«فابريكة سركيسيان».. رواية تبحث في الذاكرة
آخر تحديث: الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 12:02 ص بتوقيت القاهرة
محمود عماد
محمود عبده يطرح في روايته فكرة الهوية عبر الحديث عن العمارة التاريخية
ماذا لو أمكن للإنسان أن يعود إلى الماضي، لا عبر الذاكرة أو الحكايات، وإنما عبر صورة تستعيد ما مضى؟ ربما يكون ذلك محاولة للإمساك بالذاكرة قبل أن تنفلت مع مرور الزمن.
من هذه الفكرة تنطلق رواية «فابريكة سركيسيان» للكاتب والفنان التشكيلي محمود عبده، والصادرة حديثًا عن دار الشروق، حيث تبدأ الرواية في أجواء أقرب إلى الرواية البوليسية، قبل أن تتسع تدريجيًا لتدخل إلى عوالم تمتزج فيها الفانتازيا باليومي، وتصبح الرحلة محاولة للإمساك بالذاكرة واستعادة الماضي.
تبدأ الأحداث في أجواء بوليسية، حيث يجد الراوي، الذي سنعرف مع تطور الأحداث أنه كاتب، جثة صديقه حسن غارقة في دمائها، لكن الصدمة الحقيقية تحدث للقارئ حين تختفي الجثة عند وصول الشرطة، ويصبح مسرح الجريمة خاليًا.
هنا نظن أن الرواية تعدنا بحكاية جريمة، خاصة أن السرد يتتابع في شكل أقرب إلى الأحجية، حيث يعود الراوي إلى ذكريات عاشها هو وصديقه حسن في الأيام التي عاصرت بداية سكنه في المجمع السكني الذي وقعت فيه الجريمة.
ولأن الراوي يأخذ شكل المحقق، ننخدع في البداية بأن الرواية ستدور حول حل لغز الجريمة، لكننا، مع الفلاش باك الذي يتخلل السرد، سنكتشف أن الرواية أوسع في عالمها من مشهد الجثة الغارقة في دمائها.
في المجمع السكني العتيق بوسط البلد، نكتشف شخصيات الرواية؛ فنرى صفوت، حارس المجمع الذي يبالغ في الإجراءات الأمنية، وثريا، السيدة التي تؤجر للراوي الشقة التي يسكنها، وحفيدتها سعاد، التي ترتبط بعلاقة وصفها الراوي بالهلامية مع صديقه حسن، الذي يتواجد مرسمه في المجمع.
يبدو هذا المجمع، وبعد تعاطينا مع الشخصيات التي يختارها الكاتب، أشبه بعودة إلى الذاكرة ومحاولة للإمساك بما مضى، في أجواء من النوستالجيا؛ فالمعمار من زمن آخر، والشخصيات تتعاطى مع الفن بشكل أو بآخر.
نجد الراوي كاتبًا، وصديقه حسن رسامًا، وسعاد تحب الرسم والكتب، وثريا مرتبطة بالصور عبر حبيب قديم لها يدعى أدهم، وبصناعة الشموع التي تنبثق منها العطور.
هنا تتقاطع الفنون مع بعضها، وكأننا في حيز خارج العالم الذي نعيش فيه، الذي صار، ولو بأحد أشكاله، بعيدًا عن هذا العبق القديم الذي نلمسه في الرواية.
مع اكتشاف آلة العرض البصرية النادرة التي تشبه البروجيكتور، والتي سنكتشف مع الوقت أنها من صنع «فابريكة سركيسيان»، وهي آلة تمتلك قدرة على بعث الحياة في شرائح التصوير القديمة، تبدأ الذكريات في ملاحقة الرواية، وتبدأ ثريا في استعادة ذكرى حبيبها القديم، الذي حاول دائمًا توثيق اللحظة والإمساك بالزمن عبر الصورة.
من هذه النقطة تبدأ الرواية في طرح سؤال شديد الفلسفية: هل يمكن للصورة أن تحفظ الزمن؟ وهل يمكن أن تبقى الذكرى متجددة في عقولنا وقلوبنا، حتى لو مرت السنوات على الحدث، وتلاشى الأشخاص الذين يكونون الذكرى ذاتها؟
يتم ذلك عبر امتزاج التفاصيل البسيطة واليومية بالأحلام وبعض المشاهد التي نلمس فيها الفانتازيا، ومثالًا عليها مشهد الكرنفال الذي يحدث في فناء المجمع السكني، والرجل الذي يظهر فيه ويشبه الساحر.
تطرح الرواية أيضًا سؤالًا حول فكرة الهوية عبر المعمار، حيث نرى ذلك الحنين لما مضى من شكل مصر في زمان ولى، سواء في العمارة الخديوية أو الإسلامية في نهاية الرواية.
ويمكننا القول إن الرواية تحاول أن تلقي الضوء على تغير الأماكن، وعلى اندثار التاريخ، سواء بفعل السنوات أو عبر البشر أنفسهم الذين لا يهتمون بالهوية والعمارة والجمال.
ويمكننا فهم ذلك عبر «جماعة سوس النسيان»، الجماعة السرية التي تشوه التاريخ وتريد محو الماضي، وهنا يحاول الكاتب جعلها رمزًا يسقط عليه كل ذلك.
في النهاية، عندما نتتبع الأحداث حتى نهايتها، نجد أن رواية «فابريكة سركيسيان» لم تكن عملًا بوليسيًا يتحرى عن جريمة، وإنما عملًا أرحب من ذلك؛ رواية تبحث في الذاكرة والهوية والماضي، وتحاول البحث عنها، وبشكل ما الإمساك بها.
هنا يقدم محمود عبده روايته بلغة سلسة، دون فلسفة زائدة أو تقعير لغوي، حيث يغلب على اللغة البساطة وعدم الزخرفة غير اللازمة، مع غلبة المشهدية السينمائية على الوصف، الذي يصبح مشاهد متراصة يمكن الإحساس بها، وناسجًا شخصياته بإنسانية وبساطة، محاولًا الإجابة عن سؤال: هل يمكن للصورة أن تحافظ على الذاكرة من الدخول في طي النسيان؟