جيل الفلاتر.. كيف تغير معايير الجمال عقول الأطفال؟
آخر تحديث: السبت 29 نوفمبر 2025 - 12:16 م بتوقيت القاهرة
سلمي محمد مراد
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد المرآة هي النافذة الأولى التي يتعرف من خلالها الطفل إلى نفسه، بل من خلال شاشة الهاتف الصغيرة المحملة بعشرات الفلاتر التي تغير لون البشرة، وتصغر الأنف وتنعم الجلد وتخلق نسخة أجمل لا تشبه الواقع.
ويوضح الدكتور محمد فوزي عبد العال أستاذ الطب النفسي بجامعة أسيوط، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أن هذه الصورة الرقمية تتحول مع الوقت من لعبة لطيفة إلى منظومة تفكير كاملة يُعاد من خلالها تشكيل صورة الطفل عن ذاته ومعايير جماله، لتظهر آثار نفسية مبكرة تتراوح بين القلق والخجل واضطرابات صورة الجسد.
بداية التحول النفسي من المرآة إلى الشاشة
يرى عبد العال أن الطفل المعاصر يعيش تجربة مختلفة تمامًا عن الأجيال السابقة، فهو لا يرى شكله الحقيقي أولًا، بل يرى نسخة محسنة صنعها أحد التطبيقات.
وهذه الصورة المفلترة تصبح معيارًا يقيس عليه جماله، الأمر الذي يخلق فجوة خطيرة بين "أنا الحقيقي" و "أنا الرقمي"، ومع تكرار الاستخدام يتولد اعتقاد داخلي لدى الكثير من الأطفال بأن جمالهم مرتبط فقط بالتعديل الرقمي، وهنا يبدأ الخطر النفسي الحقيقي.
كيف يعمل الفلتر داخل عقل الطفل؟
ويفسّر عبد العال تأثير الفلاتر على الدماغ بسلسلة من العمليات النفسية المعقدة منها: إعادة تعريف مفهوم "الطبيعي"، حيث كان الطفل يقارن نفسه بأقرانه، أما اليوم فمقارنته الأساسية أصبحت مع صور مثالية مصنوعة، وتفضيل النسخة الرقمية، حيث يتعلق بعض الأطفال بنسختهم المفلترة لدرجة رفض النظر إلى وجوههم في المرآة.
كما أصبح الإعجاب مصدر قيمة، إذ يغذي كل "لايك" على صورة معدلة مراكز المكافأة في الدماغ ويعطي للطفل رسالة مفادها بأن قيمة شكلك تُقاس بتفاعل الآخرين.
إضافة إلى زيادة اضطرابات صورة الجسد، حيث تبدأ ملاحظات قاسية مثل: "أنا مش حلو" أو "شكلي وحش من غير فلتر"، وقد تتطور إلى اكتئاب أو قلق اجتماعي.
لماذا ينتشر الأمر بهذه السرعة؟
يحدّد عبد العال مجموعة من العوامل التي تجعل الأطفال فريسة سهلة لهذا التحول منها: سهولة الوصول والتكرار اليومي، فالفلاتر مجانية وممتعة ومتاحة دائمًا.
ويتابع بوجود وانتشار قدوة رقمية مضلّلة سواء مشاهير أو مؤثرون، وأحيانًا آباء يستخدمون الفلاتر باستمرار.
فضلًا عن غياب الحوار الأسري حول الجمال الطبيعي، وازدياد التنمر المدرسي والرقمي الذي يدفع الطفل لاستخدام الفلاتر هربًا من السخرية، جنبًا إلى جنب مع ضعف الوعي النفسي الرقمي داخل المدارس.
ماذا تخبرنا الدراسات؟
يشرح الخبير النفسي أنه رغم عدم وجود بيانات عربية كافية، فإن الاتجاهات العالمية تقدم صورة واضحة، فبين 60–80% من المراهقين يستخدمون الفلاتر بانتظام.
مع تزايد واضح في اضطرابات صورة الجسد، وانتشار ظاهرة "Snapchat Dysmorphia" حيث يطلب البعض من أطباء التجميل أن يشبهوا صورتهم المفلترة، وفي مصر ينتشر هذا الأمر حيث تلاحظ عيادات الطب النفسي تزايد شكاوى أطفال بين 9 و13 عامًا من عدم رضاهم عن شكلهم، ورفضهم الظهور في صور غير معدلة، بل رفض بعضهم الظهور في صور عائلية دون "فلتر".
العلاج من البيت إلى المدرسة والعيادة
يؤكد الخبير النفسي أن العلاج يبدأ في البيت من خلال الوالدين، فيجب أن يكونوا قدوة عن طريق تقليل استخدام الفلاتر أمام الطفل، وإقامة حوار مفتوح حول الجمال الواقعي وتقبّل الاختلافات، ووضع قواعد لاستخدام الهاتف وبرامج التعديل، وملاحظة علامات الخطر مثل رفض الطفل النظر للمرآة.
وفي المدرسة يرى أهمية إدخال مفهوم "الصحة النفسية الرقمية"، ووضع وتنفيذ سياسات واضحة لمواجهة التنمر الشكلي، وتدريب المدرسين على الدعم النفسي المبكر.
أما في العيادة يتم تقييم درجة اضطراب صورة الجسد، ويتم إعداد جلسات علاج سلوكي معرفي "CBT" لتصحيح الأفكار السلبية، ودعم الأسرة بخطط عملية للتعامل مع قلق الطفل من مظهره.
هل يمكن أن يرى الجيل نفسه بلا فلتر؟
ويختتم عبد العال حديثه مؤكدًا أن "جيل الفلاتر" ليس جيلًا منحرفًا أو تائهًا، بل ضحية ثقافة بصرية مثالية تحاصر الأطفال منذ صغرهم.
ويرى أن الحل يكمن في بناء وعي نفسي قادر على مقاومة التشويه البصري وتمييز الحقيقة من الخيال، وإذا نجح المجتمع - أسرة ومدرسة وطب نفسي ـ في التدخل مبكرًا، يمكن أن يتحول الهاتف من أداة تزييف إلى أداة للتعبير والمرح، ويكبر الطفل وهو يرى نفسه بوضوح دون فلتر.