المضادات الحيوية في الصغر والقولون العصبي في الكبر.. ماذا تكشف الدراسات؟
آخر تحديث: الخميس 29 أكتوبر 2026 - 11:46 ص بتوقيت القاهرة
سلمى محمد مراد
تكشف دراسات عدة عن وجود علاقة ارتباطية بين الاستخدام المبكر للمضادات الحيوية، وخصوصًا لدى الأطفال، وتأثيراتها مستقبلًا على الإصابة بمتلازمة القولون العصبي.
وتُعتبر متلازمة القولون العصبي، اضطرابًا شائعًا يصيب الجهاز الهضمي، وقد يعاني المصابون بها من آلام وتقلصات في البطن، بجانب تغيرات في عادات التبرز، مثل الإسهال أو الإمساك أو تناوبهما، وتميل هذه الأعراض إلى الظهور والاختفاء بمرور الوقت، ويمكن أن تستمر لعدة أيام أو أسابيع أو أشهر في المرة الواحدة.
وتشير التقديرات إلى أن هذا الاضطراب يؤثر على ما بين 5% و10% من سكان العالم، وغالبًا ما يصيب معظم المصابين ممن تقل أعمارهم عن 50 عامًا، مع وجود أعداد من كبار السن يعانون منه أيضًا، بحسب موقع المؤسسة الدولية لاضطرابات الجهاز الهضمي.
متابعة حتى سن الـ24
كشفت دراسة سويدية حديثة عن وجود ارتباط بين تناول أدوية المضادات الحيوية في سن مبكرة وارتفاع احتمالات الإصابة بمتلازمة القولون العصبي مع بداية مرحلة البلوغ، مع زيادة الاحتمالات كلما ارتفع عدد وصفات المضادات الحيوية التي حصل عليها الشخص، لتضيف دليلًا جديدًا إلى الأبحاث التي تبحث في العلاقة المحتملة بين التعرض لهذه الأدوية وصحة الجهاز الهضمي على المدى الطويل.
واعتمد الباحثون، في هذه الدراسة، التي أُجريت بواسطة باحثين من مستشفى سالجرينسكا الجامعي وجامعة جوتنبرج في السويد، على بيانات أكثر من 2800 شخص، وتتبعوا وصفات المضادات الحيوية التي حصل عليها المشاركون بداية من عمر يتراوح بين 9 و11 عامًا وحتى بداية مرحلة البلوغ.
وعندما بلغ المشاركون سن 24 عامًا، وجد الباحثون أن نحو 10% منهم كانوا مصابين بمتلازمة القولون العصبي، كما أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين حصلوا على مضادات حيوية خلال الفترة التي شملتها الدراسة كانت لديهم احتمالات للإصابة بالمتلازمة تعادل نحو مرة ونصف مقارنة بغيرهم.
ارتباط لا يعني السببية
ولاحظ الباحثون أيضًا ما يُعرف بعلاقة الجرعة والاستجابة، حيث ارتفعت احتمالات الإصابة كلما زاد عدد وصفات المضادات الحيوية، وكان الارتباط أوضح بين المشاركين الذين حصلوا على ست وصفات طبية أو أكثر، حيث بلغت احتمالات إصابتهم بمتلازمة القولون العصبي ما يقرب من ضعف احتمالات الإصابة لدى من لم يتعرضوا للمستوى نفسه من استخدام المضادات الحيوية.
فيما شدد الباحثون على أن النتائج لا تثبت أن تناول المضادات الحيوية في الطفولة هو السبب المباشر وراء الإصابة بمتلازمة القولون العصبي، بجانب أن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، إذ رصدت الدراسة فقط وجود علاقة وارتباط بين العاملين، بينما قد توجد عوامل أخرى تسهم في تفسير هذه العلاقة، وذلك في إشارة إلى ضرورة ألا تتحول هذه النتائج إلى سبب يدفع الآباء إلى تجنب إعطاء أطفالهم المضادات الحيوية عندما تكون ضرورية طبيًا.
وأكد المؤلف الرئيسي للدراسة، أن المضادات الحيوية لا تزال علاجًا مهمًا وضروريًا أحيانًا للعدوى البكتيرية، مشددًا على أن نتائج الدراسة لا ينبغي أن تثني المرضى عن استخدامها عندما تكون هناك حاجة إليها.
دور ميكروبيوم الأمعاء
وتُعتبر الأمعاء موطنًا لنحو مائة تريليون كائن حي دقيق من بكتيريا وفطريات وغيرها، تُعرف باسم الميكروبيوم المعوي، بحسب مراجعة علمية منشورة في مجلة «العالم لأمراض الجهاز الهضمي».
وتُعتبر هذه البكتيريا بمثابة عضو إضافي وحيوي يقوم بوظائف مذهلة تشمل هضم الأطعمة وامتصاص الفيتامينات، وتنظيم الاستجابة المناعية وحمايتنا من الجراثيم الضارة، وحماية جدار الأمعاء والحفاظ على سلامته، وعندما يتناول الإنسان المضادات الحيوية، فإن هذه الأدوية لا تفرق بدقة تامة بين البكتيريا الضارة التي تهاجم الجسم والبكتيريا النافعة المستوطنة في الأمعاء، فتقوم بإبادة جماعية تُخل بتوازن هذه البيئة الدقيقة تمامًا.
علاقة المضادات الحيوية بالقولون العصبي
ويشتبه العلماء في وجود علاقة مباشرة؛ ولا سيما أن الأبحاث أثبتت أن العلاج بالمضادات الحيوية يسبب انخفاضًا حادًا في التنوع البكتيري للأمعاء، وحدوث تقلص ملحوظ في أنواع بكتيريا مفيدة رئيسية، بالتزامن مع تكاثر بكتيريا ضارة ذات طبيعة التهابية، والمثير أن هذه التغيرات مطابقة تمامًا لما تتم ملاحظته لدى مرضى القولون العصبي.
ويختل الميكروبيوم، تتأثر وظائف حيوية عديدة مرتبطة بالقولون العصبي، أبرزها ضعف الحاجز المعوي، فتصبح الأمعاء أكثر نفاذية، مما يسمح للسموم والمواد المهيجة بالتسرب وإحداث التهابات خفيفة في جدار الأمعاء، فضلًا عن الاضطرابات الهرمونية والعصبية، حيث تؤثر بكتيريا الأمعاء على إفراز نواقل عصبية وهرمونات مهمة، مثل السيروتونين الذي ينظم حركة الأمعاء والجلوكاجون.
كما تؤثر التغيرات البكتيرية بشكل سلبي على الاستجابة للتوتر والقلق، الأمر الذي يفسر الارتباط الوثيق بين القولون العصبي والحالة النفسية.
وتدعم هذه الشكوك أيضًا دراسات وبيانات وبائية واضحة، فقد أظهرت دراسات واسعة النطاق، مثل دراسة الباحث كروجسجارد وزملائه، أن الأشخاص الذين يتعرضون لتناول المضادات الحيوية يواجهون خطرًا أكبر للإصابة باضطرابات الجهاز الهضمي الوظيفية ومتلازمة القولون العصبي لاحقًا مقارنة بغيرهم.