الهدنة مزحة والقتل لذة.. شهادات صادمة من جنود إسرائيليين بغزة

آخر تحديث: السبت 30 مايو 2026 - 7:18 م بتوقيت القاهرة

إسطنبول - الأناضول

** شهادات الجنود الإسرائيليين وردت في تقرير لوكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية:
ـ مشاهد قتل الفلسطينيين باتت مألوفة وهناك شعور عام بأن حياة الإنسان ليست لها أي قيمة
ـ الأوضاع أشبه بغابة وتسمية ما يحدث بوقف إطلاق النار ليست سوى مزحة
ـ من يطلقون النار أو يصدرون أوامر بشن ضربات عبر المسيرات لا يعرفون دائما هوية من يعبر الخط والقصف يستند فقط على مجرد التخمين
ـ بناءً على السلوك المتبع فإن الجيش الإسرائيلي يتواجد في غزة للاستقرار على المدى الطويل وليس لتمهيد انسحاب مستقبلي

كشفت شهادات لجنود احتياط إسرائيليين شاركوا في حرب الإبادة على غزة عن أوامر ميدانية بقتل كل من "يقترب" من "الخط الأصفر"، وإطلاق نار مميت بناء على مجرد التخمين.

تلك الشهادات "الصادمة" وردت في تقرير لوكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية، وهي لثلاثة جنود إسرائيليين من قوات الاحتياط، طلبوا عدم ذكر أسمائهم.

والجنود الثلاثة شاركوا في عمليات لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مناطق متفرقة بغزة بين أكتوبر 2025 ويناير 2026 قبل تسريحهم، مؤكدين أن دافعهم للحديث هو "شعورهم بالغضب والحزن إزاء ما عاينوه من ممارسات".

وتسلط روايات الجنود الإسرائيليين الضوء على ممارسات ميدانية أثارت تساؤلات بشأن قواعد الاشتباك خلال فترة الهدنة، التي اعتبرها الجنود "مزحة".

وتحدث الجنود عن استهداف أشخاص دون التحقق من هوياتهم، وعن أجواء وصفوها بأنها "أشبه بغابة"، فيما أكدوا أن بعض القوات كانت تتعامل مع عمليات القتل باعتبارها أمراً اعتيادياً، حتى أن البعض بدا وكأنه يتلذذ بقتل الفلسطينيين.

**ما هو الخط الأصفر؟

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، بعد حرب إبادة جماعية استمرت عامين، وأسفرت عن أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح من الفلسطينيين، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، بتكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

وحينها، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيطرته على 53 بالمئة من مساحة غزة، بعد انسحابه إلى ما سماه "الخط الأصفر"، في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإنهاء الحرب على غزة.

و"الخط الأصفر" شريط افتراضي داخل قطاع غزة انسحب إليه الجيش الإسرائيلي مؤقتا بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على أن ينفذ انسحابات إضافية لاحقا، ويفصل بين مناطق سيطرة الجيش والمناطق التي يسمح للفلسطينيين بالوجود فيها.

وبموجب الخطة، كان يفترض أن ينفذ الجيش الإسرائيلي مزيدا من الانسحابات من غزة خلال المراحل اللاحقة.

**ارتباك وتخبط

وفي الشهادات، أكد الجنود الإسرائيليون أن حالة من "الارتباك والتخبط" تسود الجيش الإسرائيلي داخل القطاع المحاصر، وسط غياب تام للوضوح بشأن قواعد الاشتباك المحيطة بـ"الخط الأصفر".

وأشار الجنود إلى أن بعض القادة العسكريين كانوا "يبدون التزاماً ظاهرياً بالاتفاق (الخاص بالهدنة) علناً، بينما يعربون في مجالسهم الخاصة عن رغبتهم في استمرار الحرب على غزة".

** "أشبه بغابة"

وأفاد أحد الجنود الإسرائيليين بأنه شاهد زملاءه وهم "يصرخون احتفالاً ويتبادلون التبريكات"، عقب استهدافهم مركبة فلسطينية كانت تسير قرب المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة، ما أسفر عن مقتل جميع مستقليها.

وذكر الجندي أن مثل هذه المشاهد "باتت مألوفة وعادية" عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.

ووفق وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية للاتفاق، إلى "929 شهيدا و2811 مصابا"، حتى السبت.

وأوضح الجندي الإسرائيلي، وهو في العشرينات من عمره، أنه "شاهد جنودا يتلذذون بفرصة ملاحقة كل من يعبر، أو يقترب من عبور، الخط الأصفر".

وقال: "كانت الأوضاع أشبه بالغابة؛ فبعد إعلان وقف إطلاق النار، كانت الأوامر الصادرة لنا واضحة: إذا عبر أي شخص هذا الخط، أطلقوا النار عليه مباشرة".

واختتم أحد الجنود شهادته بالقول إن "تسمية ما يحدث بوقف إطلاق النار ليست سوى مزحة".

** قتل بالحدس والتخمين

جيش الاحتلال الإسرائيلي رد من جانبه على الوكالة الأمريكية زاعما أن "المنطقة المتاخمة للخط الأصفر تُعدّ بيئة عملياتية حساسة، حيث توجد لافتات تحظر الاقتراب منها".

وادعى الجيش أنه "لا يستهدف المدنيين لمجرد اقترابهم من الخط، وأن قواعد الاشتباك لديه تقتضي استخدام الإنذارات قبل اللجوء إلى القوة. وأنه في حالات التهديد المباشر، يحق للقوات التدخل".

لكن أحد الجنود الذين تحدثوا للوكالة ومنظمة "كسر الصمت" (منظمة إسرائيلية غير حكومية توثق شهادات الجنود) قال: "في كثير من الأحيان كان الجنود يتواجدون في مواقع بعيدة جداً، ويتصرفون بسرعة مفرطة وتحت ضغوط ميدانية هائلة تحول دون قدرتهم على التمييز والتحقق من هوية المستهدفين".

وأفاد بأن اتفاق وقف إطلاق النار بدأ خلال جولة خدمته العسكرية الثانية داخل قطاع غزة.

وأشار إلى أنه كان يتمركز على بُعد بضع مئات من الأمتار من "الخط الأصفر"، وعاين بنفسه مقتل عدة أشخاص برصاص الجنود أثناء محاولتهم عبور الخط.

وأكد الجندي أن من يطلقون النار أو يصدرون أوامر بشن ضربات عبر الطائرات المسيرة لا يعرفون دائما هوية من يعبر الخط.

وتابع: "على الرغم من التزام الجنود بتقديم الإحداثيات الميدانية والحصول على موافقة مسبقة من القيادة العليا قبل تنفيذ أي استهداف، إلا أن تقديم معلومات دقيقة يظل أمراً معقداً نظراً للتحركات المستمرة للأشخاص (المستهدفين من قبل الجيش الإسرائيلي)".

وقال إن قيام الجنود بطلب القصف وإرسال إحداثيات مبنى معين "يستند فقط على مجرد الحدس والتخمين" أو تبعا لآخر موقع شوهد فيه الشخص المراد استهدافه.

من جانبها، أكدت منظمة "كسر الصمت" الحقوقية أن قواعد الاشتباك العامة المعمول بها في غزة "باتت فضفاضة وتسمح بإطلاق النار بشكل مفرط، لاسيما ضد من يعبرون الخط".

وأشارت المنظمة إلى أن الأوامر العسكرية الصارمة في مناطق عدة تقتضي "إطلاق النار بقصد القتل" مباشرة.

** التصفية أولا

ووفقاً لشهادة وثقتها المنظمة واطلعت عليها "أسوشييتد برس"، قال جندي إن التعليمات الموجهة للقوات بشأن أي شخص يقترب من الخط الأصفر، هي: "قوموا بتصفيته مهما كلف الثمن".

وفي سياق متصل، أفاد جندي آخر تمركز في قطاع غزة لأسابيع عقب الهدنة، بأن الرسالة الإدارية والميدانية الواضحة الصادرة عن القادة كانت تقتضي "الحفاظ على الخط العازل وحمايته بأي ثمن".

وتابع الجندي: "كان هناك شعور عام سائد بين الصفوف (القوات الإسرائيلية) بأن حياة الإنسان ليست لها أي قيمة".

أما فيما يتعلق بوضع العلامات الفاصلة وتحديد "الخط الأصفر"، فأوضح الجندي أن قادته المباشرين أبلغوه بأن القيام بذلك يعد "جهداً وعملاً شاقاً يفوق طاقتهم"، وليس من صميم وظيفتهم، وأنه يتوجب على الفلسطينيين أن يعرفوا بأنفسهم حدود الخط".

ولفت إلى أن القناصة كانوا في بعض الأحيان يطلقون طلقات تحذيرية على من يقتربون من الخط، إلا أن الأوامر اللاحقة من القيادة طلبت من القوات "اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية أنفسهم، وهو ما فهمه الجنود على أنه ضوء أخضر لإطلاق رصاصات أكثر فتكاً وقاتلة".

وأجمع الجنود في حديثهم للوكالة بأن "القوات على الأرض استوعبت تماماً، بناءً على سلوك القادة والزملاء، أن إسرائيل تتواجد في غزة للاستقرار على المدى الطويل وليس لتمهيد انسحاب مستقبلي".

والخميس، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، باحتلال جيشه 60 بالمئة من مساحة قطاع غزة، كاشفا عن نية حكومته توسيع المساحة التي يحتلها في القطاع إلى 70 بالمئة.

واختتم الجنود شهاداتهم بالتأكيد على أن وقف إطلاق النار على أرض الواقع يظل "صعب المنال"، حيث قال أحدهم معلقاً على مصطلح "الهدنة": "يتعين علينا التوقف تماماً عن استخدام هذه اللفظة؛ فهي لا تخدم إطلاقاً الأشخاص الراغبين في إنهاء هذه الحرب".

وفي الإطار ذاته، أظهرت بيانات منفصلة صادرة عن "مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها" (أكليد)، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة، أن شهر أبريل الماضي، كان "الأكثر دموية" في غزة هذا العام.

وارتفع عدد الشهداء قرب "الخط الأصفر" أو لأشخاص عبروه بنسبة تتجاوز 25 بالمئة، ليقفز من 58 شهيدا في يناير الماضي إلى 73 في أبريل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved