في يومه العالمي.. الباليه يبحث عن جمهور أوسع خارج أسوار الأوبرا
آخر تحديث: الخميس 29 أكتوبر 2026 - 7:46 م بتوقيت القاهرة
تحقيق - إيناس العيسوي
- سامح صابر: تقديم مختارات من الباليه في قصور الثقافة خارج أسوار الأوبرا في القاهرة والإسكندرية لينتشر ويزيد تفاعل الجمهور معه
- هند رضا: الفن لا ينبغي أن يُحاصر داخل دائرة محدودة أو فئة معينة وإلا فقد خصوصيته
- ريم أحمد: حفلات الباليه كاملة العدد في أغلب الأوقات
يحتفل العالم اليوم، 29 أكتوبر، باليوم العالمي للباليه، الذي انطلقت مبادرته عام 2014 بهدف تقريب هذا الفن من الجمهور وإتاحة الفرصة للتعرف على كواليسه وتدريباته.
وبينما يُنظر إلى الباليه باعتباره فنا يرتبط بالنخبة، يظل السؤال مطروحا حول مدى قدرته على تجاوز هذه الصورة والوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور المصري، وفي هذا السياق، سألت "الشروق" عددا من المتخصصين عن مدى نجاح الباليه في الوصول إلى الجمهور، وأبرز التحديات التي تواجه انتشاره، وكيف يتم ذلك.
عروض جماهيرية شهيرة تحظى بإقبال واسع
قال الدكتور سامح صابر، أستاذ نقد فنون الأداء الحركي بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، والعميد الأسبق للمعهد العالي للنقد الفني: يُنظر إلى الباليه تقليديا في مصر، منذ تأسيس فرقة باليه أوبرا القاهرة ومعهد الباليه، على أنه فن نخبوي ذو طابع أكاديمي رفيع، وغالبا ما يرتبط عرضه بدور الأوبرا الكبرى، مثل دار الأوبرا المصرية بالقاهرة والإسكندرية، ما يجعله في نظر البعض حكرا على طبقات اجتماعية معينة أو المهتمين بالفنون الكلاسيكية.
وأردف: رغم ذلك، نجح الباليه جزئيا في كسر هذا الحاجز عبر تقديم عروض جماهيرية شهيرة تحظى بإقبال واسع مثل "بحيرة البجع" و"كسارة البندق" و"الجمال النائم" و"چيزيل"، فضلا عن دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر مقاطع من هذه العروض لتقريب الفن من الشارع المصري، ومع ذلك، يظل الوصول النسبي للجمهور العام محدودا بالمقارنة بالفنون الشعبية أو السينما أو المسرح التجاري.
وعن نسبة وصول الباليه للجمهور العادي، أوضح صابر أنه لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة تحدد بدقة نسبة وصول الباليه للجمهور في مصر، ولكن الملاحظ من خلال حضور العروض في دار الأوبرا هو امتلاء القاعات في المواسم الكبرى، وبالأخص رأس السنة، إلا أن الغالبية العظمى من الحضور تنتمي للشرائح المثقفة ومتوسطة وفوق المتوسطة، منوها بأنه يمكن القول إن الباليه يحتفظ بجمهور نوعي ومخلص، لكنه لم يتحول بعد إلى فن جماهيري واسع الانتشار مثل الدراما أو الحفلات الموسيقية والغنائية.
وحول ما يحتاجه الباليه ليصل إلى الجمهور العام، أشار الدكتور سامح صابر إلى أنه لكي ينتشر الباليه ويزيد تفاعل الجمهور المصري معه، يمكن الخروج بعروضه خارج أسوار دار الأوبرا في القاهرة والإسكندرية، وتقديم عروض مبسطة أو مختارات في قصور الثقافة بالمحافظات والجامعات المصرية، إلى جانب تقديم عروض تمزج بين الباليه الكلاسيكي والموروث الثقافي أو الشعبي المصري والعربي، بما يخلق حالة من التلاحم والتقارب مع الهوية المحلية للجمهور، فضلا عن إنتاج محتوى مرئي قصير ومبتكر عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل "تيك توك" و"إنستجرام" و"فيس بوك"، يشرح كواليس التدريبات وتاريخ الفن بأسلوب شيق ومبسط لكسر الحاجز النفسي لدى المشاهد العادي، مع إدخال مفاهيم الفنون التعبيرية والباليه ضمن أنشطة المدارس والجامعات، وتنظيم رحلات طلابية مدعومة لحضور بروفات وعروض الباليه.
وتطرق للحديث حول رؤية الكثير من المتخصصين أن الرقص الحديث والمعاصر قد يكون أقدر في كثير من الأحيان على جذب الجمهور الشبابي، موضحا أن ذلك يعود إلى أن الرقص المعاصر غالبا ما يعالج قضايا اجتماعية ونفسية مباشرة تهم المواطن اليوم، ويعتمد على لغة جسد تحررية ومبتكرة بعيدا عن القواعد الصارمة والقصص الخيالية القديمة للباليه الكلاسيكي، ويظل الباليه الكلاسيكي هو الأساس الأكاديمي المتين الذي يمنح الراقص في الرقص الحديث والمعاصر القوة في التكنيك واللياقة، لكن تنويع العروض وتقديم أعمال معاصرة وجريئة يسهم بشكل كبير في جذب قطاعات جديدة من الشباب المهتمين بالفنون التعبيرية الحديثة، وهناك محاولات جادة لنشر فن الباليه، سواء من خلال جهات رسمية تمثل الدولة، مثل مركز تنمية المواهب التابع لدار الأوبرا المصرية، ومركز التعليم الحر التابع لأكاديمية الفنون، وأيضا من خلال محاولات خارج النطاق الرسمي للدولة، مثل المراكز الثقافية التابعة لبعض السفارات الأجنبية داخل مصر، وكذلك الكثير من المراكز الخاصة التي تتبع أشخاصا مستقلين.
تحولات كبيرة جعلت الباليه أكثر انفتاحا على الجمهور بكل فئاته
بدورها، قالت الدكتورة هند رضا، المدرس بقسم فنون الأداء الحركي بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، إن الباليه كان بالفعل فنا نخبويا في مراحل تاريخية معينة، وهذا مرتبط بطبيعة المؤسسات والرعاية الاجتماعية والثقافية التي نشأ في إطارها وبالجمهور الذي كان قادرا على الوصول إلى هذه العروض، لكنه لم يبقى حبيس هذا الإطار، فقد تغير ومر بتحولات كبيرة جعلته فنا أكثر انفتاحا على الجمهور بكل فئاته، و"هنا ينبغي أن ننظر إلى تاريخ الباليه نفسه، فنحن غالبا ما نربط اقتراب الفنون من الجمهور بفترة الحداثة وما بعدها، أي الرقص الحديث والمسرح الراقص والرقص المعاصر، لكن الحقيقة أن الباليه له تاريخ طويل جدا من التفاعل مع النصوص الأدبية، فكان يأخذها ويحولها إلى عروض، أي إنه لم يكن حكرا على أنواع فنون الأداء الحركي الخاصة بالحداثة وما بعدها".
وتابعت: جاء التحول الأهم مع التغيرات الفكرية والثقافية والفنية التي شهدها العالم في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ ظهرت الحداثة وحركات فنية جديدة في الفن التشكيلي، وموسيقى جديدة، ومؤلفون جدد مثل إيجور سترافينسكي، كما ظهرت أفكار سيجموند فرويد حول اللاوعي والعالم الداخلي للإنسان، ويضاف إلى ذلك المتغيرات السياسية مثل الحربين العالميتين والثورات البلشفية، وقد أسهم كل ذلك في خلق مناخ ثقافي جديد انعكس على الفنون، ومنها الباليه، وأصبح هناك اهتمام أكبر بما يحتاجه الإنسان فعلا، أي كيف نترجم صراعاته وانفعالاته ونؤكد هويته، لا من خلال الحكايات الأسطورية والعوالم الميتافيزيقية فقط، بل من خلال عوالم حقيقية تمسه وتقترب منه، ومن هذه التجارب تطور الباليه وظهر المصطلح المظلة المعروف باسم الباليه الحديث، ومنه خرجت باليهات القرن العشرين المتأثرة بكل هذه التغيرات، ومنها الباليه الكلاسيكي الحديث والباليه الملحمي والباليه الدرامي والباليه المعاصر.
وأضافت رضا: لا يمكن أن نختزل وصول الباليه إلى الجمهور في تقديم حكاية معاصرة أو موضوع مألوف للناس، فالمسألة أعمق من ذلك، لقد تطور الباليه تاريخيا واستطاع أن يقترب من الناس في أبعاده النفسية والاجتماعية والفكرية دون أن يتخلى عن خصوصيته بوصفه فنا له لغته وأدواته الجمالية وقواعده، وهو حتى اليوم في القرن الحادي والعشرين محافظ على هذا الإطار، فقد ظهر كرقص نظامي في القرن الثامن عشر تقريبا، أي إننا نتحدث عن مدة طويلة جدا، وهو الفن الوحيد الذي حافظ على شكله حتى اليوم ولا يزال له جمهوره، ولم يعد هذا الجمهور مقتصرا على النخبة، بل نشأت علاقة حقيقية بين الناس وهذا الفن.
واستكملت الدكتورة هند رضا: إتاحة الباليه للجمهور جعلت كل إنسان يتفاعل مع العمل انطلاقا من خبرته الإنسانية، فيتذوقه من خلال تجربته وثقافته ومعرفته، وهنا تأتي أهمية النقد الفني، لأنه لا يفرض على الجمهور معنى واحدا، بل يفتح أمامه مسارات كثيرة لفك شفرات العمل، فتتعدد الشفرات التي نحاول أن نفهمها ونئولها ونتذوقها. ومن يتحدث عن فنون الأداء الحركي الخاصة بما بعد الحداثة، أي الرقص الحديث والمعاصر وغيره، والتي تقدم الآن من خلال المصممين والمخرجين، فقد قلنا إن الباليه ربما كان أسبق منهم في استخدام النصوص الأدبية والاعتماد عليها في موضوعاته، لكنهم بالفعل أتاحوا إمكانيات أوسع لتجريب لغات حركية وموضوعات وأساليب تعبير مختلفة.
ونوهت بأنه "يمكن القول أيضا إنهم أسهموا في إعادة التفكير في علاقة الجسد بالمجتمع والواقع المعاصر، فقد نظروا إلى الجسد نظرة مختلفة وتناولوا الموضوعات التي تمس الإنسان المعاصر بأسلوب مختلف، لأنهم يقومون من الأصل على فكرة كسر القواعد والإطار الذي أحاط الباليه نفسه به، وقد ساعد كل ذلك على استلهام موضوعات قريبة من خبرات الجمهور وخلق مدخل قريب للتواصل معه"، قبل أن تضيف: لكنني لا أرى بأي حال أن مجرد تقديم حكاية مألوفة أو موضوع معاصر يضمن الوصول إلى الجمهور، فهناك أعداد كبيرة وقاعدة جماهيرية واسعة تدخل العروض المعاصرة ولا تفهم منها شيئا حتى لو كان الموضوع نفسه مألوفا لها، فهم يدخلون من باب الموضوع لكن ترجمته حركيا بطريقة معاصرة تكون صعبة عليهم في التلقي والتذوق، وقد يشعرون بالاغتراب.
وتابعت: "من وجهة نظري أرى أن السؤال ليس هل يحتاج الباليه إلى الوصول إلى الجمهور العادي، ولا حتى هل نحتاج إلى الباليه أصلا، بل السؤال الأدق هو كيف نمنح الجمهور فرصة اكتشاف فن لديه القدرة على إثراء خبرته الجمالية والإنسانية؟؛ لأن الفن لا ينبغي أن يُحاصر داخل دائرة محدودة أو فئة معينة وإلا فقد خصوصيته، والتحدي الحقيقي هو كيف نحافظ على القيمة الفنية وفي الوقت نفسه نوسع فرصة التعرف عليها والتفاعل معها".
الباليه ومصطلح الجمهور العادي
وترى الفنانة ريم أحمد أن الباليه لا يزال يجذب فئة معينة من الجمهور، لكن ليس بالضرورة أن تكون من النخبة، إذ تضم حفلاته طلابا جامعيين وأطفالا أيضا.
وأشارت ريم إلى أن عروضا شهيرة مثل "كسارة البندق"، المعروف للأطفال، تحقق إقبالا كبيرا، وتكون حفلاته كاملة العدد منذ سنوات طويلة، موضحة أن تحديد حجم جمهور الباليه يحتاج إلى دراسات وإحصائيات متخصصة، لكنها ترى أن هناك جمهورا يحب الأوبرا وآخر ينتظر عروضا بعينها، مثل: "زوربا" و"رقصات نلتقي بها" و"بحيرة البجع"، مستشهدة بمحاولتها حجز تذكرة للأخيرة واكتشافها نفاد التذاكر.
وتضيف أن الجمهور ينتظر باليهات محددة لشهرة قصصها، وأن رواد هذه العروض يجمعهم مستوى ثقافي معين بعيدا عن مستوياتهم الاجتماعية والمادية، مؤكدة أن حفلات الباليه كاملة العدد في أغلب الأوقات، وأن تقديم خمس أو ست حفلات للعرض الواحد يحقق المستهدف المطلوب من الأوبرا وفرقة الباليه.
وترى ريم أن الباليه لا يزال أشهر وصاحب قاعدة جماهيرية أكبر من الرقص المعاصر، الذي شهد انتشارا أوسع في مصر خلال السنوات السبع أو الثماني الأخيرة، وأصبح له جمهور ينتظر عروضه، بعدما كان الاهتمام يتجه في الماضي إلى فرقة الباليه والعروض الكلاسيكية.
وعن مصطلح "الجمهور العادي"، تشير إلى تعدد الطبقات والثقافات في المجتمع المصري، موضحة أن الجمهور الذي لا يمتلك خلفية ثقافية أو فنية، من وجهة نظرها، موجود، ولكن نسبته ليست كبيرة، مرجحة أن يكون جمهور الشارع أكثر ميلا إلى المسرح من الباليه.
وتستعيد ريم أحمد تجربتها مع برنامج "فن الباليه"، الذي كانت تنتظره أسبوعيا وهي طالبة صغيرة في معهد الباليه، لمشاهدة مقتطفات من العروض، بينما كان إخوتها يدرسون في المعهد وكانت أختها الكبرى في الكونسرفتوار، مؤكدة أن البرنامج كان يصل إلى البيوت ويُعرف الجمهور بالأوبرا وفنونها وأسماء عروض الباليه وقصصها، فيمنح المشاهد خلفية عن العرض قبل حضوره، إلى جانب الكتيب الذي يُوزع لتسهيل فهم ما يحدث على المسرح، مضيفة أن الباليه بالتأكيد فن له طبيعة خاصة في التذوق، وليس بالضرورة أن يحبه الجميع أو يستطيعوا تذوقه، لكنها ترى أن عودة برنامج من هذا النوع قد تُعرف الناس بهذا الفن مجددا وتقربه إليهم.