هل تنجح تجربة زراعة أجزاء من مخ بشري في رأس فأر؟
آخر تحديث: الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 2:18 م بتوقيت القاهرة
سان فرانسيسكو - (د ب أ)
أجرى فريق من الباحثين في الولايات المتحدة تجربة علمية فريدة من نوعها، حيث قاموا بزراعة أنسجة من مخ بشري داخل رؤوس فئران مع توصيلها بالشبكات العصبية لتلك القوارض، بهدف البحث عن علاجات للعديد من المشكلات والأمراض العصبية التي تتطلب استزراع أنسجة من المخ البشري في المختبرات العلمية وإخضاعها لبحوث وتجارب دوائية مختلفة.
ويقول الباحث سيرجيو باسكا المتخصص في طب الأعصاب بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الأمريكية إن تلك الحيوانات الهجينة تشكل فرصة غير مسبوقة لاختبار أدوية معينة ودراسة أمراض ناجمة عن نمو المخ بشكل غير طبيعي مثل الشلل الدماغي، مضيفا في تصريحات للموقع الإلكتروني Nature المتخصص في البحوث العلمية: "لدينا الآن منظومة قوية للغاية لفهم طريقة تفرد العقل البشري والتعرف على الأمراض المختلفة التي يصاب بها".
ورغم أن فكرة زراعة خلايا أو أنسجة بشرية داخل رؤوس الحيوانات قد يثير شعوراً بالقلق أو يطرح قضايا أخلاقية جدلية لدى البعض، يؤكد باسكا أن الباحثين المشاركين في الدراسة اتخذوا إجراءات احترازية عديدة قبل تنفيذ التجربة، كما أن هذه الدراسة تخضع لرقابة لجان أخلاقية مستقلة متخصصة في مجال الأبحاث البيولوجية.
وأوضح أن الهدف من هذه الدراسة ليس "خلق فئران فائقة الذكاء، ولكن الغرض يتمثل في دراسة خلايا المخ البشري في بيئة واقعية داخل جسم حي، حتى يتسنى فهم المنظومة العصبية للانسان والأمراض التي يمكن أن تصاب بها".
وفي عام 2022، أجرى باسكا والفريق البحثي المشارك في الدراسة تجربة لزراعة أنسجة من مخ بشري في رؤوس فئران حديثة الولادة من أجل السماح للخلايا العصبية للمخ البشري أن تتواصل مع المسارات العصبية في أجسام تلك الفئران، وبعد ذلك بعامين، قامت المجموعة البحثية بدراسة مدى استجابة هذه الفئران لبعض أنواع الأدوية التي تعرف باسم "النيوكليوتيدات " في علاج مرض "متلازمة تيموثي"، وهي مرض عقلي وراثي خطير يرتبط بالتوحد وبعض أنواع الصرع.
وخلال تلك التجربة المبكرة، قام الباحثون بزراعة أنسجة المخ البشري داخل أمخاخ فئران اكتمل نموها بالفعل، بمعنى أن خلايا المخ الطبيعية في رؤوس تلك القوارض كانت قد شغلت معظم المساحة داخل الرأس. ولكن في التجربة الأخيرة، قامت المجموعة البحثية بتخليق فئران معالجة جينيا ليس لديها الخلايا السلفية أو الجذعية التي تتحول في طور النمو إلى خلايا القشرة الدماغية داخل رأس الفأر، مما أدى إلى ترك مساحة خالية في رؤوس هذه الفئران.
ويقول جيورجيو كوادراتو الباحث المتخصص في علم الأعصاب المعرفي التنموي بجامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجليس إن القشرة الدماغية هي الجزء الخارجي من المخ المسؤول عن وظائف معرفية مهمة مثل التفكير المركب والذاكرة.
وتبين من التجربة أن الخلايا البشرية المزروعة في رؤوس الفئران الصغيرة نمت بالفعل بشكل جيد، حيث زاد حجمها بواقع خمسة أمثال خلال فترة تتراوح ما بين شهرين وثلاثة أشهر، حيث شغلت أكثر من 90% من المساحة الخالية في رأس الفأر، بل وامتدت منها تفريعات عصبية والتحمت بالحبل الشوكي لهذه الفئران.
ويقول باسكا إن الأنسجة البشرية المزروعة تحولت إلى خلايا عصبية متخصصة من نوعية خلايا"فون إيكونومو" المرتبطة بالتواصل الاجتماعي المعرفي عند الانسان وبعض الحيوانات، علماً بأنه لم ينجح العلماء من قبل في استزراع هذه النوعية من الخلايا المتخصصة داخل المختبرات العلمية، مضيفا: "من المعتقد أن هذه النوعية من الخلايا ترتبط بالعديد من الاضطرابات التنكسية العصبية ولاسيما مرض الخرف الجبهي الصدغي".
ومن أجل التقين من إمكانية داراسة الأمراض البشرية من خلال الخلايا المزروعة في رؤوس فئران التجارب، قام الباحثون بتعريض هذه الفئران الصغيرة لبعض الظروف التي تحفز الإصابة بالشلل المخي مثل نقص الأوكسجين، واتضح أن الفئران التي تحمل أنسجة بشرية فقط أصيبت باختلالات في الوظائف الحركية تؤدي إلى الإصابة بالشلل على غرار حالات المرضى المصابين بمرض الشلل الدماغي، مما يدل بالفعل على أن الأنسجة المزروعة يمكن أن تسمح لفرق الأطباء والباحثين بإجراء دراسات قد تفضي في مراحل لاحقة إلى اكتشاف علاجات لمثل هذه الأمراض.
ومن جانبها، تقول سارة تشان اخصائية أخلاقيات الابحاث البيولوجية بجامعة أدنبرة البريطانية في تصريحات لموقع "نيتشر" إنه بالرغم من أن المخلوقات الخيمرية، أي التي تحتوي على مجموعات مختلفة من الأنسجة الحية، تستخدم بالفعل في الأبحاث العلمية منذ عقود، فإن الشعور بالقلق ينبع من فكرة تخليق كائنات هجينة ذكية تجمع بين الصفات البشرية والحيوانية.
ولكن الباحث كوادراتو يؤكد أنه لا توجد أي مسببات للقلق من احتمال أن تتحول تلك الفئران إلى حيوانات واعية، موضحا أن "الجدول الزمني لنضج الخلايا العصبية للبشر والفئران مختلف تماما، وأن التعارض الكبير بين النوعين لن يسمح مطلقا بحدوث أي انسجام بين النوعين مما يسمح للمخ الهجين بالقيام بوظائف المخ البشري في نهاية المطاف".
وعلى الرغم من مخاوف خبراء الأخلاقيات العلمية من احتمالات نمو القشرة المخية لبعض الحيوانات الهجينة بشكل مركب يفوق التوقعات أو احتمال أن تعمد بعض المجموعات البحثية إلى تكرار هذه التجارب في رؤوس ثدييات تشبه البشر مثل القردة العليا على سبيل المثال، فإن الباحث باسكا يرى أن مثل هذه الأبحاث لها دائما ما يبررها وهو السعي لاكتشاف علاجات جديدة لأمراض تصيب المخ البشري، ولا يجد لها الاطباء والعلماء علاجا بالوسائل التقليدية حتى الآن.