ناشونال انتريست: اضطرابات هرمز تدفع إيران للاهتمام بممرات التجارة البرية عبر أفغانستان

آخر تحديث: السبت 30 مايو 2026 - 11:18 ص بتوقيت القاهرة

قالت مجلة «ناشونال انتريست» الأمريكية إن إيران لم يعد بإمكانها اعتبار الوصول إلى الخليج أمرا مضمونا، وقد تتجه بشكل متزايد إلى تعزيز تجارتها عبر الطرق البرية الممتدة عبر أفغانستان، في ظل الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية وتعطيل حركة الشحن التجاري عبر مضيق هرمز.

وأضافت المجلة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد نقطة ضغط جيوسياسية، بعدما دفعت الاضطرابات الأخيرة التجارة الإقليمية إلى التكيف مع بيئة أكثر غموضا وتشرذما، مشيرة إلى أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر المضيق.

وأوضحت أن التصعيد الأخير أسفر عن اضطراب حاد في حركة الملاحة التجارية عبر الممر الحيوي، إذ علقت شركات شحن عمليات العبور أو أرجأتها، فيما رفعت شركات التأمين البحري قيمة أقساط مخاطر الحرب، وانتشرت عمليات التأخير والاضطرابات عبر شبكات الخدمات اللوجستية في الخليج.

وقالت الكاتبة والباحثة المتخصصة في الشئون الإيرانية والأفغانية وقضايا الشرق الأوسط، فاطمة أمان، في تقرير نشرته المجلة، إنه رغم استئناف بعض الحركة التجارية المحدودة واقتراب أمريكا وإيران من اتفاق يعيد فتح المضيق، كشفت الأزمة عن مشكلة استراتيجية أوسع، تتمثل في أن الوصول البحري في الخليج لم يعد موثوقا بالكامل في فترات التصعيد.

وأضافت أمان أن هذا الغموض بدأ بالفعل في دفع مزيد من الاهتمام بممرات التجارة البرية التي تربط إيران بأفغانستان وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة.

تأمين الشحن والبحث عن بدائل

وذكرت الباحثة، التي عملت أيضا مستشارة لمسئولين أمريكيين ومنظمات غير حكومية، أن الاضطراب لا يقتصر على المواجهة البحرية، إذ رفعت شركات التأمين البحري بشكل حاد أقساط مخاطر الحرب، أو سحبت التغطية التأمينية بالكامل من أجزاء من الخليج، بينما أعادت شركات شحن كبرى توجيه سفنها لتدور حول أفريقيا، أو علقت عمليات العبور تماما.

وأشارت إلى أن أفغانستان صارت بالفعل جزءا من عملية إعادة التكيف، إذ دفعت عمليات الإغلاق المتكررة لحدود البلاد مع باكستان خلال السنوات الأخيرة التجار الأفغان إلى تنويع طرق الوصول عبر إيران وآسيا الوسطى، خاصة من خلال ميناء تشابهار بشرق إيران والمعابر الغربية لأفغانستان.

وتوسعت حركة العبور الأفغانية عبر تشابهار بشكل ملحوظ، مع ترويج كابول للميناء باعتباره ممرا بديلا أقل عرضة للنزاعات السياسية الثنائية.

كما توسعت علاقات إيران مع حركة طالبان، الحاكمة في أفغانستان، بصورة براجماتية في مجالات التجارة وإدارة الحدود والربط الإقليمي، رغم استمرار الخلافات المتعلقة بالمياه واللاجئين والمخاوف الأمنية.

ولطالما كشفت الاشتباكات الحدودية والنزاعات حول نهر هلمند هشاشة هذه العلاقة، رغم استمرار التعاون الاقتصادي بين الجانبين.

علاقة محدودة وممرات غير مضمونة

وأكدت أمان أن هذه العلاقة تظل محدودة وشديدة الارتباط بالظروف المتغيرة، قائلة إن «التعاون يمنح إيران إمكانية الوصول إلى الممرات البرية، لكنه لا يوفر لها موثوقية سياسية أو سيطرة استراتيجية».

وأضافت أنه مع تصاعد الغموض بشأن الوصول البحري، من المرجح أن تركز إيران بصورة أكبر على شبكات التجارة البرية التي تربطها بأفغانستان وآسيا الوسطى والأسواق المجاورة.

وأشارت تقارير إقليمية، بحسب المجلة، إلى أن استمرار اضطراب الشحن في الخليج يعزز الأهمية الاستراتيجية للممرات البديلة، خاصة للتجارة الإقليمية والالتفاف على العقوبات.

كما خففت باكستان خلال السنوات الأخيرة بعض القيود على العبور، بهدف تسهيل تدفق التجارة نحو إيران وآسيا الوسطى، في انعكاس لجهد إقليمي أوسع يهدف إلى تنويع المسارات وسط حالة الغموض.

وقالت أمان إن «الممرات البرية تزداد أهمية رغم بطئها وتعقيداتها السياسية وقابليتها الأكبر للتعطل عندما تصبح الطرق البحرية غير مستقرة».

وسعت طالبان بشكل عام إلى تحاشي الاعتماد على طرف إقليمي واحد، عبر موازنة علاقاتها مع إيران وباكستان ودول الخليج والصين وآسيا الوسطى، وقد يؤدي تزايد اعتماد إيران على الممرات الأفغانية إلى تعزيز أهمية كابول التفاوضية، لكنه لن يفضي بالضرورة إلى اصطفاف سياسي طويل الأمد.

العقوبات الأمريكية وشبكات التجارة غير المباشرة

وقالت أمان إن هذا التحول لن يحدث في بيئة محايدة، إذ تستهدف أمريكا بالفعل الشبكات التي تدعم التجارة الإيرانية، وتركز العقوبات بشكل متزايد على الوسطاء وشركات الشحن والقنوات المالية والأطراف الأجنبية المرتبطة بتدفقات النفط الإيراني.

وأضافت أن الإجراءات الأخيرة تشمل فرض عقوبات على كيانات أجنبية مرتبطة بصادرات النفط الإيرانية.

وأوضحت الباحثة أن العقوبات على الصادرات الإيرانية دفعت باتجاه الاعتماد على شبكات غير مباشرة وشركات واجهة ووسطاء، معتبرة أن «العقوبات لا توقف التجارة، بل تعيد تشكيلها من خلال زيادة التكاليف والتعقيد والاعتماد على قنوات أقل ظهورا».

وفي أفغانستان، تعتمد التجارة في كثير من الأحيان على المعاملات النقدية والوسطاء غير الرسميين والشبكات الحدودية المتشعبة، ما يؤدي إلى تفاوت مستويات تطبيق العقوبات.

ويقدم النفط الإيراني مثالا واضحا على ذلك، إذ يواصل التدفق على الأسواق العالمية عبر قنوات بديلة رغم العقوبات، وينطبق المنطق نفسه على الطرق البرية.

ورجحت أمان أن يزداد الضغط، لكن تدفقات التجارة من المرجح أن تتكيف من خلال شبكات وسيطة وترتيبات شحن غير مباشرة وقنوات تمويل غير رسمية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تحاول طالبان تجنب أي خطوات من شأنها أن تضعها تحت ضغوط مباشرة من العقوبات، إذ لا ترغب الحركة في أن تصبح محور حملة عقوبات، خاصة أن اقتصادها يعاني بالفعل، كما أن وصولها إلى النظام المالي العالمي محدود، ما يجعلها غير قادرة على تحمل مزيد من التصعيد.

أفغانستان بين الممرات البرية وحسابات الإقليم

وبحسب أمان، التي عملت أيضا كاتبة ومنتجة ومذيعة في إذاعة صوت أمريكا ومراسلة لدى إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية، فإن أفغانستان ليست بمعزل عن محيطها، إذ تبقى دول الخليج جزءا من بيئتها الخارجية.

وأضافت أنه إذا أصبحت إيران أكثر اعتمادا على الطرق البرية، فقد تكتسب هذه الممرات أهمية استراتيجية إضافية بالنسبة للقوى الإقليمية التي تسعى إلى التأثير على عمليات الوصول التجاري والتمويل والخدمات اللوجستية.

وأشارت إلى أنه «بدلا من الاصطفاف الكامل مع إيران، واصلت طالبان موازنة علاقاتها مع أطراف إقليمية متعددة».

كما يزيد العامل الأمني من هشاشة الوضع، إذ تحتاج الممرات الاقتصادية إلى الاستقرار، ومن المتوقع أن تطلب إيران تشديد الرقابة الحدودية حال أصبحت أكثر اعتمادا على الطرق الأفغانية.

وقالت أمان إن «أفغانستان لطالما شكلت ساحة تتداخل فيها التنافسات الإقليمية بصورة غير مباشرة».

ولا تزال إجراءات ضبط الحدود وسيطرة الدولة غير متكافئة في أجزاء من أفغانستان، ما يخلق نقاط ضعف مستمرة لأي ممر يعتمد على استقرار طويل الأمد.

واعتبرت الباحثة أن ذلك يطرح تحديا مختلفا أمام إيران، فالطرق البرية تقلل الاعتماد على الاختناقات البحرية، لكنها تزيد الاعتماد على الظروف السياسية.

بدائل محدودة للطرق البحرية

وخلص التقرير إلى أن أي اعتماد إيراني طويل الأمد على الممرات الأفغانية سيظل مقيدا بالغموض السياسي ورغبة طالبان في الحفاظ على مرونتها الاستراتيجية.

وأشار إلى أن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية والاضطراب المطول للملاحة عبر مضيق هرمز يشيران إلى أن المنطقة تتجه إلى مرحلة لم يعد فيها من الممكن افتراض استقرار الوصول البحري خلال فترات التصعيد.

لكن التقرير أكد أن الممرات البرية لا تستطيع استبدال البنية التحتية البحرية في الخليج، لأنها لا يمكنها مجاراة القدرة الاستيعابية للنقل البحري، فضلا عن أن البنية التحتية الأفغانية المحدودة وضعف الحوكمة والتحديات الأمنية، تبقى جميعها عوامل تقيد هذا المسار.

واختتمت أمان تقريرها بالتأكيد أن الأزمة أظهرت بالفعل أن الاضطرابات الجزئية في الملاحة البحرية تدفع الفاعلين الإقليميين نحو بدائل مجزأة ومعقدة سياسيا.

وقالت إنه رغم أن أفغانستان قد لا تتحول إلى ممر تجاري مستقر، فإنها قد تصبح أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية مع سعي الدول إلى إيجاد بدائل احتياطية في بيئة إقليمية يتصاعد فيها الغموض.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved