جروسي يحذر أمام مجلس المحافظين: أوكرانيا تمثل أخطر تهديد للأمن النووي العالمي
آخر تحديث: الجمعة 30 يناير 2026 - 2:01 م بتوقيت القاهرة
فيينا – خالد أبو بكر
- الكهرباء الخارجية الحلقة الأضعف في أمن زابوروجيا أكبر محطة نووية بأوروبا.. وتشيرنوبل يعود إلى واجهة القلق النووي
حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو جروسي، من أن الحرب في أوكرانيا، التي توشك على دخول عامها الخامس، باتت تشكّل "أكبر تهديد للأمن والسلامة النووية في العالم"، مؤكدًا أن استمرار العمليات العسكرية قرب المنشآت النووية يضع المجتمع الدولي أمام مخاطر غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
جاءت تصريحات جروسي في البيان الافتتاحي لاجتماع مجلس محافظي الوكالة، الذي عُقد بشكل طارئ في مقر الوكالة بفيينا، بناءً على طلب رسمي من هولندا، دعت فيه إلى مناقشة "أحدث التطورات في أوكرانيا وتداعياتها على السلامة النووية". ويعكس انعقاد الاجتماع في هذا التوقيت حجم القلق الدولي من تدهور الوضع الميداني، خصوصًا مع تصاعد الهجمات على البنية التحتية للطاقة.
وقال جروسي أمام المجلس إن "النزاع في أوكرانيا لا يزال يشكل الخطر الأكبر على السلامة النووية"، مشيرًا إلى أن فرق الوكالة منتشرة ميدانيًا في جميع محطات الطاقة النووية المتأثرة بالحرب، وتقوم بنشر تحديثات منتظمة حول أوضاع السلامة والأمن النووي.
وأوضح المدير العام أن الوكالة وضعت، منذ بداية النزاع، ما يُعرف بـ"الأعمدة السبعة لضمان السلامة والأمن النوويين أثناء النزاعات المسلحة"، مشددًا على أن الركيزة الرابعة منها تنص صراحة على ضرورة وجود إمدادات كهرباء خارجية آمنة ومستقرة لجميع المواقع النووية. وأضاف أن "المحطات النووية لا يمكن تشغيلها بأمان دون مصدر طاقة خارجي موثوق".
وفي هذا السياق، أعاد جروسي التذكير بـ"المبادئ الخمسة لحماية محطة زابوريجيا النووية"، موضحًا أن المبدأ الثالث ينص على "ضرورة بذل كل الجهود الممكنة لضمان توافر الكهرباء الخارجية بشكل دائم وآمن". وأكد أن هذه المبادئ تحظى بدعم دولي واسع، بما في ذلك من الأطراف المعنية مباشرة بالنزاع.
محطة زابوريجيا، الأكبر في أوروبا، كانت في صلب إحاطة جروسي. وقال إن الوكالة، بالتعاون مع الجانبين الأوكراني والروسي، نجحت خلال الأشهر الماضية في التوصل إلى أربع اتفاقات هدنة مؤقتة، أتاحت تنفيذ خمس عمليات إصلاح لخطوط الكهرباء المرتبطة بالمحطة. وأضاف أن "آخر هذه العمليات اكتملت يوم الاثنين 19 يناير، حيث أُعيد ربط المحطة بخطها الاحتياطي الأخير بجهد 330 كيلوفولت، بعد أن كان معطّلًا منذ 2 يناير بسبب أنشطة عسكرية".
وأوضح جروسي أن المحطة كانت، قبل إعادة الربط، تعتمد على خط رئيسي واحد فقط بجهد 750 كيلوفولت لتشغيل أنظمة السلامة الخاصة بتبريد المفاعلات الستة المتوقفة وأحواض الوقود المستهلك، محذرًا من أن أي ضرر إضافي كان سيؤدي إلى "عواقب خطيرة قد تهدد سلامة المنشأة".
وفي خلفية هذه التطورات، تواصل فرق الوكالة مراقبة قدرة محطة زابوريجيا على التعامل مع ظروف الشتاء القاسية، بما في ذلك منع تجمّد مياه التبريد في الأحواض، وهي مسألة تقنية بالغة الحساسية في حال انقطاع الكهرباء.
وجدد جروسي دعوته إلى الالتزام الكامل بالمبادئ الخمسة، مؤكدًا أن "أي ضرر إضافي يلحق بخطوط الكهرباء قد تكون له آثار قاتلة على سلامة المحطة".
ولم يقتصر التحذير على زابوريجيا وحدها. فقد شدد المدير العام على أن إمدادات الكهرباء الخارجية لجميع المحطات النووية الأوكرانية تعتمد على محطات تحويل رئيسية، وأن "أي ضرر يلحق بهذه المحطات يقوض السلامة النووية ويجب تجنبه"، وفقًا للمعايير الدولية المتفق عليها.
وفي هذا الإطار، أعلن جروسي أن فرق الوكالة، إلى جانب وجودها الدائم في المحطات النووية الخمس بأوكرانيا، تنفذ بعثات متخصصة لتقييم وضع محطات التحويل الكهربائية. وأشار إلى أن بعثة فنية للوكالة تعمل حاليًا على تقييم عشر محطات تحويل تُعدّ حيوية للأمن النووي، في ظل الضربات المستمرة على شبكة الطاقة الأوكرانية.
كما تطرق إلى ما جرى في موقع تشيرنوبل، حيث أفادت فرق الوكالة بوقوع أنشطة عسكرية قريبة أدت إلى تضرر محطة تحويل رئيسية، وانقطاع عدة خطوط كهرباء بجهود مختلفة، ما استدعى اللجوء إلى مولدات الديزل لتأمين الطاقة لمنشآت الاحتواء والتخزين المؤقت للوقود المستهلك. وأكد أن الخطوط المتضررة أُعيد ربطها لاحقًا، وأن تفاصيل إضافية ستُدرج في التقرير الدوري المقبل للوكالة.
وفي ختام بيانه، قال جروسي إن "أفضل وسيلة لضمان السلامة والأمن النوويين، وحماية السكان الذين عانوا قرابة أربع سنوات من القتال، هي إنهاء هذا النزاع". وأضاف أن الوكالة أثبتت منذ بداية الحرب كيف يمكن لمؤسسة دولية أن تسهم في منع التصعيد وتوفير قدر من الاستقرار في بيئة شديدة التقلب، مشددًا على أن ذلك "يتطلب تركيزًا وتنازلات وشعورًا عاليًا بالمسئولية".
يعكس الاجتماع الطارئ لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطبيعة تحذيرات جروسي، انتقال الأزمة الأوكرانية من كونها نزاعًا عسكريًا تقليديًا إلى تهديد مباشر للأمن النووي العالمي. فرغم وجود آليات فنية ومبادئ متفق عليها، تبقى سلامة المنشآت النووية رهينة خطوط كهرباء هشّة وهدن مؤقتة. وفي ظل تآكل الثقة الدولية واستمرار الحرب دون أفق سياسي، يبدو أن الوكالة تحاول شراء الوقت ومنع الأسوأ، بينما يظل الخطر قائمًا بأن يتحول أي خلل تقني أو ضربة عسكرية غير محسوبة إلى كارثة تتجاوز حدود أوكرانيا وأوروبا معًا.