حوار| عبدالوهاب شوقي: لم أقبل أن ينطلق «آخر المعجزات» من خارج مصر.. والرقابة لم تحذف لقطة واحدة
آخر تحديث: السبت 29 نوفمبر 2025 - 6:42 م بتوقيت القاهرة
حوار ــ محمد عباس
• الفيلم ليس عن الصوفية بل عن ذات تبحث عن التحقق
• تخوفت من صراع المقارنة.. وأغلبية الأعمال السينمائية المأخوذة عن نجيب محفوظ لم تلقَ إعجاب النقاد
• كتبت 10 نسخ من السيناريو.. ورفضت العروض العربية
بعد رحلة شاقة استمرت أعوامًا من الإعداد والتأجيل والمنع، خرج فيلم «آخر المعجزات» ــ المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ ــ إلى النور ليشكل أولى تجارب المخرج عبد الوهاب شوقى.
وفى هذا الحوار يكشف شوقى كواليس الكتابة، ورحلته مع الفيلم وصعوبات التصوير، وتفاصيل أزمته مع الرقابة، وسر اختياره قصة لنجيب محفوظ، وأسباب تمسكه بأن ينطلق الفيلم من مصر وحدها.
بداية.. كيف تصف الرحلة من الفكرة الأولى إلى خروج الفيلم مكتملًا؟
ــ رحلتى مع «آخر المعجزات» تستحق فيلمًا خاصًا بها. لقد وضعنا أنفسنا أمام تحدٍّ كبير؛ لأن هذا أول فيلم قصير لى بهذا الحجم.
عندما قرأت القصة للمرة الأولى أعجبت بها بشدة، وكان قرارى بتحويلها لفيلم قرارًا عاطفيًا أكثر منه عقلانيًا، لأننى لم أدرك صعوبة تنفيذها.
مع بدء كتابة المعالجة، بدأت أرى المصاعب: القصة قائمة بالكامل على حوار البطل مع نفسه، فكيف يُرى هذا بصريًا دون راوٍ أو مونولوج؟ ولأن الفيلم قصير، لم يكن مقبولاً إدخال تقنيات أدبية أو تعليق صوتى، ولذلك استغرقت الكتابة عامين ونصف العام، ومررنا بعشر نسخ مختلفة من السيناريو. لدرجة أننى قلت فى لحظة ما: «ربما نجيب محفوظ وضع لعنة فى هذه القصة»، خاصة بعد أزمة منع الفيلم.
ما الذى دفعك لاختيار قصة «معجزة» لنجيب محفوظ تحديدًا؟ وما الصعوبات التى واجهتها؟
ــ كنت على وشك تصوير فيلم آخر كتبته، لكننى تراجعت عنه لشعورى بأنه به قصور.
وقتها قال لى المنتج «مارك»: «رؤيتك البصرية وعلاقتك بالعوالم الروحانية تناسب قصة لنجيب محفوظ اسمها معجزة».
أعدت قراءة المجموعة، وشعرت فورًا أن هذه هى القصة التى أريد تقديمها.
ورغم ذلك، كنت متخوفًا من صراع المقارنة، لأن 90% من الأعمال المبنية على أدب نجيب محفوظ لم تلقَ رضا الجمهور أو النقاد، وأنا بنفسى كنت من أشد المنتقدين لها. وكان تحدٍ كبير يتمثل أيضا فى مخاوف من مشاكل الحصول على حقوق القصة
ولماذا لم تفكر فى تحويلها إلى فيلم طويل؟
ــ القصة بطبيعتها لا تحتمل فيلمًا طويلًا. أضفت إليها عالم الصوفية ــ وهو غير موجود فى الأصل ــ لأن الصراع الداخلى للبطل يحتاج إلى ترجمة بصرية، والصوفية تمنح مساحة سمعية وبصرية غنية.
لكن الفيلم ليس عن الصوفية؛ بل عن ذات هشّة تبحث عن تحقق، وعن شخص مهزوم يريد أن يُشار إليه بعد سلسلة إخفاقات.
الفيلم ضم أسماء فنية معروفة.. هل جاء ذلك دعمًا لك أم لدافع فنى حقيقى؟
ــ أنا لا أستطيع كتابة مشهد دون تخيل الممثل الذى سيؤديه. خالد كمال صديقى منذ أول يوم لى فى القاهرة، وتخيلته بطلًا للفيلم منذ اللحظة الأولى. أما مشهد غادة عادل فقد كتب خصيصًا لها. كنت وقتها مساعد مخرج فى مسلسل «منورة بأهلها» مع يسرى نصر الله، وشاهدت غادة تؤدى مشاهد معقدة بمشاعر متبدلة بسلاسة كبيرة.
فقلت لنفسى: «هى الممثلة المناسبة للمشهد الذى نحتاجه». وقلت لها صراحة إن لم تقدم الدور، سأعيد كتابة المشهد من جديد.
ما أبرز العقبات التى واجهتك أثناء التصوير؟
ــ بسبب خبرتى كمساعد مخرج لمدة 12 عامًا، كنت واعيًا بكيفية منع المشكلات قبل وقوعها.
لكن أصعب ما واجهته كان مشهد الحضرة الصوفية.
حضرات الصوفية تختلف تمامًا عن حضرات الموالد الشعبية؛ فهى شديدة التنظيم والجمال والتناغم.
وكان من المستحيل تقريبًا أن يقدم المجاميع هذا الإيقاع الدقيق. حاولنا استقدام أعضاء من حضرات صوفية حقيقية، لكن الأمر لم ينجح.
لذلك تدربنا طويلًا، ووصل بنا الحال لتشغيل الكاميرا نصف ساعة متواصلة بلا قطع حتى نحصل على 20 ثانية مثالية.
هل تأخير عرض الفيلم عامًا كاملًا أخر انطلاقتك؟ وكيف مررت بهذه الفترة نفسيًا؟
ــ بالطبع أخر انطلاقتى.
سُرق عام من عمرى بلا داعٍ. لكن رغم المشاعر السلبية، كنت صلبًا؛ فأنا بطبيعتى مقاتل، وتزيد قوتى فى الأوقات الصعبة.
كنت مدركًا أن القضية ليست قضيتى وحدى؛ بل قضية السينما المصرية.
ورفضت تمامًا أن أكون حلقة جديدة فى سلسلة منع الأفلام.
كنت مصممًا على أن يخرج الفيلم من مصر، وأن لا يُقال إن مصر ضاقت بفيلم سينمائى واتسعت له عواصم أخرى.
كان بإمكانى أن أطلب إقامة فى أوروبا وأعمل هناك كما فعل كثيرون، لكننى رفضت.
وما الذى حُذف من الفيلم قبل عرضه؟ وكيف كانت رحلة الفيلم مع الرقابة؟
ــ لا شىء. الرقابة لم تحذف من الفيلم لقطة واحدة، ولم يُقص «فريم واحد».
الفيلم حصل على تصريح عرض دون ملاحظة واحدة، وهذا تحديدًا ما أثار الغضب، لأن الجميع حين شاهده أدرك أنه لا يوجد أى سبب للمنع.
المنع يعيدنا إلى عصور انتهت، ولا يليق بدولة بحجم مصر.. وفى رأيى أصبح هناك وعى أكثر بأن منع أى فيلم يضر بصورة الدولة ويفيد الفيلم، الفيلم فى النهاية أقوى من أى أحد، ولا يوجد قوة فى الوجود قادرة على منع أى عمل فنى، وسينتشر فى النهاية، فمثلا «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، منعت 60 عاما، وهى أكثر رواياته مبيعا، وعندما طبعا فى 2008، تواجدت على كل أرصفة القاهرة وكان الجميع يشتريها، فى حين إنها إذا كانت تركت ولم تمنع، كان من الممكن ألا يقرأها الجميع فهى فى النهاية ليست من أقوى وأفضل رواياته.
ووجود عبد الرحيم كمال على رأس الرقابة خطوة مهمة لأنه يدرك خطورة التضييق على الإبداع.
قيل إنك تلقيت عروضًا للعرض خارج مصر بعد المنع.. لماذا رفضتها؟
ــ تلقيت عروضًا كثيرة من مهرجانات عربية، بعضها كان أعلن برنامجه بالفعل.
الجميع أبدى دعمًا كبيرًا، وأنا ممتن لهم حتى اليوم.
لكننى لم أكن لأرضى أن ينطلق الفيلم من أى مكان خارج مصر.
هذا فيلم مصرى جدًا: عن قصة لنجيب محفوظ، مصور فى شوارع القاهرة التاريخية، ويحكى عن الإنسان المصرى. لذلك يجب أن يبدأ من بلده.