواصل الاجتماعي.

وشملت الحملة أيضا محتوى دعائيا على وسائل التواصل الاجتماعي حصد أحد مقاطعه 28.1 مليون مشاهدة على يوتيوب، وبالرجوع إلى سجلات المشتريات الحكومية الإسرائيلية المنشورة، وجدت الجارديان أن وكالة الإعلان الحكومية "لابام" منحت شركات إعلانية عقودا بملايين الدولارات للتخطيط وشراء الإعلانات في الخارج.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved