رسالة بابوية عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن قراءات المستشار الألماني الصيفية
آخر تحديث: الخميس 30 يوليه 2026 - 11:19 م بتوقيت القاهرة
منى غنيم
في الوقت الذي يرتبط فيه فصل الصيف عادة بالروايات الخفيفة والكتب المسلية التي تُقرأ على الشواطئ أو خلال السفر، اختار المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، أن يقضي عطلته مع كتاب يتناول واحدة من أكثر القضايا الأخلاقية إلحاحا في العصر الحديث؛ فبعد نحو 14 شهرا من توليه رئاسة حكومة ألمانيا، وهي فترة اتسمت بتحديات سياسية متلاحقة، حمل "ميرتس" معه في عطلته الرسالة العامة التي أصدرها البابا لاون الرابع عشر بشأن الذكاء الاصطناعي، بعنوان "الإنسانية العظيمة"، بحسب ما أوردته صحيفة "فرانكفورتر".
وكانت صحيفة "الجارديان" قد وصفت الوثيقة، عند صدورها في مايو الماضي، بأنها أول وثيقة محورية في حبرية البابا الجديد تُعنى بحماية البشرية، وتدعو الرسالة إلى إخضاع التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي لضوابط أخلاقية صارمة، محذرة من أنه قد يمثل التهديد الأكبر الذي تواجهه الإنسانية.
ورغم أن "ميرتس"، البالغ من العمر 70 عاما، ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية، فإنه يحرص عادة على عدم الخوض في معتقداته الدينية، ما جعل اختياره لهذا الكتاب يثير اهتماما لافتا.
ويواجه المستشار الألماني، الذي يُعد من أقل المستشارين شعبية في تاريخ ألمانيا الحديث، ضغوطا سياسية متزايدة، في وقت يرى فيه أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة لإعادة تنشيط أكبر اقتصاد في أوروبا بعد سبع سنوات من الركود، إلى جانب كونه تحديا يتطلب إطارا تنظيميا متوازنا، كما يدعو إلى تبسيط القواعد الأوروبية، محذرا من أن الإفراط في الإجراءات البيروقراطية قد يعرقل الاستفادة من إمكانات هذه التكنولوجيا.
وفي خطاب ألقاه في أبريل الماضي، أكد "ميرتس" أن ألمانيا تُعد من الدول الرائدة عالميا في توظيف الذكاء الاصطناعي، لاسيما في القطاع الصناعي، معربا عن ثقته في قدرته على تعزيز الإنتاجية وتحقيق النمو الاقتصادي، في وقت تشهد فيه البلاد تصاعدا في شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف.
وفي المقابل، أقر بأن الحماس الذي يبديه البعض تجاه الذكاء الاصطناعي يقابله قلق واسع لدى كثير من الألمان، الذين يخشون أن يؤدي إلى فقدان الوظائف وإحداث تغييرات جذرية في حياتهم، وقال: "السؤال لم يعد ما إذا كنا نريد الذكاء الاصطناعي أم لا، فهو موجود بالفعل وأصبح جزءا من الواقع العملي، وما يتعين علينا الآن هو تحديد الكيفية التي سندير بها هذا التحول".
ويأتي هذا الاهتمام بالقضايا الأخلاقية في وقت يمر فيه "ميرتس" بواحدة من أصعب الفترات السياسية منذ توليه منصبه، بعدما تفجرت أزمة داخل حزبه قبل أسبوعين؛ فقد أعلن رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي، ينس شبان، وزوجه استقبالهما طفلا وُلد عبر أم بديلة في الولايات المتحدة، وهو ما أثار انتقادات واسعة، نظرا إلى معارضة الحزب الصريحة للأمومة البديلة، المحظورة قانونا في ألمانيا.
ولم تمض سوى أيام حتى غادر "شبان" منصبه، لتدخل الحكومة في أكبر تعديل وزاري تشهده البلاد منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، إلا أن عملية التعديل اتسمت بقدر كبير من الارتباك، بعدما انسحب أحد المرشحين لتولي حقيبة وزارية في اللحظة الأخيرة، تاركا الوزير الذي كان سيحل محله في موقف بالغ الحرج، قبل أن يعلن الأخير استقالته حفاظا على كرامته.
وهكذا، تبدو القراءة الصيفية للمستشار الألماني انعكاسا لواقع يفرض عليه مواجهة أسئلة أخلاقية وسياسية في آن واحد، إذ يعود من عطلته إلى تحديات داخلية وانتخابات مرتقبة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في ألمانيا.